2007 - (حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير الحنظلي، قال (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلمي مولى سلمة بن الأكوع، وفي رواية غير أبي ذرٍّ
ج 9 ص 565
سقط لفظ (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) هو ابنُ عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد الله (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ) هو هند بن أسماء بن حارثة الأسلمي (أَنْ) تفسيرية (أَذِّنْ) أمر من التَّأذين (فِي النَّاسِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ) أي فليمسك (بَقِيَّةَ يَوْمِهِ) حرمة لليوم (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ) وهذا الحديث هو السَّادس من ثلاثيات البخاري، وقد مضى في أثناء الصِّيام، في باب إذا نوى بالنَّهار صومًا [خ¦1924] ، وقد تقدَّم الكلام عليه هناك.
وقد استُدلَّ به على إجزاء الصَّوم بغير نيَّة من اللَّيل لمن طرأ عليه العلم بوجوب صوم ذلك اليوم، كمن ثبت عنده في أثناء النَّهار أنَّه من رمضان، فإنَّه يتمُّ صومه ويجزئه، وهذا بناء على أنَّ عاشوراء كان صومه واجبًا، وقد تقدَّم الكلام في ذلك في الباب المذكور [خ¦1924] .
تذييل روى الطَّحاوي حدَّثنا يونس قال ثنا ابن وهب قال نا عبد الله بن عُمر واللَّيث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( من أحبَّ منكم أن يصومَ يوم عاشوراء فليصمه، ومن لم يحب فليدعه ) ).
وأخرج الدَّارمي في «سننه» أنا يعلى، عن محمَّد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( هذا يوم عاشوراء كانت قريش تصومه في الجاهليَّة، فمن أحبَّ منكم أن يصومه فليصمه، ومن أحبَّ منكم أن يتركه فليتركه ) ).
وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يصوم إلَّا أن يوافق صيامه، وهذا يدلُّ على الاختيار في صومه، ولكن قد مضى في أوَّل كتاب الصَّوم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال صام النَّبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء، وأمر بصيامه، فلمَّا فرض رمضان تُرِكَ [خ¦1892] ، وقد مرَّ في هذا الباب أيضًا [خ¦2002] ، وهذا يدلُّ على أنَّه كان واجبًا.
وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة
منها ما رواه الطَّحاوي من حديث حبيب بن هند بن أسماء، عن أبيه قال بعثني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى قرى من أسلم فقال (( قل لهم فليصوموا يوم عاشوراء، فمن وجدت منهم قد أكل في صدر يومه فليصم آخره ) ). وأخرجه أحمد أيضًا في «مسنده» ، وهذا
ج 9 ص 566
أيضًا يدلُّ على أنَّ صوم عاشوراء كان واجبًا.
ومنها ما رواه الطَّحاوي أيضًا حدَّثنا علي بن شيبة قال نا روح قال ثنا شعبة، عن قتادة، عن عبد الرَّحمن بن سلمة الخزاعي هو المنهال، عن عمِّه قال غدونا على رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة يوم عاشوراء وقد تغدَّينا فقال أصمتم هذا اليوم؟ فقلنا قد تغدينا، قال فأتمُّوا بقيَّة يومكم، وقد استدلَّ به من كان يقول إنَّ صوم يوم عاشوراء كان فرضًا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بإتمام بقيَّة يومهم ذلك بعد أن تغدَّوا في أوَّل يومهم، فهذا لم يكن إلَّا في الواجب. وأُجيب عن هذا الاستدلال بوجوه
الأوَّل ما قاله البيهقي من أنَّ هذا الحديث ضعيف؛ لأنَّ عبد الرَّحمن فيه مجهولٌ، ويختلف في اسم أبيه، ولا يدرى من عمه. ورُدَّ عليه بأن النَّسائي أخرجه من حديث عبد الرَّحمن هذا عن عمِّه أنَّ أسلم أتت النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( أصمتُم يومكم هذا؟ ) )قالوا لا، قال (( فأتمُّوا بقيَّة يومكم واقضوا ) ). وعبد الرَّحمن سلمة ويقال ابن مسلمة الخزاعي، ويقال ابن المنهال بن سلمة الخزاعي، ذكره ابن حبَّان في «الثقات» وروى له أبو داود والنَّسائي هذا الحديث، وعمُّه صحابي لم يذكر اسمه، وجهالة الصَّحابي لا تضرُّ صحَّة الحديث.
الوجه الثَّاني ما قيل من أنَّ هذا كان حكمًا خاصًّا بعاشوراء، ورخصة ليست لسواه، وزيادة في فضله، وتأكيد صومه، وذهب إلى ذلك ابن حبيب المالكي.
الوجه الثَّالث ما قاله الخطَّابي أنَّ ذلك كان على معنى الاستحباب والإرشاد لأوقات الفضل؛ لئلَّا يغفل عنه عند مصادفة وقته، وفي هذين الوجهين نظر؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّ هذا كان لأجل فرضيَّة صوم يوم عاشوراء، ولهذا جاء في رواية أبي داود والنَّسائي (( فأتمُّوا بقيَّة يومكم واقضوه ) )فهذا صريح في الفرضيَّة؛ لأنَّ القضاء لا يكون إلَّا في الواجبات.
ومنها ما رواه عبد الله بن أحمد في «زياداته على المسند» من حديث عليٍّ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم عاشوراء ويأمر به. ورواه البزَّار أيضًا.
ومنها ما رواه ابن ماجه من حديث محمَّد بن صيفي
ج 9 ص 567
قال قال لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء (( منكم أحد طَعِم اليوم؟ ) )قلنا منَّا من طعم ومنَّا من لم يطعم، قال (( أتمُّوا بقيَّة يومكم من كان طَعِم، ومن لم يطعم فأرسلوا إلى أهل العروض فليتمُّوا بقيَّة يومهم ) )قال يعني أهل العروض حول المدينة.
ومنها ما رواه أحمد والبزَّار والطَّبراني من حديث عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما قال وهو على المنبر هذا يوم عاشوراء فصوموه، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بصومه. ومنها ما رواه البزَّار من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أمر بصيام عاشوراء يوم العاشر ) )ورجاله رجال الصَّحيح.
ومنها ما رواه الطَّبراني في «الأوسط» أنَّ أبا موسى رضي الله عنه قال يوم عاشوراء صوموا هذا اليوم، فإنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بصومه. ومنها ما رواه الطَّبراني أيضًا في «الأوسط» من رواية سعيد بن المسيَّب أنَّه سمع معاوية رضي الله عنه على المنبر يوم عاشوراء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيام هذا اليوم.
ومنها ما رواه أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صائمًا يوم عاشوراء فقال لأصحابه (( من كان أصبح صائمًا فليتمَّ صومه، ومن أكل من غداء فليتمَّ بقيَّة يومه ) ). ومنها ما رواه أحمد أيضًا والطَّبراني من حديث جابر رضي الله عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيوم عاشوراء أن نصومه.
ومنها ما رواه الطَّبراني أيضًا في «الأوسط» من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم ذكر يوم عاشوراء فعظم منه ثمَّ قال لمن حوله (( من كان لم يطعم منكم فليصم يومه هذا، ومن كان قد طعم منكم فليصم بقيَّة يومه ) ). ورجاله ثقات.
ومنها ما رواه الطَّبراني أيضًا من حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه بلفظ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء بن عبد الله يوم عاشوراء فقال (( ائت قومك، فمن أدركتِ منهم لم يأكل فليصُم، ومن طَعِم فليصم ) ).
ومنها ما رواه الطَّبراني أيضًا من حديث خبَّاب بن الأرتِّ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم عاشوراء
ج 9 ص 568
(( أيُّها النَّاس من كان منكم أكل فليمسك بقيَّة يومه، ومن نوى منكم الصَّوم فليصمه ) ). ومنها ما رواه الطَّبراني أيضًا من حديث معبد القرشيِّ أنَّه قال لرجل أتاه بقديد أطعمت اليوم شيئًا؟ قال لا إلَّا أنِّي شربت ماء، قال فلا تطعم شيئًا حتَّى تغرب الشَّمس، وأْمُر من وراءك أن يصوموا هذا اليوم. ورجاله ثقاتٌ.
ومنها ما رواه البزَّار والطَّبراني من حديث مجزأة بن داهر، عن أبيه بلفظ سمعت منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وهو يقول (( من كان صائمًا اليوم فليتمَّ صومه، ومن لم يكن صائمًا فليتمَّ ما بقي أو ليصم ) )ورجال البزَّار ثقاتٌ.
وقد روى مسلم من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا ولم ينهنا عنه، ولم يتعاهدنا عنده. وروى ابن أبي شيبة من حديث قيس بن سعد رضي الله عنه قال أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام عاشوراء، فلمَّا نزل رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله.
وروى مسلم أيضًا من حديث عبد الرَّحمن بن يزيد قال دخلَ الأشعث بن قيس على عبد الله وهو يتغدَّى فقال يا أبا محمَّد! ادن إلى الغداء، فقال أوليس اليوم يوم عاشوراء؟ قال وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ قال وما هو؟ قال إنَّما هو يوم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه قبل أن ينزلَ شهر رمضان، فلمَّا نزل رمضان ترك.
ففي مجموع هذه الآثار وجوب صوم عاشوراء أولًا، ثمَّ نسخه ثانيًا ورده إلى التطوُّع بعد أن كان فرضًا.
ويستحبُّ صوم تاسوعاء أيضًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم المروي في مسلم (( لئن عشت إلى قابل لأصومنَّ التَّاسع ) )فإن لم يصم التَّاسع مع العاشر استحبَّ له صوم الحادي عشر. وقد نصَّ الشَّافعي في «الأمِّ» و «الإملاء» على استحباب صوم الثَّلاثة.
ونقله عنه الشَّيخ أبو حامد وغيره، ويدلُّ له حديث أحمد (( صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، وصوموا قبله يومًا وبعده يومًا ) ).
وكذا يستحبُّ صوم يوم عرفة لغير الحاج، وهو تاسع ذي الحجَّة؛ لأنَّه
ج 9 ص 569
صلى الله عليه وسلم سئل عنه فقال يكفِّر السنة الماضية والمستقبلة، رواه مسلم.
وتسع ذي الحجَّة، رواه أبو داود.
والأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجَّة والمحرَّم ورجب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لمن تغيَّرت هيئته من الصَّوم (( لم عذَّبت نفسك؟ صم شهر العشر، ويومًا من كلِّ شهر ) )قال زدني، قال (( صم يومين ) )قال زدني، قال (( صم ثلاثة أيَّام ) )قال زدني، قال (( صم من الحُرُم، واترك ثلاث مرات ) )وقال بأصابعه الثَّلاث. رواه أبو داود وغيره.
قال في «شرح المهذَّب» وإنَّما أمره بالتَّرك؛ لأنه كان يشقُّ عليه إكثار الصَّوم، فأما من لا يشقُّ عليه فصوم جميعها أفضل. وأفضلُها المحرَّم قال صلى الله عليه وسلم (( أفضل الصِّيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم ) )رواه مسلم. وقال الحنابلة يُكره إفراد رجب بالصَّوم.
قال في «الإنصاف» وهو المذهب وعليه الأصحاب، وقطع به كثير منهم، وهو من مفردات المذهب، قال وحكى الشَّيخ تقي الدِّين في تحريم إفراده وجهين. قال في «الفروع» ولعلَّه أخذه من كراهة أحمد، وتزول الكراهة عندهم بالفطر من رجب ولو يومًا، أو بصوم شهر آخر من السنة، وإن لم يله. انتهى.
وكذا يستحبُّ صوم ستَّة من شوال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوَّال كان كصيام الدَّهر ) )رواه مسلم، والأفضل تتابعها وكونها متَّصلة بالعيد مبادرة إلى العبادة، وكره مالك صيامها.
قال في «الموطأ» لم أر أحدًا من أهل الفقه والعلم صامها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السَّلف، وأنَّ أهل العلم يكرهون ذلك مخافة بدعته، وإن يلحق أهل الجهالة برمضان ما ليس منه.
قال في «المقدِّمات» وأمَّا الرَّجل في خاصَّة نفسه فلا يكره له صيامها ونحوه في «النَّوادر» . وكذا يستحبُّ صوم يوم لا يجد في بيته ما يأكله؛ لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دخل عليَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال (( هل عندكم شيء؟ ) )قلنا لا، قال (( إنِّي إذًا صائم ) )رواه مسلم.
والنَّفل من الصَّوم غير محصور، والاستكثار منه مطلوب. والمكروه منه صوم المريض والمسافر والحامل والمرضع والشَّيخ الكبير إذا خافوا منه المشقَّة الشَّديدة،
ج 9 ص 570
وقد ينتهي ذلك إلى التَّحريم كصوم يوم عرفة بها للحاجِّ، لكن الصَّحيح أنَّه خلاف الأولى لا مكروه، فيستحبُّ فطره له سواء أضعفه الصَّوم عن العبادة أم لا.
وقال المتولِّي من الشَّافعية إن كان ممَّن لا يضعف بالصَّوم عن ذلك، فالصَّوم أولى له وإلَّا فالفطر، ويكره أيضًا التطوُّع وعليه قضاء صومٍ [من] رمضان، وهذا إذا لم يتضيَّق وقته، وإلَّا حرم التطوُّع، وكذا إفراد يوم الجمعة عند الأكثر، وكذا السَّبت وصوم الدَّهر لمن خاف ضررًا أو فوت حقٍّ، ويحرم صوم العيدين وأيَّام التَّشريق وصوم الحائض والنُّفساء. ويكره صوم الشَّك، وقد فصل فيما سبق [خ¦1906 قبل] . وكذا صوم النِّصف الأخير من شعبان على اختلاف فيه، وقد سبق تفصيله أيضًا [خ¦1914] .
ولا يجوز للمرأة أن تصوم نفلًا وزوجها حاضر إلَّا بإذنه، لكن صومها حينئذٍ صحيحٌ؛ لأن تحريمه لا لمعنىً يعود إلى الصَّوم، فهو كالصَّلاة في أرض مغصوبة.
وهذا آخر كتاب الصَّوم، وقد اشتمل على مائة وسبعة وخمسين حديثًا، المعلَّق منها ستَّة وثلاثون حديثًا، والبقيَّة موصولة، والمكرر منها فيه وفيما مضى ثمانية وستون حديثًا، والخالص تسعة وثمانون حديثًا، وفيه من الآثار عن الصَّحابة والتَّابعين ستُّون أثرًا أكثرها معلَّق، واليسير منها موصول، ومطلبنا إلى رضا الله الوصول.