فهرس الكتاب

الصفحة 3296 من 11127

2105 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام(عَنْ نَافِعٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا

ج 10 ص 137

أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً)بضم النون والراء، كذا ضبطه ابن السِّكِّيت، وضبطه أيضًا بكسر النون والراء وبغير هاء، وجمعها نمارق، وقال ابن التِّين ضبطناه في الكتب بفتح النون وضم الراء، وقال القاضي عياض وغيره هي وسادةٌ صغيرة، وقيل مرفقة، وقيل هي المجالس ولعلَّه يعني الطَّنافس، وفي «المحكم» النُّمرق قيل هي التي يلبسها الرجل، وفي «الجامع» نمرق يجعل تحت الرحل، وفي «الصحاح» النُّمرقة وسادة صغيرة ربَّما سمَّوا الطِّنفسةَ التي تحت الرَّحل نمرقةً.

(فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْباب فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ، قُلْتُ اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ) بضم الصاد وفتح الواو، جمع صورة، والصُّورة ترد في كلام العرب على ظاهرها، وعلى معنى حقيقة الشَّيء وهيأته، وعلى معنى صفته يقال صورة الفعل كذا وكذا؛ أي هيَّأته وصورة الأمر كذا وكذا؛ أي صفته.

(يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا) بفتح الهمزة، أمر تعجيزٍ من الإحياء (مَا خَلَقْتُمْ) أي ما صوَّرتم كصور الحيوان (وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوْرَة لاَ تَدْخُلُهُ الْمَلاَئِكَةُ) أي غير الحفظة، وقيل ملائكة الوحي، وأمَّا الحفظة فلا يفارقون إلَّا عند الجماع والخلاء، كما أخرجه ابنُ عدي وضعَّفه.

وفي الحديث أنَّ بيع الثِّياب التي فيها الصُّور مكروه، وظاهر حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ بيعها لا يجوز لكن قد جاءت

ج 10 ص 138

آثارٌ مرفوعةٌ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم تدلُّ على جواز بيع ما تمتهن فيه الصُّور منها ستر عائشة رضي الله عنها فيه تصاوير، فهتكه صلى الله عليه وسلم فجعله قطعتين فاتَّكأ صلى الله عليه وسلم على أحدهما. رواه وكيعٌ، عن أسامة بن زيد بن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عنها فإذا تعارضت الآثار فالأصلُ الإباحة حتَّى يرد الحظر.

ويحتمل أن يكون معنى حديث عائشة رضي الله عنها في النُّمرقة لو لم يعارضه غيره محمولًا على الكراهة دون التحريم، بدليل أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يفسخ البيع في النُّمرقة التي اشترتها عائشة رضي الله عنها، وفيه أيضًا أنَّ تصوير الحيوان حرام.

واختلفوا في هذا الباب فقال قومٌ من أهل الحديث، وطائفة من الظَّاهرية التَّصوير حرامٌ سواء كان ذلك تصوير ذي روح، أو غيره واحتجُّوا في ذلك بظاهر حديث عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة المصوِّرون ) )رواه مسلم وغيره.

وقال الجمهورُ من الفقهاء وأهلُ الحديث كلُّ صورةٍ لا تشبه صورة الحيوان كصورة الشَّجر والحجر والجبل، ونحو ذلك فلا بأس واحتجُّوا في ذلك بما رواه مسلم قال قرأتُ على نصر بن عليٍّ الجهضميِّ، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، قال نا يحيى بن إسحاق، عن سعيد بن أبي الحسن قال جاء رجلٌ إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما فقال إنِّي رجل أصوِّر هذه الصُّور فأقتني فيها، فقال له ادن منِّي، ثمَّ قال ادن منِّي، فدنا منه حتى وضع يده على رأسه قال أنبِّئك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( كلُّ مصوِّرٍ في النَّار يجعل له بكلِّ صورةٍ صوَّرها نفسًا فيعذِّبه في جهنَّم ) )وقال إن كنتَ لا بدَّ فاعلًا فاصنع الشَّجر وما لا نفسَ له.

ويؤيِّد ذلك ما ورواه الطحاويُّ من حديث مجاهد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال استأذن

ج 10 ص 139

جبريلُ عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ادخلْ، فقال كيف أدخل وفي بيتك سترٌ فيه تماثيل خيلٍ ورجال، فإمَّا أن تقطعَ رؤوسها، وإمَّا أن تجعلها بساطًا فإنَّا معشرَ الملائكة لا ندخلُ بيتًا فيه تماثيل.

قال الطحاويُّ فلمَّا أبيحتْ التَّماثيل بعد قطع رؤوسها الذي لو قطع من ذي الرُّوح لم يبق دلَّ ذلك على إباحةِ تصوير ما لا روح فيه، وعلى خروج ما لا روح لمثله من الصُّور ممَّا قد نهي عنه، وفيه أيضًا أنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، وقد مرَّ أنَّ المراد من الملائكة غير الحفظة.

وقال النوويُّ أمَّا الملائكة الذين لا يدخلون بيتًا فيه كلبٌ أو صورة فهم ملائكة يطوفون بالرَّحمة والاستغفار، وقال الخطَّابي إنَّما لم يدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو صورة ممَّا يحرمُ اقتناؤه من الكلاب والصُّور، فأمَّا ما ليس بحرامٍ من كلب الصَّيد والزَّرع والماشية والصُّورة تمتهنُ في البساط والوسادة وغيرِهما، فلا يمنع دخول الملائكة.

وأشار القاضي إلى نحو ما قاله الخطابيُّ، والأظهر أنَّه عامٌّ في كلِّ كلبٍ وكلِّ صورةٍ وأنَّهم يمتنعون عن الجميع لإطلاق الأحاديث، قاله النوويُّ، وقال أيضًا ولأنَّ الجروَ الذي كان في بيت النَّبي صلى الله عليه وسلم تحت السَّرير كان له فيه عذرٌ ظاهرٌ، فإنَّه لم يعلم به ومع هذا امتنع جبريل عليه السَّلام من دخول البيت، وعلَّل بالجرو فلو كان العذر في وجود الصُّورة والكلب لا يمنعهم لم يمتنع جبريل عليه السلام، انتهى.

وقال العينيُّ العلم وعدمه لا يؤثر في هذا الأمر، والعلَّةُ في امتناعهم عن الدُّخول الصُّورة والكلب مطلقًا والله أعلم، ومطابقةُ الحديث للترجمة قد ذكر وجهها في أول الباب.

وقال الكرمانيُّ الاشتراء أعمُّ من التِّجارة، فكيف يدلُّ على الخاص الَّذي هو التِّجارة التي عقد عليها الباب، فأجاب بأنَّ حرمة الجزء

ج 10 ص 140

مستلزمةٌ لحرمة الكلِّ، فهو من باب إطلاق الكلِّ وإرادة الجزء، انتهى فتأمَّل.

والحديث أخرجهُ المؤلف في (( النِّكاح ) ) [خ¦5181] وفي (( اللباس ) ) [خ¦5957] وفي (( بدء الخلق ) )أيضًا [خ¦3224] ، وأخرجه مسلمٌ في (( اللِّباس ) )من طرقٍ مختلفةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت