فهرس الكتاب

الصفحة 3290 من 11127

2101 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هو ابنُ زياد العبدي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بضم الباء الموحدة، واسمه بُرَيد، مصغر البرد، ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى.

(قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى) واسمه عامر بن أبي موسى (عَنْ أَبِيهِ) أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه، واسمه عبد الله بن قيس، أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ) الجليس على وزن فعيل، هو الذي يجالس الرجل، يقال جالسته، فهو جِلْسِي جليسي.

(كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ) الكِيْر _ بكسر الكاف وسكون الياء _ هو زقٌ، أو جلدٌ غليظٌ ينفخ به النَّار، وقيل الكير حقيقته البناء الذي يركب عليه الزِّق، فإطلاق اسمُ الكير على الزِّق مجاز لمجاورته له، وقيل اسم البناء الكور لا الكير، وفي رواية أسامة كحاملِ المسكِ ونافخِ الكير، وفي الكلام لفٌّ ونشرٌ.

وقال الكرمانيُّ المشبَّه به الكير، أو صاحب الكير لاحتمال عطف الكير على الصَّاحب وعلى المسك، ثمَّ قال الظَّاهر أنَّه الكير، والمناسب للتشبيه أنَّه صاحبه.

(لاَ يَعْدَمُكَ) بفتح الياء والدال، من باب عَلِمَ من عَدِمَ الشيءَ يَعْدَمه، إذا فُقِدَ، وقال ابن التِّين وضُبِطَ في البخاري بضم الياء وكسر الدال، ومعناه ليس يعدوك، وقال العينيُّ هو رواية أبي ذرٍّ، فيكون من الإعدام.

(مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ) وفاعل لا يعدمك قوله (إِمَّا تَشْتَرِيهِ) وأصله أن تشتريه، وكلمة إمَّا زائدة، ويجوز أن يكون تشتريه فاعله سواءٌ كان مع أنَّ الناصبة أو بدونها؛ لجواز وقوع المضارع موقع المصدر وإن كان بدون أَنْ، نحو قوله

~وَقَالُوا مَا تَشَاءُ فَقُلْتُ أَلْهُو

ويجوز أن يكون الفاعل ما يدلُّ عليه إمَّا أي لا يعديك أحد الأمرين.

(أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ) وفي رواية أبي أسامة (( إمَّا أن يحذيك، وإمَّا أن تبتاع منه ) )، ورواية عبد الواحد أرجح؛ لأنَّ الإِحْذاء وهو الإعطاء لا يتعيَّن بخلاف الرائحة فإنَّها لازمةٌ سواء وجد البيع، أو لم يوجد.

(وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ، أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً) وفي رواية

ج 10 ص 131

أبي أسامة (( ونافخ الكير إمَّا أن يحرق ثيابك ) )، وفي الحديث النَّهي عن مجالسة من يُتَأذَّى بمجالسته في الدِّين والدُّنيا كالمغتاب والخائض في الباطل، والنَّدبُ إلى مجالسة من يُنَال بمجالسته الخيرُ من ذكر الله تعالى وتعلُّم العلمِ وأفعال البرِّ كلِّها.

وفي الحديث (( المرء على دين خليله فلينظرْ أحدكُم من يخالل ) )، وفيه أيضًا إباحة المقايسة في الدِّين. قاله ابن حبَّان عند ذكر هذا الحديث، وفيه أيضًا جواز ضرب الأمثال، وفيه أيضًا جواز بيع المسك والحكم بطهارته؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم مدحه ورغب فيه ففي «صحيح مسلم» عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( المسك أطيب الطِّيب ) ).

وفي كتاب «الأشراف» روِّينا عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بسندٍ جيِّدٍ (( أنَّه كان له مسكٌ يتطيَّب به ) ).

وعلى هذا جلُّ الصَّحابة وغيرهم من العلماء، وهو قول عليِّ بن أبي طالب وابنِ عمر وأنس وسلمانَ رضي الله عنهم، ومحمد بن سيرين وسعيد بن المسيِّب وجابر بن زيد والشافعيِّ ومالكٍ والليثِ وأحمدَ وإسحاقَ، ومنهم من كرهه وهو منقولٌ عن الحسينِ وعمرِ بن عبد العزيز وعطاءٍ ومجاهدٍ والضَّحاكِ.

وذكر ابن أبي شيبة قال عمر رضي الله عنه (( لا تحنِّطوني به ) )وكرهه، وقال بعضهم لا يصلح للحيِّ ولا للميِّت؛ لأنَّه ميتة وهو عندهم بمنزلة ما أبين من الحي. وقال ابن المنذر لا يصحُّ ذلك إلا عن عطاء.

وقد روى ابن أبي شيبة، عن عطاء من طريقٍ جيِّدة أنَّه سئل أُطيِّب الميت بالمسك؟ قال نعم أوليس الذي يحمِّرونه به المسك، فهذا خلاف ما قال ابن المنذر وقولهم إنَّه بمنزلة ما أبين من الحيوان قياسٌ غير صحيحٍ؛ لأنَّ ما قطع من الحيِّ يجري فيه الدمُّ وهذا ليس سبيل نافجة المسك؛ لأنَّها تسقط عند الاحتكاك كسقوط الشَّعرة، وقال أبو الفضل عياض وقع الإجماع على طهارته وجواز استعماله.

وقال أصحابنا المسك حلالٌ بالإجماع يحلُّ استعماله للرجال والنِّساء ويقال

ج 10 ص 132

انقرضَ الخلاف الذي كان فيه واستقرَّ الإجماع على طهارته وجواز بيعه، وقال المهلَّب أصلُ المسكِ التَّحريمُ؛ لأنَّه دم فلمَّا تغير عن الحالة المكروهة من الدَّم وهي الزَّهَم، وفاح الرائحة، صار حلالًا بطيب الرائحة، وانتقلت حاله كالخمر تتخلَّل فتحلُّ بعد أن كانت حرامًا بانتقال الحال.

وفي «شرح المهذب» وهو مستثنىً من القاعدة المعروفة أنَّ ما أبين من حي فهو ميِّت، أو يقال هو في معنى الجنين والبيض واللبن.

وذكر المسعوديُّ في «مروج الذهب» أنَّه تدفع مواد الدَّم إلى سرَّة الغزال، فإذا استحكم لون الدَّم فيها ونضجَ أذاه ذلك وحكه، فيفزع حينئذٍ إلى أحد الصُّخور والأحجار الحارة من حرِّ الشَّمس فيحتكُّ بها ملتذًّا بذلك، فينفجر حينئذٍ ويسيلُ على تلك الأحجار كانفجار الجراح والدُّمَّل ويجد بخروجه لذَّةً، فإذا فرغ ما في نافجته اندمل حينئذٍ، ثمَّ اندفعت المواد من الدَّم تجتمع ثانية، فيخرج رجالٌ يقصدون تلك الحجارة والجبال فيجدونه قد جفَّ بعد إحكام المواد ونضج الطَّبيعة وجفَّفته الشَّمس، وأثر فيه الهوى فيودعونه نوافج معهم قد أخذوها من غزلان اصطادوها معدَّةً معهم، ولغزاله نابان صغيران محدودان الأعلى منهما مدلىً على أسنانه السفلى ويداه قصيرتان ورجلاه طويلتان، وربما رموها بالسِّهام فيصرعونها ويقطعون عنها نوافجها والدَّم في سررها خام لم ينضج وطري لم يدرك فيكون لرائحته سهولة فيبقى زمانًا حتى تزول عنه تلك الرَّوائح السهلة الكريمة، وتكتسب موادًا من الهوى ويصير مسكًا، والله أعلم.

ومطابقة الحديث للترجمة باعتبار الجزء الثاني منها وهو بيع المسك.

وقال الحافظ العسقلانيُّ ليس في حديث الباب سوى ذكر المسك، وكأنَّه ألحق العطَّار به لاشتراكهما في الرائحة الطَّيبة، وقال العينيُّ صاحب المسك أعمُّ من أن يكون حامله، أو بائعه ولكن القرينة الحالية تدلُّ

ج 10 ص 133

على أنَّ المراد منه بائعه فيقع المطابقة بين الحديث والترجمة؛ إذ بائع المسك يسمَّى العطار، وإن كان يبيع غير المسك من أنواع الطيب أيضًا.

ورجال إسناد الحديث ما بين بصريٍّ وهما الأولان وكوفي وهم البقيَّة، وفيه رواية الابن عن الأب وعن الجد، وقد أخرج متنه مسلمٌ أيضًا في (( الأدب ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت