187 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابن أبي إياس (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) هو ابن الحجاج، وقد تقدما في باب المسلم من سلم المسلمون [خ¦10] (قَالَ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) بفتح الحاء والكاف؛ ابن عتيبة بصيغة التصغير هو التابعي الصغير من فقهاء الكوفيين، وقد مرَّ في باب السَّمر بالعلم [خ¦117] (قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ) بصيغة التصغير وهب بن عبد الله الكوفي الثقفي رضي الله عنه، وقد تقدم في باب كتابة العلم [خ¦111] ، ورجال هذا الإسناد ما بين عسقلاني وكوفي وواسطي، وهو من رباعيات البخاري، والحكم بن عُتَيْبة ليس له سماع من واحد من الصحابة إلا أبا جحيفة، وقيل روى عن ابن أبي أوفى أيضًا، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الصلاة [خ¦499] ، وفي صفة النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا [خ¦3566] ، وأخرجه مسلم والنسائي في الصلاة أيضًا.
(يَقُولُ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهَاجِرَةِ) أي في نصف النهار وعند شدة الحرِّ، وهذا كان في سفر القَصْر، ولهذا صلى الظهر ركعتين، وفي رواية أن خروجه كان من بالأبطح بمكة (فَأُتِيَ) على صيغة المجهول (بِوَضُوءٍ) أي ماء يتوضأ به (فَتَوَضَّأَ) منه (فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ) خبر الجَعْل الذي هو من أفعال المقاربة (مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ) صلى الله عليه وسلم؛ أي من الماء الذي فَضُل بعد فراغه من وضوئه وكأنهم اقتسموه، وهذا هو الظاهر من فضل الوضوء لكنه لا يناسب الترجمة على ما قيل، أو المراد ما سال من أعضاء وضوئه صلى الله عليه وسلم وهو المناسب للترجمة، فتأمل.
(فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ) أي يمسح كل واحد منهم به وجهه ويديه مرة بعد أخرى نحو تجرعه؛ أي شربه جرعة بعد جرعة، أو المعنى كل واحد منهم لشدة الازدحام على فضل وضوئه كان يتكلف ويتعانى لتحصيله نحو تشجع وتصبَّر، وذلك للتبرك به؛ لكونه مس
ج 2 ص 199
جسده الشريف المقدس، وفي ذلك دلالة ظاهرة على طهارة الماء المستعمل، كذا قيل، وفيه أنه يجوز أن يكون من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وأمَّا على القول بأن المأخوذ ما فَضُلَ في الإناء بعد فراغه من وضوئه عليه السلام فيكون المراد منه التبرك بذلك، فإن الماء طاهر وقد ازداد طهارة ببركة وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده المباركة فيه.
(فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ) قصرًا للسَّفر (وَبَيْنَ يَدَيْهِ) أي قدامه (عَنَزَةٌ) بفتحات هي أقصر من الرمح وأطول من العصا، وفيها زُجٌّ كزُجِّ الرّمح، وإنما صلى إليها؛ لأنه كان في الصحراء، ففي الحديث جواز التبرك بآثار الصالحين، وفيه قصر الرباعية في السفر، وفيه نصب العَنَزَة بين يدي المصلي إذا كان في الصحراء، وفيه غير ذلك.
188 - (وَقَالَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه، وقد تقدم في باب أيُّ الإسلام أفضل [خ¦11] ، وهذا تعليق من البخاري، وهو طرف من حديث أخرجه المؤلِّف في المغازي [خ¦4328] وأوله عن أبي موسى، قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم بالجِعْرَانة ومعه بلال رضي الله عنه فأتاه أعرابي فقال ألا تنجز لي ما وعدتني؟ قال (( أبشر ) )الحديث.
وفيه (دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحٍ) بفتحتين؛ هو الذي يؤكل فيه، قاله ابن الأثير، وهو في استعمال الناس اليوم الذي يشرب فيه (فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ) أي صبَّ ما تناوله من الماء بفيه في الإناء، وقال ابن الأثير مجَّ لعابه إذا قذفه، وقيل لا يكون مجًّا حتى يباعد به، والغرض بذلك إيقاع البركة فيه.
(ثُمَّ قَالَ لَهُمَا) أي لأبي موسى وبلال رضي الله عنهما؛ لأن بلالًا كان مع أبي موسى عند النبي صلى الله عليه وسلم كما يشهد به أول الحديث (اشْرَبَا) بكسر الهمزة وفتح الراء من الثلاثي المجرد (مِنْهُ وَأَفْرِغَا) بفتح الهمزة وكسر الراء من الإفراغ (عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا) جمع نحر، بالنون؛ وهو موضع القلادة من الصَّدر، ويحتمل أن يكون أمره صلى الله عليه وسلم بالشرب من الذي مجَّ فيه، والإفراغ على الوجوه والنحور من أجل مرض أو شيء أصابهما أو لمجرد التيمن والتبرك به، وهو الظاهر.
واستُدل بهذا الحديث على طهارة الماء المستعمل فإنه صلى الله عليه وسلم لمّا غسل يديه ووجهه في القدح صار الماء مستعملًا ولكنه طاهر؛ إذ لو لم يكن طاهرًا لما أمر بشربه وإفراغه على الوجه والنحر، وهذا الماء طاهر وطهور أيضًا بلا خلاف، ولكن إذا وقع مثل هذا عن غير النبي صلى الله عليه وسلم يكون الماء على حاله طاهرًا ولكن لا يكون مطهرًا، فتأمل.
وعلى جواز مجِّ الريق في الماء أيضًا، وهذا في حق النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن لعابه أطيب من المسك
ج 2 ص 200
بل نخامته صلى الله عليه وسلم أطيب من المسك؛ كانوا يتدافعون عليها ويدلكون بها وجوههم لبركتها وطيبها، وخلوفه ما كان يشابه خلوف غيره وذلك لمناجاته الملائكة فطيَّب الله نكهتَه وخلوفَ فمه وجميعَ رائحته صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن بطال فيه دليل على أن لعاب البشر ليس بنجس ولا سؤره، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن النفخ في الطعام والشراب ليس على سبيل أن ما تطاير فيه من اللعاب نجس، وإنما هو خشية أن يَتقذَّرَه الآكل فأَمَر بالتأدب في ذلك.