فهرس الكتاب

الصفحة 3347 من 11127

2140 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هو ابنُ المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 10 ص 218

أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ)أي قال (( لا يبع حاضر لباد ) )، ولذا عطف عليه قوله {وَلَا تَنَاجَشُوا} كما سيأتي، والبادي هو الذي يكون في البادية، مسكنه المضارب والخيام، وصورة البيع للبادي أن يقدم غريبٌ من البادية بمتاعٍ ليبيعه بسعر يومه فيقول له بلديٌّ اتركه عندي لأبيعه لك على التَّدريج بأغلى منه، وهو فعلٌ حرامٌ لكن يصحُّ بيعه؛ لأنَّ النَّهي راجعٌ إلى أمرٍ خارجٍ عن نفس العقد. وقيل أن لا يكون الحاضر سمسارًا للبدويِّ، وحينئذٍ يصير أعمَّ ويتناول البيع والشِّراء، وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.

(وَلاَ تَنَاجَشُوا) عطفٌ على ما قبله من حيث المعنى كما ذُكِرَ، ولا حاجة إلى أن يقال التقدير نهى وقال (( لا تناجشوا ) )، والنَّجَش بفتح النون والجيم وفي آخره شين معجمة، وفي «المغرب» النَّجَش بفتحتين، ويروى بسكون الجيم. يقال نجَش ينجُش نجشًا، من باب نصر ينصر، وهو أن يزيد في الثمن لا لرغبةٍ فيها بل ليخدع غيره ليزيد ويشتريه، وفي «الزاهر» أصل النَّجش مدح الشَّيء وإطراؤه، وفي «الغريبين» النَّجش تنفير النَّاس عن الشَّيء إلى غيره، وفي «الجامع» أصله من الختل، يقال نجش الرجل، إذا ختلَ، ويقال أصل النَّجش الإثارة، وسمِّي النَّاجش ناجشًا؛ لأنَّه يثيرُ الرَّغبة في السلعة ويرفع ثمنها، وهذا الفعل حرامٌ أيضًا، وذكر لفظ (( ولا تناجشوا ) )بصيغة التفاعل؛ لأنَّ التاجر إذا فعل لصاحبه ذلك كان هو أيضًا بصدد أن يفعلَ به مثله.

(وَلاَ يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) قد مرَّ تفسيره عن قريب، وقال ابن قُرْقُول يأتي كثيرٌ من الأحاديث على لفظ الخبر، وقد أتى بلفظ النَّهي وكلاهما صحيحٌ.

وقال ابن الأثير كثيرٌ من روايات هذا الحديث (( لا يبيع ) )بإثبات الياء، والفعل غير مجزومٍ وذلك لحن وإن صحَّت الرِّوايات فتكون لا نافية، وقد أعطيت معنى النهي؛ لأنَّه إذا نُفِيَ هذا البيع فكأنَّه قد استمرَّ عدمه، والمراد من النهي عن الفعل إنَّما هو طلب إعدامه، أو استبقاء عدمه، فكان النَّهي الوارد من الواجب صدقه يفيد ما يُرَاد من النَّهي.

(وَلاَ يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) الخِطبة _ بكسر الخاء _ اسمٌ من خطَب يخطُب، من باب نصر ينصر، فهو خاطب، وأمَّا الخُطبة _ بالضم _ فهو من القول والكلام، وصورته أن يخطُبَ الرجل امرأة فتركن إليه ويتَّفقان على صداقٍ

ج 10 ص 219

معلومٍ، ويتراضيان ولم يبق إلا العقد فيجيءُ آخر يخطب ويزيد في الصَّداق.

وهذا إنَّما يحرم إذا حصل التراضي صريحًا، فإن لم يصرِّح ولكن جرى ما يدلُّ عليه كالمشاورة والسكوت عند الخطبة فالأصحُّ أنَّه لا يحرم، وقال بعض المالكيَّة لا يحرم حتَّى رضوا بالتزوج، وسُمِّي المهر، واستدلَّ بفاطمة بنت قيس خطبها أبو جَهْم ومعاوية فلم ينكر الشارع ذلك بل خطبها لأسامة رضي الله عنه، وقد يقال لعلَّ الثاني لم يعلمْ بخطبة الأول، وأمَّا الشارع فأشار بأسامة لأنَّه خطب ولم يعلم أنَّها رضيت بواحدٍ منهما ولو أخبرته لم يشر عليهما.

وقال القرطبيُّ اختلف أصحابنا في ذلك فقيل هو مجرَّد الرِّضا والميل إليه، وقيل تسمية الصَّداق، وزعم الطبريُّ أنَّ النَّهي فيها منسوخٌ بخطبته صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قيس لأسامة رضي الله عنه، ثمَّ ذِكْرُ الأخ هنا أيضًا خرج مخرج الغالب وإلَّا فيحرم الخطبة على خطبة الذمي أيضًا، والحاصل أنَّه لا مفهوم له يعمل به، وقيل باختصاص التَّحريم إذا كان الخاطب مسلمًا.

(وَلاَ تَسْأَلُ الْمَرْأَةُ) بالرفع خبر بمعنى النهي وبالكسر نهيٌ حقيقيٌّ (طَلاَقَ أُخْتِهَا) ومعناه نهيُ المرأة الأجنبيَّة أن تسأل الزوج طلاق زوجته؛ لينكحها ويصير لها من نفقته ومعاشرته ما كان للمطلَّقة، فعبَّر عن ذلك بقوله (لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا) يقال أكفأت الإناء، إذا كببته، وكفأته وأكفأته إذا أملته.

وقال التيميُّ هذا مَثَلٌ لإمالة الضرَّة حقَّ صاحبتها من زوجها إلى نفسها، وفي رواية أبي الحسن (( لتكفَأ ) )بفتح الفاء، وقال ابن التِّين وهو ما سمعناه، وقال ابن قُرْقُول ويروى ، ويروى (( وتستكفِئ ما في صحفتها ) )أي تقلبه لتفرغه من خيرِ زوجها لطلاقه إيَّاها، وقد يسهل الهمزة، وقيل صورته أن يخطب الرجل المرأة وله امرأةٌ فتشترط عليه طلاق الأولى لتنفردَ به، وقال النوويُّ المراد بأختها غيرها سواءٌ كانت أختها في النَّسب والإسلام أو كافرة.

وفي الحديث النهي عن بيع الحاضر للبادي، وإنَّما نهى عنه؛ لأنَّ فيه التَّضييق على الناس وأهل الحاضرة أفضل لإقامتهم الجماعات وعلمهم وغير ذلك، واختلف في أهل القرى هل هم مرادون بهذا الحديث؟ فقال مالك إن كانوا يعرفون الأثمان فلا بأس به وإن كانوا يشبهون البادية فلا يباع ولا يشار عليهم.

ج 10 ص 220

وقال الشيخ زين الدين لا يلزم من النَّهي عن البيع تحريم الإشارة عليه إذا استشاره، وهو قول الأوزاعيِّ قال وقد أمر بنصحه في بعض طرق هذا الحديث وهو قوله (( إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له ) )، وحكى الرافعيُّ عن أبي الطيب، وأبي إسحاق المروزيِّ أنَّه يجب عليه إشارة إليه بذلًا للنصيحة.

وعن أبي حفص بن الوكيل أنَّه لا يرشده توسُّعًا على الناس، وقد نقل مثله عن مالك، بل حكى ابن العربيِّ عنه أنَّه لو سأله عن السِّعر لا يخبره به لحق أهل الحضر، ثمَّ ظاهرُ الحديث تحريم بيع الحاضر للبادي سواءٌ كان الحضري هو الَّذي التمس ذلك من البدويِّ، أو كان البدويُّ هو الذي سأل الحضري في ذلك، وجزم الرافعيُّ بأنَّه إنَّما يحرم إذا ابتدأ الحضريُّ لسؤاله ذلك، وفيه نظرٌ لخروجه عن ظاهر الحديث.

وخصَّص بعض أصحاب الشافعيِّ تحريم بيع الحاضر للبادي بما إذا تربَّص الحاضر سلعة البادي ليغالي في ثمنها، فأمَّا إذا باعها الحضري للبادي بسعر يومه فلا بأس به، وفي التَّقيُّد بذلك مخالفةٌ لظاهر الحديث، ولفهم راوي الحديث وهو ابن عباس رضي الله عنهما إذ سئل عن ذلك فقال (( لا يكون له سمسارًا ) )فلم يفرِّق بين أن يبيع له في ذلك اليوم بسعر يومه أو يتربَّص له ليزداد ثمنه.

وظاهر الحديث أيضًا تحريم بيع الحاضر للبادي سواءٌ كان البادي يريد بيعه في يومه، أو يريد الإقامة والتربُّص بسلعته، وحمل الرافعيُّ النَّهي على الصورة الأولى، فقال فيما إذا قصد البدويُّ الإقامة في البلد ليبيعه على التدريج فسأله تفويضه إليه فلا بأس به؛ لأنَّه لم يضرَّ بالنَّاس ولا سبيل إلى منع المالك عنه لِمَا فيه من الإضرار له، وفي الحديث حجَّةٌ لمن ذهب إلى تحريم بيع الحاضر للبادي، وهو قول أكثر أهل العلم من الصَّحابة والتابعين فمن بعدهم وهو قول مالك واللَّيث والشَّافعي وأحمد وإسحاق، وحكي عن مجاهد جوازه، وهو قول أبي حنيفة وآخرين قالوا إنَّ النَّهي منسوخٌ.

ثمَّ اختلفوا هل يقتضي النهي الفساد أم لا، فذهب مالك وأحمد إلى أنَّه لا يصحُّ بيع الحاضر للبادي، وذهب الشافعيُّ والجمهور إلى أنَّه يصحُّ وإن حرم تعاطيه، وفيه حجَّةٌ لمن ذهب إلى تعميم

ج 10 ص 221

التَّحريم في بيع الحاضر للبادي سواءٌ كان البلد كبيرًا بحيث لا يظهر لتأخير الحاضر متاع البدويِّ فيه تأثير أم صغيرًا، وسواءٌ كان متاع البادي كثيرًا أو قليلًا لا يوسَّع على أهل البلد لو باعه البادي بنفسه، وسواءٌ كان ذلك المتاع يعمُّ وجوده أم يعزُّ، وسواءٌ رخَّص سعر ذلك المتاع أم لا.

وحمل البغويُّ في «التهذيب» النَّهي فيه على ما يعمُّ الحاجة إليه سواءٌ فيه المطعومات وغيرها كالصوف وغيره، أمَّا ما لا يعمُّ الحاجة إليه كالأشياء النادرة فلا يدخل تحت النَّهي، وفيه نظرٌ لا يخفى.

وفي «التوضيح» فإن فعل وباع هل يؤدَّب، قال ابن القاسم نعم إن اعتاده، وقال ابنُ وهب يزجر عالمًا، أو جاهلًا ولا يؤدَّبُ والله أعلم.

وفي الحديث أيضًا النَّهي عن النَّجش ولا خيار فيه إذا وقع خلافًا لمالك وابن حبيب، وعن مالك إنَّما له الخيار إذا علم وهو عيبٌ من العيوب، كما في المصرَّاة، وعن ابن حبيب لا خيار إذا لم يكن للبائع مواطأة، وقال أهلُ الظَّاهر البيع باطلٌ مردودٌ على بائعه إذا ثبت ذلك.

وفي الحديث أيضًا النَّهي عن البيع على بيع أخيه وصورته قد مرَّت في أول الباب، وهذا محلُّه عند التَّراكن والاقتراب، فأمَّا البيع والشِّراء فيمن يزيد فلا بأس فيه بالزِّيادة على زيادةِ أخيه، وذلك لِمَا رواه الترمذيُّ من حديث أنسٍ رضي الله عنه (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم باع حلسًا وقدحًا، وقال من يشتري هذا الحلس والقدح، فقال رجلٌ أخذتهما بدرهمٍ، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم من يزيد على درهمٍ فأعطاه رجلٌ درهمين فباعهما منه ) ). وأخرجه بقيَّة الأربعة وهو قول مالكٍ والشَّافعي وجمهور أهل العلم، وكره بعض أهل العلم منهم إبراهيم النخعيُّ الزيادة على زيادة أخيه، ولم يروا صحَّة هذا الحديث وضعَّفه الأزدي بالأخضر بن عجلان في «مسنده» ، وحجَّة الجمهور على تقدير عدم الثبوت أنَّه لو ساوم وأراد شراء سلعةٍ وأعطى فيها ثمنًا لم يرض به صاحب السلعة، ولم يركن إليه ليبيعه فإنَّه يجوز لغيره طلب شرائها قطعًا ولا يقول أحدٌ إنَّه يحرم السَّوم بعد ذلك قطعًا كالخطبة على خطبة أخيه

ج 10 ص 222

إذا ردَّ الخاطب الأوَّل فإنَّه لا فرق بين الموضعين، وذكر الترمذيُّ عن بعض أهل العلم جواز ذلك فيمن يزيد في الغنائم والمواريث.

وقال ابن العربيِّ الباب واحدٌ، والمعنى مشترك لا يختصُّ به غنيمة ولا ميراث، فإن قيل روى الدارقطنيُّ من رواية ابن لهيعة قال نا عبدُ الله بن أبي جعفر، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعِ المزايدة، ولا يبعْ أحدُكم على بيع أخيه إلَّا الغنائم والمواريث ) )، ثمَّ رواه من طريقين

أحدهما عن الواقديِّ مثله، فالجواب أنَّ الظاهر أنَّ الحديث خرج مخرجَ الغالب، وعلى ما كانوا يعتادون فيه مزايدة، وهي الغنائم والمواريث، فإن وقع البيع من غيرهما مزايدة، فالمعنى واحد، كما قال ابن العربيِّ، والله أعلم.

وفي الحديث أيضًا النَّهي عن الخطبة على خطبة أخيهِ، وقد مرَّ الكلام فيه.

والحديث أخرجهُ مسلمٌ في (( النكاح ) (( البيوع ) )، وكذا أبو داود بعضه في (( البيوع ) )وهو قوله (( ولا تناجَشُوا ) )، وبعضه في (( النكاح ) )وهو قوله (( لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه ) ) [خ¦5142] . وأخرجه الترمذيُّ في (( البيوع ) )ببعضه وهو (( لا يبع حاضر لباد ) )، وفي موضعٍ آخر منه ببعضه وهو (( ولا تناجشوا ) )، وفي (( النكاح ) )ببعضه وهو (( لا يخطبُ الرجل على خطبة أخيه، ولا يبيع الرَّجل على بيع أخيه ) ) [خ¦2723] ، وفيه ببعضه في موضعٍ آخر وهو قوله (( لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ ما في إنائها ) ) [خ¦2723] . وأخرجهُ النسائي في (( النكاح ) )بتمامه ولم يذكر السَّوم، وأخرجه ابن ماجه في (( النكاح ) )ببعضه (( لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ) )، وفي (( التجارات ) )ببعضه (( لا تناجشوا ) )، وفيه في موضعٍ آخر ببعضه (( لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه ) )، وفيه في موضعٍ آخر ببعضه (( لا يبع حاضرٌ لباد ) ).

تتمة اعلم أنَّ البيع على بيع أخيه، والسوم على سوم أخيه محلُّ ذلك بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر، كما مرَّ، فإن كان ذلك صريحًا فلا خلاف في التَّحريم وإن كان ظاهرًا ففيه وجهان للشافعيَّة.

ونقل ابن حزم اشتراط الركون عن مالك وقال إنَّ لفظ الحديث لا يدلُّ عليه، وتُعُقِّب

ج 10 ص 223

بأنَّه لا بدَّ من أمر مبينٍ لوضع التَّحريم في السَّوم؛ لأنَّ السَّوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد لا يحرم اتِّفاقًا كما نقله ابن عبد البرِّ فتعيَّن أنَّ السَّوم المحرم ما وقع فيه قدرٌ زائدٌ على ذلك، وقد استثنى بعض الشافعيَّة من تحريم البيع والسَّوم على الآخر ما إذا لم يكن المشتري مغبونًا غبنًا فاحشًا، وبه قال ابن حزم، واحتجَّ بحديث (( الدِّين النصيحة ) )لكن لم تنحصر النصيحة في البيع والسوم، فله أن يعرِّفه أنَّ قيمتها كذا وأنك إن بعتها بكذا مغبونٌ من غير أن يزيد فيها فيجمع بذلك بين المصلحتين، وذهب الجمهور إلى صحة البيع المذكور مع تأثيم فاعله، وعند المالكيَّة والحنابلة في فساده روايتان، وبه جزم أهل الظاهر، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت