182 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) بن بحر، بالموحدة ابن كَنِيْز بفتح الكاف وكسر النون وسكون المثناة التحتية وبالزاي، أبو حفص الصَّيْرفي الفَلّاس بالفاء، الباهلي البصري المعروف جَدْه بالسقاء، مات بالعسكر سنة تسع وأربعين ومائتين (قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفي البصري، قال إبراهيم النظَّام، وذُكِرَ عبد الوهاب عنده هو والله أجل من أَمْنٍ بعد خَوف، وبُرْأ بعد سَقَم، وخَصْبٍ بعد جَدْب، وغِنَى بعد فقر، ومن طاعةِ المحبوب، وفَرَجِ المكروب، ومن الوِصَال الدائم مع الشَبابِ الناعم.
وقال عمرو بن علي كانت غَلَّة عبد الوهاب في كل سنة خمسين ألف دينار، وكان إذا أتى عليه السنة لم يبق منها شيء كان ينفقها على أصحاب الحديث، مات سنة أربع وتسعين ومئة.
(قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ) الأنصاري التابعي (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعْدُ) بسكون العين (بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف القرشي، التابعي، المدني قاضي المدينة، كان يصوم الدهر، ويختم القرآن في كل يوم وليلة، مات بالمدينة سنة سبع وعشرين ومئة (أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ) بصيغة التصغير
ج 2 ص 175
(ابْنِ مُطْعِمٍ) على صيغة الفاعل من الإطعام القُرَشي، النَّوفَلي، المدني، التابعي، مات سنة تسع وتسعين آخر خلافة سليمان بن عبد الملك بالمدينة.
(أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) الثقفي الكوفي، قال الشعبي كان خير أهل بيته روى له الجماعة حال كونه (يُحَدِّثُ عَنِ) أبيه (الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) بن مسعود الثقفي، وقد تقدم في آخر كتاب الإيمان [خ¦58] ، ثمَّ المغيرة باللام مثل الحارث في أنه عَلَمٌ يدخله اللام لِلَمْحِ الوَصفِيَّة على سبيل الجواز لا مثل النجم للثريا فإن اللام فيه لازمة، ورجال هذا الإسناد ما بين بصري وكوفي ومدني، وفيهم أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض اثنان منهم تابعيان صغيران وهما يحيى وسعد، واثنان تابعيان وسطان وهما نافع بن جبير وعروة بن المغيرة وهم في نسق واحد، وفيه رواية الأقران في موضعين الأول في الصغيرين، والثاني في الوسطين، وقد أخرج متنه المؤلِّف في المغازي [خ¦4421] ، وفي اللباس أيضًا [خ¦5798] ، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه في الطهارة أيضًا.
(أَنَّهُ) أي المغيرة (كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ) أدى عروة كلام أبيه بعبارةِ نَفْسِه، وإلا فمقتضى السياق أن يقول قال إني كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يقال هو التفات على رأي، فيكون عروة أدى لفظ أبيه لكنه احتمال بعيد، وكذا قوله وإن المغيرة ... إلى آخره.
(وَأَنَّهُ) بفتح الهمزة، والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم (ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ وَأَنَّ) بالفتح أيضًا (المُغِيرَةَ) باللام، وفي رواية بغيرها (جَعَلَ) أي طفق (يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ) جملة اسمية وقعت حالًا (فَغَسَلَ) بالفاء التي تدخل بين المجمل والمفصل؛ لأن المفصل كأنه يعقب المُجْمَل كما ذكره الزمخشري في قوله تعالى {فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ*وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة 226 - 227] لتفصيل قوله تعالى {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} [البقرة 226] وإنما قال (فغسل) بلفظ الماضي مع أن المناسب لقوله (يتوضأ) لفظ المضارع؛ لأن الماضي هو الأصل، وعدل في يتوضأ إلى المضارع حكاية عن الحال الماضية.
(وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ) بباء الإلصاق (وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ) وإنما ذكر في الأول حرف الإلصاق؛ لأنه الأصل، وفي الثاني كَلِمَة (على) نظرًا إلى الاستعلاء كما يقال مسح إلى الكعب نظرًا إلى الانتهاء وبحسب المقاصد تختلف صِلات الأفعال،
ج 2 ص 176
وإنما كرر لفظ مسح، ولم يكرر لفظ غسل؛ لأنه أراد بذكر المسح على الخفين تأسيس قاعدة شرعية فصرَّح استقلالًا بالمسح عليهما بخلاف قضية الغسل فإنها مقررة بنص القرآن، وإنما ذكر البخاري رحمه الله هذا الحديث لأجل الاستدلال على الاستعانة في الوضوء، ففي الحديثين جواز الاستعانة في الوضوء.
قال النووي وهي على ثلاثة أقسام
أحدها أن يستعين في إحضار الماء فلا كراهة فيه.
والثاني أن يستعين في غسل الأعضاء، ويباشر الأجنبي بنفسه غسل الأعضاء فهذا مكروه إلا لحاجة.
والثالث أن يصب عليه فهذا مكروه في أحد الوجهين والأولى تركه؛ لأنه تَرَفُّه لا يليق بالمُتَعبد [1] .
وقال محمود العيني فيه حزازة؛ لأن ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقال فيه الأولى تركه؛ لأنه عليه السلام لا يتحرى إلا ما فِعْلُه أولى.
وأجيب عنه بأنه قد يفعله لبيان الجواز فلا يكون في حقه عليه السلام خلاف الأولى بخلافنا، وأما ما قاله الكِرماني من أنه إذا كان الأولى تركه كيف يُنازع في كراهته، وليس حقيقة المكروه إلا ذلك، ففيه أن هذا حقيقة المكروه كراهة التنزيه لا المكروه كراهة التحريم، ثمَّ إن منهم من يدعي أن الكراهة مختصة بغير المشقة، أو لاحتياج في الجملة، فعلى هذا لا يُستدل بالحديثين على ذلك؛ لأنهما كانا في السفر.
وقال ابن بطال استدل البخاري رحمه الله مِنْ صَبَّ الماء عليه أنه يجوز للرجل أن يوضئه غيره؛ لأنه لما لزم المتوضئ اغتراف الماء من الإناء بأعضائه جاز له أن يكفيه ذلك غيره بدليل صب أسامة، والاغترافُ بعض أعمال الوضوء فكذلك يجوز في بقية أعماله، وتعقبه ابن المنيِّر بأن الاغتراف من الوسائل لا من المقاصد؛ لأنه لو اغترف ثمَّ نوى أن يتوضأ جاز، ولو كان الاغتراف عملًا مستقلًا لكان قد قدَّم النية عليه، وذلك لا يجوز، وهذا على مذهب من أوجب النية في الوضوء، فافهم.
ثمَّ إن هذا الباب ردٌّ لما روي عن جماعة أنهم قالوا نكره أن يشركنا
ج 2 ص 177
في الوضوء أحد، قيل [2] والبخاري رحمه الله لم يبين في هذه المسألة الجواز ولا عدمه كما هو عادته في الأمور المحتملة.
وقال محمود العيني قلتُ إذا عَقَد الباب أفلا يُعلم منه جوازه، وإن لم يصرح به؟ وقال ابن المنير قاس البخاري توضِئَة الرجل غَيْرَه على صَبِّه عليه لاجتماعهما في الإعانة.
وتعقبه الحافظ العسقلاني، ومحمود العيني بأنه قياس مع الفارق والفرق ظاهر، فإن الصب من الوسائل، والتوضئة من المقاصد على ما تقدم منه نفسه، ثمَّ إنه قد روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما نَهَيَا أن يُستَقى لهما الماء لوضوئهما، وقالا نكره أن يشركنا في الوضوء أحد، ورويا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أنا لا أستعين في وضوئي بأحد، قاله لعمر رضي الله عنه، وقد بادر ليصب الماء على يديه. قال النووي في (( شرح المهذب ) )هذا حديث باطل لا أصل له، وذكره الماوردي في (( الحاوي ) )بسياق آخر، فقال روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه هَمَّ بصب الماء على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أنا لا أحب أن يشاركني في وضوئي أحد، وهذا الحديث لا أصل له، والذي وقع على زعم الراوي كان لعمر دون أبي بكر رضي الله عنهما، والحديث عن علي رضي الله عنه لا يصح؛ لأن راويه النضر بن منصور، عن أبي الجنوب عنه، وهما غير حجة في الدين ولا يُعتَدُّ بنقلهما.
وقال البزار في كتاب (( السنن ) )لا نعلمه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه يعني من حديث النضر عن أبي الجنوب عقبة بن علقمة، وقال عثمان بن سعيد فيما ذكره ابن عَدِّي قلت ليحيى ما حال هذا السند، فقال هؤلاء حمالة الحطب.
وتمام الحديث أخرجه البزار في كتاب الطهارة، وأبو يعلى في (( مسنده ) )من طريق النضر بن منصور، عن أبي الجنوب، قال رأيت عليًا رضي الله عنه يستقي الماء لطهوره فبادرت استقي له، فقال مه يا أبا الجنوب، فإني رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستقي الماء لوضوئه فبادرت استقي له، فقال مه يا أبا الحسن، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقي الماء
ج 2 ص 178
لوضوئه فبادرت استقي له فقال مه يا عمر فإني لا أريد أن يعينني على وضوئي أحد.
وقال الطبري صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صَبَّ على يد عمر رضي الله عنه الوضوء بطريق مكة شرَّفها الله وعظمها حين سأله عن اللتين تظاهرتا، وقيل صَبُّ ابن عباس رضي الله عنهما على يدي عمر أقربُ للمعونة من استقاء الماء، ومحال أن يمنع عمر عنه استقاء الماء ويبيح صب الماء عليه للوضوء مع سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم الكراهة لذلك، ولقائل أن يقول إن أسامة تبرع بالصبِّ، وكذا غيره من غير أَمْرٍ منه صلى الله عليه وسلم لهم.
وما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال ما أبالي أعانني رجل على طهوري، أو على ركوعي وسجودي، فقد ثبت عنه خلافه، فروى شعبة عن أبي بشر، عن مجاهد أنه كان يسكب على ابن عمر الماء وهو يغسل رجليه، وهذا أصح عن ابن عمر رضي الله عنهما إذ راوي المنع رجل اسمه أيفع وهو مجهول على أنه محمول على الإعانة بالمباشرة دون الصب، فإن قيل هل يجوز أن يستدعي الإنسان الصب من غيره بأمره؟.
فالجواب نعم لما روى الترمذي مُحسِّنًَا من حديث ابن عقيل عن الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ قالت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بميضأة فقال «اسكبي» فسكبت عليه.
ورواه الحاكم في (( المستدرك ) )وقال لم يحتج الشيخان بابن عقيل وهو مستقيمُ الحديث متقدِّمٌ في الشرف، وروى ابن ماجه بسند صحيح على شرط ابن حبان من حديث صفوان بن عَسَّال قال صببت على النبي صلى الله عليه وسلم الماء في السفر والحضر في الوضوء، وعنده أيضًا بسند مُعلَّل عن أم عياش، وكانت أَمَةً لرُقَيَّة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كنت أوضئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا قائمة وهو قاعد، وممن كان يستعين على وضوئه من السلف عثمان رضي الله عنه، قال الحسن رأيته يُصَبُّ عليه من إبريق وفعله عبد الرحمن بن أبزى، والضحاك بن مُزَاحم، وقال أبو الضحى ولا بأس للمريض أن يوضئه الحائض، والله أعلم.
[1] في هامش الأصل معنى والوجه الآخر أنه خلاف الأولى.
[2] في هامش الأصل عسقلاني وغيره.