فهرس الكتاب

الصفحة 3415 من 11127

2189 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو سعيدٍ الجعفي الكوفي سكن مصر، وسمع عبد الله بن وهبٍ، وهو من أفراده، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) هو عبد الله بن وهبٍ، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز، وقد تكرَّر ذكره (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رَباح (وَأَبِي الزُّبَيْرِ) بضم الزاي وفتح الموحدة، هو محمَّد بن مسلم بن تَدْرُسَ، بلفظ المضارع المخاطب من الدَّرس، كذا جمع بينهما عبد الله بن وهب.

وتابعه أبو عاصم عند مسلم، ويحيى بن أيُّوب عند البخاريِّ كلاهما عن ابن جريجٍ ورواه سفيان بن عيينة عند مسلم عن ابن جُريح عن عطاء وحده، ووقع في روايته عن ابن جريج أخبرني عطاء.

(عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وفي رواية أبي عاصم المذكورة أنَّهما سمعا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ) بالمثلثة؛ أي الرُّطب (حَتَّى يَطِيبَ) أي طعمه، والغرض منه بدو صلاحه، ففي رواية ابن عيينة (( حتَّى يبدو صلاحه ) ).

(وَلاَ يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهُ) أي من التَّمر (إِلاَّ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ) لأنَّهما غالب ما يتعامل به النَّاس، وإلَّا فلا خلاف بين الأمَّة في جواز بيعه بالعروض أيضًا سوى جنسه كما سبق (إِلاَّ الْعَرَايَا) زاد يحيى

ج 10 ص 309

بن أيُّوب (( فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص فيها ) )أي في العرايا؛ أي فيجوز بيع الرُّطب فيها بعد أن يخرصَ ويعرف قدره بقدر ذلك من التَّمر.

وقد مرَّ أنَّ قومًا منهم الأئمَّة الثَّلاثة احتجُّوا بهذا الحديث وأمثاله على عدم جواز بيع الثِّمار على رؤوس النَّخل حتَّى تحمرَّ أو تصفر، وأجاز ذلك قومٌ بعد ظهورها منهم أبو حنيفة وأصحابه.

وقال ابنُ المنذر ادَّعى الكوفيُّون أنَّ بيع العرايا منسوخٌ بنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الثَّمر بالتَّمر، وهذا مردودٌ؛ لأنَّ الذي روى النَّهي عن بيع الثَّمر بالتَّمر هو الذي روى الرُّخصة في العرايا فأثبتَ النَّهي والرُّخصة معًا، انتهى. يعني وشأنُ النَّسخ تَقَدُّمُ المنسوخ على النَّاسخ.

وقال الحافظ العسقلانيُّ ورواية سالمٍ الماضية في الباب الذي قبله [خ¦2183] تدلُّ على أنَّ الرُّخصة في بيع العرايا وقع بعد النَّهي عن بيع الثمر بالتَّمر، ولفظه عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا (( ولا تبيعوا الثَّمر بالتَّمر ) ).

قال وعن زيد بن ثابتٍ (( أنَّه صلى الله عليه وسلم رخَّص بعد ذلك في بيع العرية ) )، وهذا هو الذي يقتضيه لفظ الرخصة فإنَّها تكون بعد منع، وكذلك بقيَّة الأحاديث التي وقع فيها استثناء العرايا بعد ذكر بيع الثَّمر بالتَّمر، انتهى.

وتعقَّبهما العينيُّ بقوله أمَّا قول ابن المنذر فإنَّه مردودٌ؛ لأنَّ رواية من روى النَّهي عن بيع الثمر بالتَّمر، وروى الرُّخصة في العرايا لا تستلزم منع النَّسخ على أنَّ هذا النَّقل من الكوفيين غير صحيحٍ، كما تقدَّم تفصيله فيما مضى. وأمَّا قول القائل الذي قال ورواية سالم إلى آخره فقد رُدَّ فيما مضى في الباب الذي قبله [خ¦2183] ؛ ولأنَّ هذا الحديث مشتملٌ على حكمين مقرونين

أحدهما النَّهي عن بيع الثمر بالتَّمر.

والآخر التَّرخيص في العرايا.

ولا يلزم من ذكرهما مقرونين أن يكون حكمهما واحدًا ثمَّ أخرج أحدهما عن الآخر؛ لأنَّ كلاًّ منهما كلامٌ مستقلٌّ بذاته، وقد يقرن الشَّيء بالشَّيء وحكمهما مختلفٌ، ونظائره كثيرة.

وقد ذكر أهل التَّحقيق من الأصوليِّين أنَّ من العمل بالوجوه

ج 10 ص 310

الفاسدة ما قال بعضُهم إنَّ القِران في النُّظم يوجب القران في الحكم. وقول زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه (( أنَّه صلى الله عليه وسلم رخَّص في بيع العرية ) )كلام تامٌّ لا يفتقر إلى ما يتمُّ به. فإن قيل الاستثناء في الحديث يقتضي أنَّ العرايا قد خرجتْ من صدر الكلام فيقتضي أن تكون الرُّخصة بعد المنع. فالجواب أنَّ الاستثناء من قوله (( ولا يباع شيءٌ منه إلَّا بالدِّينار والدرهم ) )ولم يكن العرية داخلةٌ في صدر الكلام الذي هو النَّهي عن بيع الثَّمر بالتمر؛ لأنَّها عطيَّة وهبة فلا تدخلُ تحت البيع حتَّى يستثنى منه، ولمَّا لم يكن بيعًا بيَّن الاستثناء أنَّه لا يجعل فيها الدِّينار والدرهم كما في البيع.

والدَّليل على كونها هبة ما رواه الطَّحاوي، فقال حدَّثنا أحمد بن داود، قال نا محمَّد بن عون، قال نا حمَّاد بن سلمة، عن أيُّوب وعبيد الله، عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى البائع والمبتاع عن المزابنة ) ). قال وقال زيد بن ثابت (( ورخَّص في العرايا في النَّخلة والنَّخلتين توهبان للرَّجل فيبيعهما بخرصهما تمرًا ) ). ورواه الطَّبراني أيضًا في «الكبير» ، ثمَّ قال الطَّحاوي فهذا زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه، وهو أحد من روى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم الرُّخصة في العرية فقد أخبر أنَّها الهبة. وقال الطَّحاوي أيضًا وقد روي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( خففوا في الصَّدقات فإنَّ في المال العرية والوصية ) ).

حدَّثنا بذلك أبو بكرة، قال ثنا أبو عمر الضَّرير، قال أنا جرير بن حازم، قال سمعتُ قيس بن سعد يحدِّث عن مكحولٍ الشَّامي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. فدلَّ أنَّ العرية إنَّما هي شيء يُملِّكه أرباب الأموال قومًا في حياتهم كما يُملِّكون الوصايا بعد وفاتهم. قال العينيُّ وإسناده صحيحٌ، وهو مرسل والمرسل حجَّة عندنا. فإن قلت زيد بن ثابت رضي الله عنه سمَّى العرية بيعًا حيث قال ورخَّص في بيع العرية.

فالجواب أنَّه سمَّاها بيعًا؛ لتصورها بصورة البيع لا أنَّها بيع حقيقة لانعدام القبض؛ ولأنَّها لو جعلت بيعًا حقيقةً لكان

ج 10 ص 311

بيع الثَّمر بالتمر إلى أجلٍ وأنَّه لا يجوز بلا خلاف. وقد مرَّ ما يتعلق بهذا فيما مضى أيضًا.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة أظهر من أن يخفى. فإن قيل ليس في الحديث ذكر رؤوس النَّخل. فالجواب أنَّ المراد من قوله (( بيع الثمر ) )هو بيع الثَّمر الكائن على رؤوس الشَّجر يدلُّ عليه قوله (( حتَّى يطيب ) )كما لا يخفى.

والحديث أخرجه أبو داود في (( البيوع ) )أيضًا، وابن ماجه في (( التِّجارات ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت