2048 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن يحيى بن عمرو بن أويس القرشيُّ العامريُّ الأويسيُّ، المدينيُّ، وهو من أفراده، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، كان على قضاء بغداد (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن إبراهيم، أبي إسحاق الزهريِّ القرشيِّ المدنيِّ (عَنْ جَدِّهِ) إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، أبي إسحاق المديني.
(قَالَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وفي رواية أبي نُعيم في «المستخرج» من طريق يحيى الجمانيِّ، عن إبراهيم بن سعد بسنده، عن عبد الرحمن بن عوفٍ رضي الله عنه أيضًا. فهو من مسند عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه.
وقد أخرجه المصنِّف في «فضائل الأنصار» [خ¦3780] عن إسماعيل بن عبد الله، وهو ابنُ أبي أويس، عن إبراهيم بن سعد، فقال عن أبيه عن جدِّه قال (( لمَّا قدموا المدينة ... إلى آخره ) ).
وظاهره الإرسال لأنَّه إن كان الضمير في (( جدِّه ) )يعود إلى إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، فيكون الجدُّ فيه
ج 10 ص 10
إبراهيم بن عبد الرحمن، وإبراهيم لم يشهدْ أمر المؤاخاة؛ لأنَّه توفِّي بعد التِّسعين بغير خلاف، وعمره خمس وسبعون سنة، وعلى تقدير صحَّة قول من قال ولد في حياة النَّبي صلى الله عليه وسلم فلم تصحَّ له رواية عنه. وأمر المؤاخاة كان حين الهجرة، وإن عاد الضَّمير إلى جدِّ سعدٍ فيكون على هذا سعد روى عن جدِّه عبد الرحمن، وهذا لا يصحُّ لأنَّ عبد الرحمن توفي سنة اثنتين وثلاثين، وتوفي سعد سنة ست وعشرين ومائة، عن ثلاث وسبعين سنة، ولكنَّ الحديث المذكور هنا متَّصلٌ؛ لأنَّ إبراهيم قال فيه قال عبد الرحمن بن عوف كما ترى.
ويوضح ذلك ما رواه أبو نُعيم الحافظ عن أبي بكرٍ الطَّلحي ثنا أبو حصين الوادعي ثنا يحيى بن عبد الحميد ثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن جدِّه، عن عبد الرحمن بن عوفٍ رضي الله عنه قال (( لمّا قدمنا المدينة ) )، الحديث، وكذا ذكره أبو العباس الطرقيُّ، وأصحاب «الأطراف» .
(لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ آخَى) من المؤاخاة، قال القرطبيُّ المؤاخاة مفاعلة من الأخوَّة، ومعناها أن يتعاقد الرجلان على التَّناصر والمواساة حتى يصيرا كالأخوين نسبًا.
(رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ) الأنصاريِّ الخزرجيِّ النقيب العقبيِّ البدري. استشهد يوم أحد، وهذه المؤاخاة على ما ذكرها ابن إسحاق كانت في أوَّل سنة من سِنيِّ الهجرة بين المهاجرين والأنصار، وقالوا إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين أصحابه مرتين مرَّةً بمكة قبل الهجرة، وأخرى بعد الهجرة.
وقال أبو عمر الصَّحيح أنَّ المؤاخاة كانت في المدينة بعد بنائه المسجد، فكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات حتَّى نزلت {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال 75] ، وقيل كان ذلك والمسجد يُبْنَى، وقيل بعد قدومه المدينة بخمسة أشهر، وفي «تاريخ ابن أبي خيثمة» عن زيد بن أوفى أنَّها كانت في المسجد وكانوا مائة خمسون من المهاجرين، وخمسون من الأنصار، وقال أبو الفرج وللمؤاخاة سببان
أحدهما أنَّه أجراهم على ما كانوا ألفوا في الجاهلية من الحِلْف، فإنَّهم كانوا يتوارثون به، فقال صلى الله عليه وسلم
ج 10 ص 11
(( لا حِلْف في الإسلام ) )، وأثبت المؤاخاة؛ لأنَّ الإنسان إذا فطم عمَّا يألفه يعلَّل بجنسه.
الثاني أنَّ المهاجرين قدموا محتاجين إلى المال وإلى المنزل، فنزلوا على الأنصار، فأكَّد هذه المخالطة بالمؤاخاة، ولم يكن بعد بدر مؤاخاة؛ لأنَّ الغنائم استغنى بها.
(فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ إِنِّي أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ) بلفظ المثنى المضاف إلى ياء المتكلم، و (( أيَّ ) )إذا أضيف إلى المؤنث يذكَّر ويؤنَّث، يقال أيَّ امرأة، وأيَّة امرأة.
(هَوِيتَ) أي أردت نكاحها، من هوِيَ _ بالكسر _ يهوَى هَوىً، إذا أحبَّ (نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا) أي طلَّقتها لأجلك (فَإِذَا حَلَّتْ) أي انقضت عدَّتها (تَزَوَّجْتَهَا) قال ابن التِّين كان هذا القول من سعد قبل أن يسأل النَّبي صلى الله عليه وسلم الأنصار أن يكفُّوا المهاجرين العمل، ويعطوهم نصف الثَّمرة (قَالَ) أي الرَّاوي (فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ رضي الله عنه (لاَ حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ سُوقُ قَيْنُقَاعَ) بفتح القاف الأولى وسكون المثناة التحتية وضم النون وبالقاف وآخره عين مهملة، منصرفًا وغير منصرف وهو بطنٌ من يهود نُسِبَ السُّوقُ إليهم.
وذكر ابن التين أنَّه ضبط قينِقاع _ بكسر النون _ في أكثر نسخ القابسيِّ، وهو صوابٌ أيضًا، وقد حكي فتحها أيضًا.
(قَالَ فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَى بِسَمْنٍ بِأَقِطٍ) بفتح الهمزة وكسر القاف (قَالَ) الراوي (ثُمَّ تَابَعَ) أي ألحق (الْغُدُوَّ) بلفظ المصدر، والمعنى ثمَّ غدا اليوم الثاني؛ أي داوم الذَّهاب إلى السُّوق للتِّجارة، والمتابعة إلحاق الشَّيء بغيره، ويروى بلفظ (( الغد ) )ضدُّ الأمس.
(فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ) أي فما مكثَ مجيئه حال كونه (عَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ) أي من الطِّيب الذي استعمله عند الزَّفاف، وفي لفظ له على ما يأتي (( وعليه وَضَر من صفرة ) )بفتح الواو والضاد المعجمة، هو التلطُّخ بخلوقٍ أو طيب له لون، وقد صرَّح في بعض الرِّوايات بأنَّه أثرُ زعفران، فإن قيل جاء النَّهي عن التَّزعفر، فالجواب أنَّه كان يسيرًا فلم ينكره صلى الله عليه وسلم، وقيل إنَّ ذلك علق من ثوب المرأة من غير قصدٍ، وقيل كان ذلك في أوَّل الإسلام أنَّ من تزوَّج لبس ثوبًا مصبوغًا لسرورهِ وزواجه، وقيل كانت المرأة تكسوه إيَّاه، وقيل إنَّه كان يفعلُ ذلك ليعان على الوليمة، وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما
ج 10 ص 12
أحسن الألوان الصُّفرة. وقال عزَّ وجلَّ {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} [البقرة 69] قال فقرن السُّرور بالصُّفرة، ولمَّا سئل عبد الله عن الصَّبغ بها، قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغُ بها، فأنا أصبغ بها وأحبُّها، وقال أبو عبيد كانوا يرخِّصون في ذلك للشَّاب أيَّام عرسه، وقيل يحتمل أنَّ ذلك كان في ثوبه دون بدنه، ومذهب مالكٍ جوازه وحكاهُ عن علماء بلده، وقال الشافعيُّ وأبو حنيفة لا يجوز ذلك للرِّجال.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجْتَ؟) على معنى الاستفهام (قَالَ نَعَمْ، قَالَ وَمَنْ؟) أي ومَن التي تزوَّجت بها، وفي لفظ له يأتي فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم (( مَهْيَم؟ ) )قال تزوَّجت [خ¦3780] .
ومَهْيَم _ بميم مفتوحة وهاء ساكنة وفتح المثناة التحتية وآخره ميم _ كلمةٌ يمانيَّة معناها ما هذا، وما أمرك، وما حالك، أو أَحَدَث شيء، ذكره الهرويُّ وغيره.
(قَالَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ) هي ابنةُ أبي الحَيْسَر أنس بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، قال الزُّبير ولدت له القاسم، وأبا عثمان عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوف.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (كَمْ سُقْتَ؟) أي كم أعطيتَ، يقال ساقه إليه كذا، أي أعطاه، (قَالَ) عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه (زِنَة نَوَاة) بكسر الزاي؛ أي وزن نواةٍ (مِنْ ذَهَبٍ) قال أبو عبيدة النُّواة زنة خمسةِ دراهم، قال الخطابيُّ ذهبًا كان أو فضَّة، وعن أحمد بن حنبل زنة ثلاثةِ دراهم وثلث، وعن بعض المالكيَّة هي ربع دينار، وقيل ثلاثة مثاقيل ونصف. وقال التَّيميُّ النواة خمسة دراهم، إمَّا أن يكون اسم صنجةٍ توزن بها، أو يسمَّى هذا القدر من الذهب نواة، وذلك كما أنَّ البسر اسمٌ لعشرين درهمًا، والأوقية لأربعين درهمًا.
(أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ) شكٌّ من الراوي؛ أي وزن نواةٍ من ذهب (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلِمْ) بفتح الهمزة وسكون الواو وكسر اللام، أمرٌ من الوليمة؛ أي اتَّخذ وليمةً وهي الطَّعام الذي يصنع عند العرس (وَلَوْ بِشَاةٍ) ومن ذهب
ج 10 ص 13
إلى إيجابها أخذ بظاهر الأمر، وهو محمولٌ عند الأكثر على النَّدب، وفي «التلويح» لمغلطاي والوليمة في العرسِ مستحبَّة، وبه قال الشافعيُّ، وفي روايةٍ عنه واجبة، وهو قول داود، ووقتها بعد الدُّخول، وقيل عند العقد، وعن ابن حبيب استحبابها عند العقد وعند الدُّخول، وأن لا ينقص عن شاة، قال القاضي الإجماع على أنَّه لا حدَّ لقدرها المجزي، وقال الخطَّابي إنَّها قدر الشَّاة لمن قدر عليها، فمن لم يقدر فلا حرج عليه (( فقد أَوْلَم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسَّويق، والتَّمر على بعض نسائه ) ). وكرهت طائفةُ الوليمة أكثر من يومين، وعن مالكٍ أسبوعًا، وسيأتي تمام الكلام على هذا الحديث في الوليمة، من كتاب النكاح إن شاء الله تعالى [خ¦5167] .