179 - (حَدَّثَنَا سَعْدُ) بسكون العين كذا للجميع إلا القَابِسي فإنه قال بالياء (بْنُ حَفْصٍ) أبو محمد الطَّلْحي بالمهملتين (الكُوفِيُّ) مات سنة خمس عشرة ومائتين (قال حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن النحوي أبو معاوية (عَنْ يَحْيَى) أي ابن أبي كثير البصري التابعي (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللام، عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف التابعي، وكل هؤلاء تقدموا في باب كتابة العلم [خ¦112] .
(أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ) بفتح المثناة التحتية والسين المهملة المدني، وقد مر في باب كفران العشير [خ¦29] (أَخْبَرَهُ أَنْ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ) المدني الصحابي (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وفي رجال هذا الإسناد ثلاثة من التابعين اثنان من كبارهم وهما أبو سلمة، وعطاء، والثالث تابعي صغير وهو يحيى بن أبي كثير، والثلاثة على نسق واحد، وفيهم صحابيان يروي أحدهما عن الآخر وهما زيد بن خالد وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، وهم ما بين كوفي وبصري ومدني، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الطهارة في مواضع [خ¦292] ، وأخرجه مسلم فيها أيضًا [1] .
(قُلْتُ) بتاء المتكلم على سبيل الالتفات من الغيبة إلى التكلم لقصد حكاية لفظة نفسه، وإلا لكان مقتضى ظاهر الكلام أن يقول (قال) كما قال (سأل) (أَرَأَيْتَ) أي أخبرني هل يجب أن يتوضأ (إِذَا جَامَعَ) الرجل امرأته أو أَمَته (فَلَمْ) وفي رواية بالواو (يُمْنِ) بضم الياء وسكون الميم، من الإمناء وعليه الرواية، وفيه لغة ثانية _ فتح الياء _، وثالثة _ ضم الياء وفتح الميم وتشديد النون _، يقال مَنَى وأَمْنَى ومَنيٌّ ثلاث لغات والوسطى أشهر وأفصح، وبها جاء القرآن، قال الله تعالى {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ} [الواقعة 58] .
(قَالَ عُثْمَانُ) رضي الله عنه (يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ) أي الوضوء الشرعي لا الوضوء اللغوي، وإنما أمره بالوضوء احتياطًا؛ لأن
ج 2 ص 169
الغالب خروج المذي من المجامع وإن لم يشعر به (وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ) لتنَجُّسه بالمذي، واختلفوا هل يجب غسل كل الذكر أو غسل ما أصابه المذي؟
فقال مالك بالأول، وقال الشافعي بالثاني، وأيضًا قد اختلف أصحاب مالك؛ منهم من أوجب غَسل الذكر كلِّه لظاهر الخبر، ومنهم من أوجب غَسل مخرج المذي وحده، وعن الزهري لا يغسل الأنثيين من المذي إلا أن يكون أصابهما شيء، وقال الأثرم وعلى هذا مذهب أبي عبد الله سمعته لا يرى في المذي إلا الوضوء ولا يرى فيه الغسل، وهذا قول أكثر أهل العلم.
وفي (( المغني ) )لابن قدامة المذي يَنقضُ الوضوء وهو ماء يخرج لزجًا مُتسبْسِبًا عند الشهوة، فيكون على رأس الذكر، واختلفت الرواية في حكمه، فروي أنه لا يوجب الاستنجاء والوضوء، وروي أنه يوجب [غُسل] الذكر والأنثيين مع الوضوء.
وقال الطحاوي لم يكن قوله صلى الله عليه وسلم «يغسل مذاكيره» لإيجاب الغسل ولكنه ليتقلص؛ أي ليرتفع وينزوي المذي فلا يخرج، والدليل عليه ما جاء في (( صحيح مسلم ) ) «توضأ وانضح فرجك» وهو مذهب إمامنا الأعظم أبي حنيفة وأصحابه، وبه قال الشافعي، ومالك في رواية، وأحمد في رواية، ثمَّ إن الواو لا تدل على الترتيب بل على مطلق الجمع فلا فرق بين أن يغسل الذكر قبل الوضوء أو بعده على وجه لا ينتقض الوضوء معه.
(قَالَ عُثْمَانُ) رضي الله عنه (سَمِعْتُهُ) أي المذكور كله (مِنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم) قال زيد (فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا) أي ابن أبي طالب (وَالزُّبَيْرَ) أي ابن العوام (وَطَلْحَةَ) أي ابن عبيد الله (وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) رضي الله عنهم (فَأَمَرُوهُ) أي المجامع دل عليه قوله إذا جامع (بِذَلِكَ) أي بأن يتوضأ ويغسل ذكره.
وفي الحديث وجوب الوضوء على من جامع ولم يُنْزِل لا الغسل لكنه منسوخ، قال صلى الله عليه وسلم «إذا التقى الخِتَانان وجب الغُسْل» .
وقد انعقد الإجماع بعد أن كان في الصحابة من لا يوجب الغسل إلا بالإنزال كعثمان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، ورافع بن خَديج، وأبي سعيد الخُدْري، وأُبَي بن كعب، وابن عباس، وزيد بن ثابت،
ج 2 ص 170
وكعطاء بن أبي رباح، وهشام بن عروة، والأعمش، وبعض أصحاب الظاهر _وقد رجع بعضهم_ في التابعين أيضًا، فإن قيل إذا كان الحديث منسوخًا فكيف يصح الاستدلال به؟.
فالجواب أن المنسوخ منه عدم وجوب الغسل، وأما الأمر بالوضوء فهو باق؛ لأنه مُنْدرج تحت الغسل، والحكمة في الأمر بالوضوء قبل أن يجب الغسل إما كون الجماع مَظِنة خروج المذي أو ملامسة المرأة، وقد روي إيجاب الغسل عن عائشة أم المؤمنين، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن عمر، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، والمهاجرين رضي الله عنهم، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم، والنَّخَعي والثوري رحمهم الله تعالى [2] .
وأما مطابقة الحديث للترجمة فقد قال الكِرماني إنه يدل على وجوب الوضوء من الخارج من المخرج المعتاد، نعم لا يدل على الجزء الآخر وهو عدم الوجوب في غيره، ولا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل الترجمة، بل لو دل البعض على البعض بحيث يدل كل ما في الباب على كل الترجمة لصح التعبير بها.
قال العيني وفيه أن الحديث منسوخ بإجماع الأمة واتفاق أئمة الفتوى فلا يناسب الترجمة، وإن الباب معقود فيمن لم ير الوضوء إلا من المخرجين وهاهنا لا خلاف فيه، فافهم.
[1] في هامش الأصل وذلك لما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الدارقطني أن رجلًا قال يا رسول الله إني كلما توضأت سال فقال (( إذا توضأت فسَالَ من قَرْنِكَ إلى قدمك فلا وضوء عليك ) )ولكن قال الدارقطني هذا الحديث لا يصح. منه.
[2] من قوله (( وقد روي ... إلى قوله رحمهم الله تعالى ) )ليس في (خ) .