فهرس الكتاب

الصفحة 3199 من 11127

2047 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ الحمصيُّ، قال (حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة الحمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن) أي ابنَ عوفٍ رضي الله عنه، كذا في رواية شعيب، وقد تقدَّم في أواخر كتاب (( العلم ) ) [خ¦118] من طريق مالك عن الزهريِّ، فقال عن الأعرج وهو صحيحٌ عن الزهريِّ عن كلٍّ منهم، وطريقه عن الأعرج مختصرة، وسيأتي في الاعتصام [خ¦7354] من طريق سفيان عن الزهريِّ أتمُّ منه.

(أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ إِنَّكُمْ تَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ) بضم الياء، من الإكثار (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَقُولُونَ مَا بَالُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ) أي ما حالُهم وشأنهم (لاَ يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّ إِخْوَانِي) أي في الدين (مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ) بفتح الياء، فعل متعدٍّ (صَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ) بالصاد المهملة، كذا في رواية أبي ذرٍّ وعند غيره بالسين. وقال الخليل كلُّ صادٍ تجيء قبل القاف، وكلُّ سينٍ تجيءُ بعد القاف فللعرب فيه لغتان سين وصاد، لا يبالون اتَّصلت أو انفصلت بعد أن تكونا في كلمة، إلَّا أنَّ الصادَ في بعض أحسن والسينَ في بعض أحسن.

وقال الخطابيُّ وكانوا إذا تبايعوا تصافقوا بالأكفِّ أمارة لانتزاع البيع، يعني أنَّهم اعتادوا عند لزومِ البيع ضرب كفِّ أحدِهما بكفِّ الآخر إشارة إلى أنَّ الأملاك إنَّما تضاف إلى الأيدي، والقبوض تبعٌ لها، فإذا تصافقت الأكفُّ انتقلت الأملاك، واستقرت كلُّ يدٍ منهما على ما صار لكلِّ واحدٍ منهما من ملك صاحبه، وكان المهاجرون تجارًا والأنصار أصحاب زرع، فيغيبون لذلك عن حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر أحواله، ولا يسمعون من حديثه

ج 10 ص 8

إلَّا ما كان يحدِّث به في أوقات شهودهم، وأبو هريرة رضي الله عنه كان حاضرًا دهرَه لا يفوته شيءٌ منها إلا ما شاء الله، ثمَّ لا يستولي عليه النِّسيان لصدق عنايته بضبطه، وقلَّة اشتغاله بغيره، وقد لحقته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقامت له الحجَّة على من أنكر أمره واستغرب شأنه.

(وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي) بكسر الميم؛ أي مقتنعًا بالقوت؛ أي فلم يكن لي غيبةٌ عنه صلى الله عليه وسلم (فَأَشْهَدُ) أي أحضر (إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا) بفتح النون وضم السين المخففة، وأصله نَسِيُوا، فأُعِلَّ فبقي نسوا على وزن فعوا (وَكَانَ يَشْغَلُ) بفتح الياء، من الشَّغَل _ بالفتح _ (إِخْوَانِي مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ) بالرفع على أنَّه فاعل (( يشغل ) (( إخواني ) )نصبٌ على المفعولية، والمراد بعمل أموالهم الزراعة.

(وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ) أي فقيرًا من فقراء صفَّة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت منزل غرباء فقراء أصحابه رضي الله عنهم. وقال ابن الأثير أهل الصفَّة هم فقراء المهاجرين، ومن لم يكن له منهم منزلٌ يسكنه، فكانوا يأوون إلى موضعٍ مظلَّلٍ في مسجد المدينة يسكنونه، وكان أبو هريرة رضي الله عنه رئيسهم.

(أَعِي) أي أحفظُ، من وعى يعي وعيًا إذا حفظ (حِينَ يَنْسَوْنَ) وجملة (( أعي ) )استئناف، ولو جعلت حالًا لصحَّ أيضًا فيكون التعبير بلفظ المضارع مع أنها حالٌ من فاعل (( كنت ) )الماضي لحكاية الحال الماضية، وإنَّما اختصر في حقِّ الأنصار بهذا، وترك ذكر قوله (( أشهد إذا غابوا ) )لأنَّ غيبة الأنصار كانت أقل، وكيف لا والمدينة بلدهم ومسكنهم، ووقت الزراعة وقتٌ معلوم فلم يعتد بغيبتهم لقلَّتها، ويمكن أن يقدر في قضية الأنصار أيضا بقرينة السِّياق.

(وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، إِلاَّ وَعَى مَا أَقُولُ. فَبَسَطْتُ نَمِرَةً) بفتح النون وكسر الميم؛ أي كساءً ملوَّنا،

ج 10 ص 9

وقال ثعلب هي ثوبٌ مخطَّط، وقال الفرَّاء دراعة تلبس فيها سوادٌ وبياض، ولعلَّه أخذه من النَّمر لما فيه من سوادٍ وبياض.

(عَلَيَّ، حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ مِنْ شَيْءٍ) ومطابقة الحديث للترجمة من أنَّه ذكر فيه صفق بالأسواق، ووجه الدَّلالة منه وقوع ذلك في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم، واطِّلاعه عليه، وتقريره له، وفي الحديث الحرص على التَّعلُّم، وإيثار طلبه على المال، وأنَّ طلب الدنيا وتحصيل العلم قلَّما يجتمعان، وفيه فضيلة ظاهرة لأبي هريرة رضي الله عنه، فإن قيل إذا كان أبو هريرة رضي الله عنه أكثر أخذًا للعلم وأزهد، يكون أفضل من غيره؛ لأنَّ الفضيلة ليست إلا بالعلم والعمل.

فالجواب أنَّه لا يلزم من أكثريَّة الأخذ كونه أعلم، ولا باشتغالهم عدم زهدهم مع أنَّ الأفضلية معناها أكثريَّة الثواب عند الله، وأسبابه لا تحصى في أخذ العلم ونحوه، فقد يكون بإعلاء كلمة الله وأمثاله، كذا قيل. والأحسن أن يقال إنَّ الأفضليَّة في نوع لا تستلزم الأفضلية في كلِّ الأنواع، والله أعلم.

والحديث أخرجهُ مسلم في (( الفضائل ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت