فهرس الكتاب

الصفحة 3361 من 11127

2148 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابن بُكَيْرٍ) بضم الموحدة وفتح الكاف، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سعد (عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هرمز، أنَّه قال (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه قال (لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ) بضم أوله وفتح ثانيه، على وزن تزكُّوا، يقال صرَّى يصرِّي تصرية كزكَّى يزكِّي تزكيةً، ويقال صريت الناقة _ بالتخفيف _ وصرَّيتها _ بالتشديد _ وأصريتها، إذا حفَّلتها، وناقة صَرْياء محفَّلة، وجمعها صرايا، على غير قياس، والإبلَ بالنصب على المفعولية، ويروى بفتح أوله وضم ثانيه، من الصرِّ بمعنى الربط، ومنه الصرَّة، ويروى (( لا تُصَر ) )بضم التاء وفتح الصاد بصيغة الإفراد على البناء للمفعول.

وعلى هذا الإبل مرفوعٌ به، والغنم عطف عليه، والأوَّل أصحُّ على ما أشار إليه المؤلِّف رحمه الله حيث فسَّر التَّصرية بما فسَّرها به ولم يذكر البقر.

وقد تقدَّم بيان ذلك في الترجمة، وظاهر النَّهي تحريم التَّصرية سواءٌ قصد التَّدليس أم لا.

وسيأتي في (( الشروط ) ) [خ¦2723] من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه نهي التصرية، وبهذا جزم بعض الشافعيَّة وعلَّله بما فيه

ج 10 ص 245

من إيذاء الحيوان، لكن أخرج النسائيُّ من طريق سفيان، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج بلفظ (( لا تصرُّوا الإبل والغنم للبيع ) )، وله من طريق أبي كثير السحمي، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( إذا باع أحدكم الشاة أو اللَّقحة فلا يحفِّلها ) )وهذا هو الرَّاجح، ويدلُّ عليه تعليل الأكثر بالتَّدليس. ويجاب عن التَّعليل بالإيذاء بأنَّه ضررٌ يسير لا يستمرُّ فيُغتفَر لتحصيل المنفعة.

(فَمَنِ ابْتَاعَهَا) أي من اشترى المصراة (بَعْدُ) أي بعد التَّصرية والتَّحفيل. وقال الكرمانيُّ أي بعد هذا النَّهي، وهو بعيدٌ وزاد عبيد الله بن عمر، عن أبي الزناد فهو بالخيار ثلاثة أيام. أخرجه الطحاويُّ.

وسيأتي ذكر من وافقه على ذلك وابتداء هذه المدَّة من وقت التصرية وهو قول الحنابلة، وعند الشافعية أنها من حين العقد. وقيل من التفرقة ويلزم عليه أن يكون العقد أوسع من الثَّلاث في بعض الصور، وهو ما إذا تأخر ظُهور التَّصرية إلى آخر الثلاث.

ويلزم عليه أيضًا أن تحسبَ المدة قبل التمكُّن من الفسخ، وذلك يفوِّت مقصود التوسُّع بالمدة.

(فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) أي فإن الَّذي ابتاعه بخير الرَّأيين (إِنْ يَحْتَلِبْهَا) بكسر إن على أنَّها شرطية وبجزم يحتلبها، وفي رواية ابن خزيمة والإسماعيليِّ من طريق أسد بن موسى، عن الليث (( بعد أَنْ يحتلبَها ) )بفتح أن ونصب يحتلبها.

وظاهر الحديث أنَّ الخيار لا يثبت إلَّا بعد الحلب. والجمهور على أنَّه إذا علم بالتَّصرية يثبت له الخيار، ولو لم يحلب لكن لمَّا كانت التَّصرية لا تعرف غالبًا إلا بعد الحلب ذكر قيدًا في ثبوت الخيار فلو ظهرت التَّصرية بعد الحلب فالخيار ثابت.

(إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا) وفي رواية مالك عن أبي الزناد في آخر الباب إن رضيها أمسكها [خ¦2150] ؛ أي أبقاها على ملكه، وهو يقتضي صحَّة بيع المصرَّاة وإثبات الخيار للمشتري.

فلو اطَّلع على عيبٍ بعد الرضا بالتَّصرية فردَّها هل يلزم الصَّاع؟ فيه خلاف، والأصحُّ عند الشافعيَّة وجوب الردِّ، ونقلوا نصَّ الشافعيِّ على أنه لا يردُّ وعند المالكية قولان.

(وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا) وفي رواية مالك (( وإن سخطها ردها ) )

ج 10 ص 246

(وَصَاعَ تَمْرٍ) بالنصب على أنَّه مفعول معه، والمعنى وردَّ معها صاع تمرٍ. فإن قيل إنَّ جمهور النُّحاة على أنَّ شرط المفعول معه أن يكون فاعلًا نحو جئت أنا وزيدًا فالجواب أنَّه على قول بعضهم، ويجوز أن يكون الواو لمطلق الجمع عطفًا على الضَّمير في قوله (( ردَّها ) ). وفي رواية مالك (( وصاعًا من تمر ) )، فإن قيل التَّعبير بالردِّ في المصرَّاة واضحٌ فما معنى التَّعبير بالردِّ في الصَّاع.

فالجواب أنَّه مثل قول الشاعر

~عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا

أي علفتها تبنًا وسقيتها ماء، أو يُجْعَلُ علفتُها مجازًا من فعلٍ شاملٍ للأمرين؛ أي ناولتها فيحمل الردُّ في الحديث على نحو هذا التأويل.

واستدلَّ به على وجوب ردِّ الصَّاع مع الشَّاة إذا اختار فسخ البيع فلو كان اللبن باقيًا، ولم يتغيَّر فأراد ردَّه هل يلزم البائع قبوله؟ فيه وجهان أصحُّهما لا لذهاب طراوتُه ولاختلاطه بما تجدَّد عند المبتاع، والتَّنصيص على التمر يقتضِي تعيينه، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

ثمَّ ظاهر الحديث اشتراط الفور، وكذا القياس على سائر العيوب يقتضيه لكن الرواية التي فيها أنَّ له الخيار ثلاثة أيام مقدَّمة على هذا الإطلاق.

ونقل أبو حامد والرويانيُّ فيه نصَّ الشافعيِّ وهو قول الأكثر منهم. وأجاب من صحَّح الأوَّل بأنَّ هذه الرواية محمولةٌ على ما إذا لم يعلم أنها مصرَّاة إلَّا في الثلاث لكون الغالب أنَّها لا تُعْلَم فيما دون ذلك. قال ابن دقيق العيد والثاني أرجح؛ لأنَّ حكم التصرية قد خالف الناس في أصل الحكم لأجل النصِّ فيطرد ذلك ويتبع في جميع موارده. ويؤيده أن في بعض روايات أحمد والطحاوي من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( فهو بأحد النَّظرين الخيار إلى أن يَحُوزها أو يردَّها ) ).

ثم إنَّه يستفاد على تقدير كون قوله وصاع تمر مفعولًا مطلقًا فورية ردِّ الصَّاع مع ردِّ المصراة، فافهم.

واعلم أنَّه قد احتجَّ بهذا الحديث ابن أبي ليلى ومالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وأبو سليمان وزفر وأبو يوسف في رواية فقالوا (( من اشترى مصراة فحلبها فلم يرض بها فإنه يردُّها إن شاء ويردُّ معها صاعًا من تمر ) ). إلا أنَّ مالكًا قال يؤدِّي أهل كلِّ بلدٍ صاعًا من أغلب عيشهم.

ج 10 ص 247

وابن أبي ليلى قال يردُّ معها قيمة صاعٍ من تمر، وهو قول أبي يوسف ولكنَّه غير مشهورٍ عنه. وقال زفر يردُّ معها صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو نصف صاعٍ من برٍّ.

وفي «شرح الموطأ» للإشبيليِّ قال مالك إذا احتلبها ثلاثًا وسخطها لاختلاف لبنها ردَّها ومعها صاعًا من قوت ذلك البلد تمرًا كان أو برًّا أو غيره.

وبه قال الطبري وأبو علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعيِّ، وعن مالك يردُّ بكيله ما حلب من اللبن تمرًا أو قيمته. وقال أكثر أصحاب الشافعيِّ لا يكون إلَّا من التمر، وإذا لم يجد المشتري التَّمر فهل ينتقل إلى غيره. حكى الماورديُّ فيه وجهين

أحدهما يردُّ قيمته بالمدينة، والثَّاني قيمته بأقرب بلاد التَّمر إليه. واقتصر الرافعيُّ على نقل الوجه الأوَّل عن الماورديِّ، والوجهان معًا في «الحاوي» ، فإن اتَّفق المتبايعان على غير التَّمر في ردِّ بدل لبن المصراة، فقد حكى الرافعي عن ابن كَجٍّ وجهين في إجزاء البُرِّ عن التمر إذا اتَّفقا عليه فكان كالاستبدال عمَّا في ذمته. وقال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف في المشهور عنه، ومالك في رواية وأشهب من المالكيَّة وابن أبي ليلى في رواية، وطائفة من أهل العراق ليس للمشتري ردُّ المصراة بخيار العيب، ولكنَّه يرجع بالنقصان لأنَّه وجد ما يمنع الردَّ وهو الزِّيادة المنفصلة عنها. وفي الرجوع بالنُّقصان عن أبي حنيفة روايتان في رواية «شرح الطحاوي» يرجع على البائع بالنُّقصان؛ من الثَّمن لتعذر الردِّ. وفي رواية (( الأسرار ) )لا يرجع؛ لأنَّ اجتماع اللَّبن وجمعه لا يكون عيبًا، وأجابوا عن الحديث بأجوبة

الأوَّل ما قاله محمد بن شجاع أنَّ هذا الحديث نسخه حديث (( البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا ) )فلمَّا قطع صلى الله عليه وسلم بالفرقة الخيار ثبت بذلك أن لا خيار لأحدٍ بعد ذلك إلَّا لمن استثناهُ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا، وهو قوله إلَّا بيع الخيار.

وردَّه الطحاويُّ بأنَّ الخيار المجهول في المصراة إنما هو

ج 10 ص 248

خيار عيبٍ، وخيار العيب لا تقطعه الفرقة.

الثاني ما قاله عيسى بن أبان كان ذلك في أول الإسلام حيث كانت العقوبات في الديون حتى نسخ الله الربا فردَّت الأشياء المأخوذة إلى أمثالها.

الثالث ما قاله ابن التِّين، ومن جملة ما ردُّوا به حديث المصرَّاة الاضطراب لذكر التَّمر فيه تارةً والقمح أخرى واللبن أخرى، وذكر الصَّاع تمرة والمثل والمثلين في اللبن أخرى.

الرابع أنَّ الحديث وإن وقع بنقل العدل الضابط أيضًا عن مثله، لكن لا بدَّ في اعتباره أن يكون غير شاذٍّ ولا معلولٍ، وهذا الحديث معلولٌ؛ لأنَّه يخالف عموم الكتاب والسنَّة المشهورة فيتوقَّف عن العمل بظاهره، أمَّا عموم الكتاب فقوله تعالى {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة 194] ، وقوله تعالى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل 126] .

وأمَّا الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم (( الخراج بالضمان ) )، رواه الترمذيُّ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وصححه، ورواه الطحاوي من حديث عائشة رضي الله عنهما ويروى (( الغلة بالضمان ) )، والمراد بالخراج ما يحصل من غلَّة العين المبتاعة عبدًا كان أو أمةً أو ملكًا، وذلك أن يشتريه فيستغلُّه زمانًا ثم يعثر منه على عيبٍ قديم لم يطلعه البائع عليه أو لم يعرفه فله ردُّ العين المبيعة وأخذ الثمن ويكون للمشتري ما استغلَّه؛ لأنَّ المبيع لو كان تلف في يده لكان في ضمانه ولم يكن له على البائع شيء.

ثمَّ إن هؤلاء قد زعموا أنَّ رجلًا لو اشترى شاةً فحلبها، ثمَّ أصاب بها عيبًا غير التَّحفيل والتَّصرية أنه يردُّها ويكون اللبن له، وكذلك لو اشترى جاريةً مثلًا فولدت عنده، ثمَّ ردَّها على البائع بعيبٍ وُجِدَ بها يكون الولد له قالوا لأنَّ ذلك من الخراج الذي جعله النَّبي صلى الله عليه وسلم للمشتري بالضمان، فإذا كان الأمر كذلك فالصاع من التمر الذي يوجبه هؤلاء على المشتري للمصراة إذا ردَّها على بائعها بسبب التَّصرية، والتحفيل لا يخلو إمَّا أن يكون عوضًا من جميع اللبن الذي احتلبه منها الذي كان بعضه في ضرعها وقت البيع

ج 10 ص 249

وبعضه حدث في ضرعها بعد البيع، وإمَّا أن يكون عوضًا عن اللبن الذي في ضرعها وقت البيع خاصة.

فإن أرادوا الوجه الأول فقد ناقضوا أصلهم الَّذي جعلوا به اللبن والولد للمشتري بعد الردِّ بالعيب في الصُّورتين اللَّتين ذكرناهما؛ وذلك لأنَّهم جعلوا حكمهما كحكم الخراج الذي فعله النَّبي صلى الله عليه وسلم للمشتري بالضمان.

وإن أرادوا الوجه الثاني فقد جعلوا للبائع صاعًا دينًا بدين، وهذا غير جائزٍ لا في قولهم ولا في قول غيرهم، وأيُّ المعنيين أرادوا فهم فيه تاركون أصلًا من أصولهم، وقد كان هؤلاء أولى بالقول بنسخ الحكم في المصراة؛ لكونهم يجعلون اللَّبن في حكم الخراج وغيرهم لا يجعلون كذلك فظهر من ذلك فساد كلامهم وفساد ما ذهبو إليه.

فإن قلت لا نسلم أن يكون اللبن في حكم الخراج؛ لأنَّ اللبن ليس بغلَّةٍ وإنَّما كان محفلًا فيها فلزم ردُّه.

فالجواب أنَّ الغلة هي الدخل الذي يحصل، وهي أعمُّ من أن يكون لبنًا أو غيره، وأيضًا يلزمهم على هذا أن يردُّوا عوض اللبن إذا ردَّت المصراة بعيبٍ آخر غير التصرية ولم يقولوا به.

فإن قيل هذا حكمٌ خاصٌّ في نفسه، وحديث الخراج عام والخاص يقضي على العام.

فالجواب أنَّ الأصل هو ترجيح العام على الخاصِّ في العمل به، ولهذا رجَّحنا قوله صلى الله عليه وسلم (( ما أخرجت الأرض ففيه العشرُ ) )على الخاص الوارد بقوله (( ليس في الخضروات صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) )وأمثال ذلك كثيرة.

(وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (وَمُجَاهِدٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ) بفتح الراء والباء الموحدة (وَمُوسَى بْنِ يَسَارٍ) بفتح المثناة التحتية والسين المهملة، عمُّ محمد بن إسحاق بن يسار صاحب «المغازي» .

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعَ تَمْرٍ) أمَّا رواية أبي صالحٍ فقد وصلها مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام إن شاءَ أمسكَها، وإن شاء

ج 10 ص 250

ردَّها وردَّ معها صاعًا من تمر )) .

واعلم أنَّ أحاديث المصراة على نوعين

أحدهما مطلقٌ عن ذكر مدَّة الخيار، وبه أخذ المالكيَّة وحكموا فيها بالردِّ مطلقًا، والآخر مقيَّدٌ بذكر مدَّة الخيار، كما في رواية مسلم هذه، وبه أخذت الشافعيَّة. واستدلَّ به بعضهم على أنَّ المشتري لو لم يطلع على التَّصرية إلَّا بعد الثلاث أنَّه لا يثبت له خيار الردِّ لظاهر الحديث.

وقال الشيخ زين الدِّين والصَّحيح عند أصحاب الشافعيِّ ثبوته كسائرِ العيوب، ولكنَّه على الفور عندهم بلا خلافٍ لا يمتدُّ بعد الاطلاع عليه.

وأمَّا رواية مجاهد فوصلها البزار، والطبراني في «الأوسط» من طريق محمد بن مسلم الطائفي، عن ابن أبي نَجيح والدارقطني من طريق ليث بن أبي سليم كلاهما عن مجاهد، عن أبي هريرة رضي الله عنه وأول رواية ليث (( لا تبيعوا المصراة من الإبل والغنم ) ).

وفيه (( من ابتاع مصراة فله أن يردَّها وصاع تمر ) )وليث ضعيفٌ ومحمد بن مسلم فيه مقال.

وأمَّا رواية الوليد بن رباح فوصلها أحمد بن منيع في «مسنده» بلفظ (( من اشترى مصراة فليردَّ معها صاعًا من تمر ) ).

وأمَّا رواية موسى بن يسار فوصلها مسلم بلفظ (( من اشترى شاة مصراة فلينقلب بها فليحلبها، فإن رضي بها أمسكها، وإلَّا ردَّها ومعها صاعٌ من تمر ) )وسياقه يقتضي الفورية.

(وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمد (صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَهْوَ بِالْخِيَارِ ثَلاَثًا) وهذا التعليق وصله مسلم، والترمذيُّ من طريق قرَّة بن خالد، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردَّها ردَّ معها صاعًا من طعام لا سمراء ) ).

وقال الترمذيُّ معنى طعام لا سمراء لا برَّ، وقال البيهقيُّ المراد بالطَّعام هنا التمر لقوله (( لا سمراء ) )، وروى ابن أبي شيبة وأبو عَوانة من طريق هشام عن ابن سيرين (( لا سمراء ) )يعني الحنطة.

وقال العينيُّ لا يعلم أنَّ المراد من الطَّعام هنا التَّمر، ولا يدلُّ عليه قوله (( لا سمراء ) )لأنَّ الذي يفهم منه أن لا يكون قمحًا وغيره أعمُّ من التمر. وعن ابن المنذر

ج 10 ص 251

من طريق ابن عون، عن ابن سيرين أنَّه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول (( لا سمراء تمرٌ ليس ببُرٍّ ) ).

فهذه الرواية تبيِّن أنَّ المراد بالطَّعام التَّمر، ولَمَّا كان المتبادر إلى الذِّهن أنَّ المراد بالطَّعام القمح نفاه بقوله (( لا سمراء ) ).

ويردُّ على هذا ما رواه البزار من طريق أشعث بن عبد الملك، عن ابن سيرين بلفظ (( إن ردَّها ردها ومعها صاعٌ من برٍّ لا سمراء ) )، وهذا يقتضي أنَّ المنفيَّ قمحٌ مخصوص، وهي الحنطة الشاميَّة فيكون المثبت بقوله (( من طعام ) )من القمح.

وقد روى الطحاويُّ من طريق أيُّوب عن ابن سيرين أنَّ المراد بالسَّمراء الحنطة الشامية، وهي كانت أغلى ثمنًا من البرِّ الحجازي فكأنَّه صلى الله عليه وسلم أمر بردِّ الصَّاع من البرِّ الحجازي لا البرِّ الشامي؛ لكونه أغلى ثمنًا قصدًا للتخفيف عليهم.

وجاء في الحديث أيضًا أنَّ الطعام غير التمر، وهو ما رواه أحمد بإسنادٍ صحيحٍ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن رجلٍ من الصحابة نحو حديث الباب، وفيه (( وإن ردَّها ردَّ معها صاعًا من طعامٍ أو صاعًا من تمر ) )فإن ظاهره يقتضي التَّخيير بين التَّمر والطعام وأنَّ الطعام غير التَّمر.

ويحتمل أن يكون (أو) شكًّا من الراوي لا تخييرًا، وإذا وقع الاحتمال في هذه الروايات لم يصحَّ الاستدلال بشيءٍ منها، ويرجع إلى الروايات التي فيها التمر فهي الراجحة، كما أشار إليه البخاري بقوله (( والتمر ) )أكثر كما سيجيء إن شاء الله تعالى.

وأمَّا ما أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ (( إن ردَّها ردَّ معها مثل أو مثلي لبنها قمحًا ) )في إسنادِه ضعفٌ.

وقد قال ابن قدامة إنَّه متروك الظاهر بالاتِّفاق، هذا ويحتمل أن يكون الراوي فسَّر الطعام بالقمح؛ لأنَّه المتبادر من الطعام فظنَّ الراوي أنه البرُّ فعبَّر به عنه، وإنما أطلق لفظ الطعام على التمر؛ لأنَّه كان غالب قوت أهل المدينة، وبهذا يجمع بين مختلف الروايات عن ابن سيرين في ذلك، فليتأمل.

(وَقَالَ بَعْضُهُمْ،

ج 10 ص 252

عَنِ ابْنِ سِيرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ ثَلاَثًا) وهذا التعليق قد وصله أحمد من طريق معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين بلفظ (( من اشترى شاةً مصراة فإنَّه يحلبها فإن رضيها أخذها، وإلَّا ردَّها وردَّ معها صاعًا من تمر ) )، وقد رواه سفيان عن أيُّوب فذكر الثلاث. أخرجه مسلمٌ بلفظ (( من اشترى شاة مصراة فهو بخير النَّظرين ثلاثة أيَّام إن شاء أمسكها، وإن شاء ردَّها وصاعًا من تمرٍ لا سمراء ) ).

ورواه بعضهم عن ابن سيرين بذكر الطعام، ولم يقل ثلاثًا أخرجه أحمد والطحاوي من طريق عوف، عن ابن سيرين وخلاس بن عمرو كلاهما عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( من اشترى لقحة مصراة أو شاة مصراة فحلبها فهو بأحد النظرين بالخيار إلى أن يحوزها أو يردَّها أو إناء من طعام ) ).

قال الحافظ العسقلانيُّ فحصلنا عن ابن سيرين على أربع روايات ذِكْرُ التَّمر والثلاث ذكر التمر دون الثلاث والطعام بدل التمر كذلك. والذي يظهر في الجمع بينها أنَّ من زاد الثلاث معه زيادة علمٍ وهو حافظ، ويحمل الأمر فيمن لم يذكرها على أنَّه لم يحفظها أو اختصرها وتحمل الرواية التي فيها الطعام على أنَّ المراد بها التمر والله أعلم.

قال البخاري رحمه الله (وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ) يعني أنَّ الروايات الناصَّة على التَّمر أكثر عددًا من الروايات التي لم تنصَّ عليه، أو أبدله بذكر الطَّعام، فقد رواه بذكر التمر غير ما تقدم ذكره ثابت بن عياض، كما يأتي في الباب الذي يليه [خ¦2151] ، وهمَّام بن منبه عند مسلم وعكرمة وأبو إسحاق عند الطحاويِّ ومحمد بن زياد عند الترمذيِّ والشعبي عند أحمد وابن خزيمة كلُّهم عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وأمَّا رواية من رواه بذكر الصَّاع فقد تقدَّم ضبطه في (( الزكاة )

ج 10 ص 253

والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت