فهرس الكتاب

الصفحة 3127 من 11127

1997 - 1998 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة والمعجمة المشددة، البصري الملقب ببندار، قال (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) كجندب، وهو محمَّد بن جعفر، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، قال (سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِيسَى) بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكشميهني زيادة وهو ابن أخي محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى الفقيه المشهور، وكان عبد الله أسنَّ من عمِّه محمَّد، وكان يقال إنَّه أفضل من عمِّه وهو ثقة، لكن فيه تشيُّع. وليس له في هذا «الصَّحيح» سوى هذا الحديث، وآخر في أحاديث الأنبياء من روايته عن جدِّه عبد الرَّحمن عن كعب بن عجرة [خ¦3370] .

(عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب. وفي رواية الدَّارقطني من طريق النَّضر بن شميل، عن شعبة، عن عبد الله بن عيسى سمعت الزُّهري (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ)

ج 9 ص 544

أمِّ المؤمنين رضي الله عنها (وَعَنْ سَالِمٍ) هو ابن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وهو من رواية الزُّهري عن سالم فهو موصولٌ.

(عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ قَالَا) أي عائشة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما (لَمْ يُرَخَّصْ) بضم الياء على صيغة البناء للمفعول (في أيَّامِ التَّشْرِيقِ) وهي الأيَّام الثَّلاثة التي بعد يوم النَّحر.

وقوله (أَنْ يُصَمْنَ) على صيغة المجهول للجمع المؤنث؛ أي يصام فيهن فحذف الجار، وأوصل الفعل إلى الضَّمير (إلاَّ لَمِنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ) وفي رواية أبي عَوانة عن عبد الله بن عيسى عند الطَّحاوي (( إلَّا لمتمتع أو محصر ) )أي فيجوز له صيامها، كذا رواه الحفَّاظ من أصحاب شعبة بضم الياء في قوله (( لم يُرخص ) )على البناء للمفعول، ولم تضفه عائشة وابن عمر رضي الله عنهم إلى الزَّمن النَّبوي، فهو موقوفٌ كما جزم ابن الصَّلاح في نحوه ممَّا لم يضف. والمعنى حينئذٍ لم يرخِّص من له مقام الفتوى، لكن جعله الحاكم أبو عبد الله من المرفوع. قال النَّووي في «شرح المهذَّب» وهو القوي؛ يعني من حيث المعنى، وهو ظاهر استعمال كثير من المحدِّثين. واعتمده الشَّيخان في «صحيحهما» وأكثر منه البخاري. وقال التَّاج ابن السُّبكي إنَّه الأظهر، وإليه ذهب الإمام فخر الدِّين. وقال ابن الصبَّاغ في «العمدة» إنَّه الظَّاهر. وقد وقع في رواية يحيى بن سلام عن شعبة عند الدَّارقطني والطَّحاوي رخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتمتِّع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيَّام التَّشريق. هذا لفظ الدَّارقطني.

وأمَّا لفظ الطَّحاوي فقال حدَّثنا محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال حدَّثنا يحيى بن سلام، قال حدَّثنا شعبة، عن ابن أبي ليلى، عن الزُّهري، عن سالم، عن أبيه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المتمتِّع إذا لم يجد الهدي ولم يصم في العشر أنَّه يصوم أيَّام التَّشريق.

وذكر الطَّحاوي هذا في معرض الاحتجاج لمالك والشَّافعي وأحمد؛ فإنَّهم قالوا للمتمتِّع إذا لم يصم في أيَّام العشر؛ لعدم الهدي يجوز له أن يصوم في أيَّام التَّشريق، وكذا القارن والمحصر.

ثمَّ إنَّ هذه الرِّواية هي الرِّواية الثَّانية عن أحمد، واختاره ابن عبدوس في «تذكرته» ، وصحَّحه في «الفائق» ، وقدَّمه في «المحرر» و «الرعاية الكبرى» . وقال ابن منجا في «شرحه» إنَّه المذهب، وهي قول

ج 9 ص 545

الشَّافعي في القديم لحديث الباب. قال في «الروضة» وهو الرَّاجح دليلًا، والصَّحيح من مذهب الشَّافعي هو قول الجديد.

ومذهب الحنفيَّة أنَّه يحرم صومها لعموم النَّهي، وهي الرِّواية الأولى عن أحمد. قال الزَّركشي الحنبلي وهي التي ذهب إليها أحمد أخيرًا. قال في «المنهج» وهي الصَّحيحة. انتهى.

وقد احتجَّ الطَّحاوي لأبي حنيفة وأصحابه بحديث عليٍّ رضي الله عنه قال خرج منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيَّام التَّشريق فقال (( إنَّ هذه الأيَّام أيَّام أكل وشرب ) ). وأخرجه بإسنادٍ حسنٍ.

وأخرجه النَّسائي وابن ماجه وأحمد والدَّارمي والطَّبراني والبيهقي بأطول منه. وأخرج أيضًا من حديث إسماعيل بن محمَّد بن سعد بن أبي وقَّاص، عن أبيه، عن جدِّه رضي الله عنه قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي أيَّام منى (( إنَّها أيَّام أكل وشرب فلا صوم فيها ) )يعني أيَّام التَّشريق. وأخرجه أحمد في «مسنده» . وأخرج أيضًا من حديث عطاء عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أيَّام التَّشريق أيَّام أكل وشرب ) ).

وأخرج أيضًا من حديث سعيد بن كثير أنَّ جعفر بن المطَّلب أخبره أنَّ عبد الله بن عَمرو بن العاص دخل على عَمرو بن العاص، فدعاه إلى الغداء فقال إنِّي صائم، ثمَّ الثَّانية فكذلك، ثمَّ الثَّالثة فكذلك، فقال لا إلَّا أن تكون سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فإنِّي سمعتُه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعني النَّهي عن الصِّيام أيَّام التَّشريق.

وأخرج أيضًا من حديث سليمان بن يسار، عن عبد الله بن حذافة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أمره أن ينادي في أيَّام التَّشريق أنَّها أيَّام أكلٍ وشرب، وإسناده صحيح. وأخرجه الطَّبراني.

وأخرج أيضًا من حديث عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أيَّام التَّشريق أيَّام أكل وشرب وذكر لله عزَّ وجلَّ ) ).

وأخرج أيضًا من حديث أبي المليح الهذلي، عن نبيشة الهذلي، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مثله، وأخرجه مسلم.

وأخرج أيضًا من حديث عمرو بن دينار أنَّ نافع بن جبير أخبره عن رجل من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم. قال عمرو قد سمَّاه

ج 9 ص 546

نافع فنسيته أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل من بني غِفَار يقال له بشر بن سُحَيم قم فأذِّن في النَّاس إنَّها أيَّام أكل وشرب في أيَّام منىً. وأخرجه النَّسائي، وابن ماجه.

وأخرج أيضًا من حديث يزيد الرَّقاشي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن صوم أيَّام التَّشريق الثَّلاثة بعد يوم النَّحر.

وأخرجه أبو يعلى في «مسنده» من حديث يزيد الرَّقاشي عن أنس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم خمسة أيَّام من السَّنة يوم الفطر ويوم النَّحر وأيَّام التَّشريق، وهذه حجَّة قويَّة لأصحابنا في حرمة الصَّوم في الأيَّام الخمسة.

وأخرج أيضًا من حديث عبد الرَّحمن بن جُبير، عن مَعمر بن عبد الله العدوي قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أُأَذن في أيَّام التَّشريق بمنىً لا يصومنَّ أحد، فإنَّها أيَّام أكلٍ وشرب. وأخرجه أبو القاسم البغوي في «معجم الصَّحابة» .

وأخرج أيضًا من حديث سليمان بن يسار وقبيصة بن ذؤيب يحدِّثان، عن أمِّ الفضل امرأة عبَّاس بن عبد المطَّلب قالت كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنىً أيَّام التَّشريق، فسمعت مناديًا يقول (( إنَّ هذه الأيَّام أيَّام طعم وشرب وذكر لله ) )قالت فأرسلت رسولًا، مَنِ الرَّجلُ ومَنْ أمره؟ فجاءني الرَّسول فحدَّثني أنَّه رجل يقال له حذافة يقول أمرني بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج أيضًا من حديث عمر بن خلدة الزُّرقي عن أمِّه قالت بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب في أوسط أيَّام التَّشريق فنادى في النَّاس (( لا تصوموا في هذه الأيَّام فإنها أيَّام أكلٍ وشربٍ ) ). وأخرجه ابنُ أبي شيبة في «مصنفه» . وأخرج أيضًا من حديث مسعود بن الحكم الزُّرقي قال حدَّثتني أمِّي قالت لكأنِّي أنظرُ إلى عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه على بغلة النَّبي صلى الله عليه وسلم البيضاء حين قامَ إلى شعبِ الأنصار وهو يقول (( يا معشر المسلمين! إنَّها ليست أيَّام صومٍ، إنَّها أيَّام أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله عزَّ وجلَّ ) ). وأخرجه النَّسائي أيضًا.

وأخرج أيضًا من حديث مخرمةَ بن بُكير، عن أبيه قال سمعت سليمان بن يسار

ج 9 ص 547

يزعم أنَّه سمع ابن الحكم الزُّرقي يقول حدَّثنا أبي أنَّهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعوا راكبًا، وهو يصرخ (( لا يصومنَّ أحد فإنَّها أيَّام أكلٍ وشربٍ ) ). وابن الحكم هو مسعود بن الحكم، وأبوه الحكم الزُّرقي، ذكره ابنُ الأثير في «الصَّحابة» . وأخرج أيضًا من حديث يحيى بن سعيد أنَّه سمع يوسف بن مسعود بن الحكم الزُّرقي يقول حدَّثتني جدَّتي، فذكر نحوه، وجدَّته حبيبة بنت شريق.

وأخرج أيضًا من حديثِ مسعود بن الحكم الأنصاري، عن رجلٍ من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم قال أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حُذافة أن يركبَ راحلته أيَّام منىً، فيصيح في النَّاس (( ألا لا يصومنَّ أحدٌ فإنَّها أيَّام أكل وشرب ) ). قال فلقد رأيته على راحلته ينادي بذلك. وأخرجه الدَّارقطني بإسنادٍ ضعيف، وفي آخره (( ألا إنَّ هذه أيَّام عيد وأكل وشرب وذكرٍ، فلا يصومنَّ إلَّا محصر أو متمتِّع لم يجد هديًا، ولم يصم في أيَّام الحجِّ المتتابعة، فليصمهنَّ ) ).

فهذا الطَّحاوي أخرج أحاديث النَّهي عن الصَّوم في أيَّام التَّشريق عن ستَّة عشر نفسًا من الصَّحابة رضي الله عنهم، وهذا هو الإمام الجهبذ صاحب اليد الطُّولى في هذا الفنِّ.

ثمَّ قال الطَّحاوي فلمَّا ثبت بهذه الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النَّهي عن صيام أيَّام التَّشريق، وكان نهيه عن ذلك بمنىً والحاج مقيمون بها، وفيهم المتمتِّعون والقارنون، ولم يستثن منهم متمتِّعًا ولا قارنًا دخل المتمتِّعون والقارنون في ذلك.

ثمَّ أجاب عن حديثهم وهو حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن في إسناده يحيى بن سلام، وأنَّه حديث منكر لا يثبته أهل العلم بالرِّواية؛ لضعف يحيى بن سلام وابن أبي ليلى، وفساد حفظهما. والدَّارقطني أيضًا ضعَّف يحيى بن سلام. وقال في ابن أبي ليلى فيه مقالٌ، وكان يحيى بن سعيد يضعِّفه. وعن أحمد كان سيء الحفظ مضطَّرب الحديث. وعن أبي حاتم يكتب حديثه ولا يحتجُّ به. وذِكْرُ الطَّحاوي ابن أبي ليلى بفساد حفظه وضعفه يدلُّ على أنَّه هو محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى؛ إذ لو كان هو عبد الله بن عيسى بن عبد الرَّحمن ابن أبي ليلى لما ذكره هكذا. على أنَّه قد قال ابن المديني عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى عندي منكر،

ج 9 ص 548

وكان يتشيَّع.

وأيضًا فالحديث الذي فيه عبد الله بن عيسى ليس بمرفوع، بخلاف الحديث الذي ذكره الطَّحاوي. ولم يذكر الطَّحاوي طريق عائشة، وإذا لم يصح الطَّريق المصرَّحة بالرفع بقي الأمر على الاحتمال.

وقد اختلف العلماء في قول الصَّحابي أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا هل له حكم الرَّفع على أقوال ثالِثُها إنْ أَضَافَه إلى عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم فله حكم الرَّفع، وإلَّا فلا.

واختلف التَّرجيح فيما إذا لم يضفه، ويلتحق به رخص لنا في كذا، وعزم علينا أن لا نفعل كذا، فالكلُّ في الحكم سواء، فمن يقول إنَّ له حكم الرَّفع فغاية ما وقع في رواية يحيى بن سلام أنَّه روي بالمعنى. وقد حصل الجواب عن أثر عائشة وابن عمر رضي الله عنهم بما ذكر في عبد الله بن عيسى.

ونقل الحافظ العسقلاني أنَّ الطَّحاوي قد قال إنَّ قول ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم لم يرخص ... إلى آخره؛ أخذاه من عموم قوله تعالى {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} [البقرة 196] لأنَّ قوله {فِي الحَجِّ} يعمُّ ما قبل يوم النَّحر وما بعده، فيدخل أيَّام التَّشريق. انتهى.

وقال الحافظُ العسقلاني وعلى هذا فليس بمرفوع، بل هو بطريق الاستنباط عمَّا فهماه من عموم الآية، وقد ثبت نهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم أيَّام التَّشريق، وهو عامٌّ في حقِّ المتمتِّع وغيره، وعلى هذا فقد تعارض عموم الآية المشعرُ بالإذن، وعموم الحديث المشعرُ بالنَّهي، وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد نظر لو كان الحديث مرفوعًا، فكيف وفي كونه مرفوعًا نظر، فعلى هذا يترجَّح القول بالجواز. وإلى هذا جنح البخاري رحمه الله. انتهى.

وتعقَّبه القسطلاني بأنَّ قوله لو كان الحديث مرفوعًا، فكيف وفي كونه مرفوعًا نظر، لا معنى له؛ لأنَّه إن كان مراده حديثَ النَّهي عن صوم أيَّام التَّشريق المرويَّ في غير ما حديث فهو بلا شكٍّ مرفوع كما صرَّح هو به حيث قال وقد ثبت نهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم أيَّام التَّشريق، وإن كان مراده منه حديث الباب، فليس التَّعارض المذكور بينه وبين عموم الآية، وكيف يكون ذلك وقد ادعى استنباطه منها؟! فالظَّاهر أنَّه سهو.

ولئن سلَّمنا التَّعارض بين حديث النَّهي والآية فالصَّحيح أنَّه مخصص لعمومها،

ج 9 ص 549

لكنَّا لا نسلِّم أن أيَّام التَّشريق من أيَّام الحجِّ كما لا يخفى، وقد نصَّ عليه الشَّافعي وغيره، على أنَّ الطَّحاوي لم يجزم بأنَّ ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم أخذاه من عموم الآية وعبارته، فقولهما ذلك يجوز أن يكونا عنيا بهذه الرُّخصة ما قال الله تعالى في كتابه {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} فعدَّا أيَّام التَّشريق من أيَّام الحجِّ، فقالا رخَّص للحاجِّ والمتمتِّع والمحصر في صوم أيَّام التَّشريق لهذه الآية، ولأنَّ هذه الأيَّام عندهما من أيَّام الحجِّ، وخفي عليهما ما كان من توقيف رسول الله صلى عليه وسلم النَّاس من بعده على أنَّ هذه الأيَّام ليست بداخلة فيما أباح الله عزَّ وجلَّ صومه. انتهى.

فإن قيل كيف يخفى عليهما هذا المقدار مع مكانتهما في العلم؛

فالجواب أنَّ هذا منهما اجتهاد، والمجتهد قد يخفى عليه ما لا يخفى على غيره، والله أعلم.

ثمَّ العجب من العيني كونه لم ينبِّه على ذلك، ولم يعرِّج عليه كغيره من الشُّراح مع كثرة تعقُّبه على ذلك الحافظ، والله أعلم.

تكميل وفي النَّهي عن صيام هذه الأيَّام، والأمر بالأكل والشُّرب سرٌّ حسن، وهو أنَّ الله تعالى لمَّا علم ما يلاقي الوافدون إلى بيته من مشاقِّ السَّفر، وتعب الإحرام وجهاد النُّفوس على قضاء المناسك شرع لهم الاستراحة عقب ذلك بالإقامة بمنىً يوم النَّحر وثلاثة أيَّام بعده، وأمرهم بالأكل فيها من لحوم الأضاحي، فهم في ضيافة الله تعالى فيها لطفًا من الله تعالى بهم ورحمة، وشاركهم أيضًا أهل الأمصار في ذلك؛ لأنَّهم شاركوهم في النَّصب لله في عشر ذي الحجَّة بالصَّوم والذِّكر والاجتهاد في العبادات، وفي التقرُّب إلى الله تعالى بإراقة دماء الأضاحي، وفي حصول المغفرة، فشاركوهم في أعيادهم، واشترك الجميع في الرَّاحة بالأكل والشَّراب فصار المسلمون كلُّهم في ضيافة الله تعالى في هذه الأيَّام يأكلون من رزقه، ويشكرونه على فضله، ولمَّا كان الكريم لا يليق به أن يجيع أضيافه نهوا عن صيامها، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت