2190 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) أبو محمَّد الحَجَبي _ بفتح المهملة والجيم ثم موحدة _ بصريٌّ مشهور (قَالَ سَمِعْتُ مَالِكًا) الإمام، وفيه إطلاق السَّماع على ما قرئ على الشَّيخ وأقرَّ به بقوله نعم. وقد استقرَّ الاصطلاح عند المحدثين على أنَّ السماع مخصوصٌ بما حدَّث به الشَّيخ لفظًا (وَ) الحال أنَّه قد (سَأَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ) بصيغة التَّصغير (ابْنُ الرَّبِيعِ) ضدُّ الخريف وكان الرَّبيع حاجبًا للخليفة أبي جعفر المنصور، وهو والد الفضل، وزير الخليفة هارون الرَّشيد (أَحَدَّثَكَ) بهمزة الاستفهام وبصيغة الماضي (دَاوُدُ) هو ابن الحُصين _ بضم الحاء المهملة _ وقد مضى في الباب الذي قبله [خ¦2186] (عَنْ أَبِي سُفْيَانَ) مولى ابن أبي أحمد. وقد مضى هو أيضًا مع داود هنالك.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا) بالتشديد من التَّرخيص عند الأكثرين، وفي رواية الكُشميهني من الإرخاص، ومعنى قوله (( في بيع العرايا ) )في بيع ثمر العرايا؛ لأنَّ العرايا هي النَّخل (فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) شكٌّ من الرَّاوي. وبيَّن مسلمٌ في روايته أنَّ الشَّك من داود بن الحصين ولفظه عن أبي هريرة رضي الله عنه (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص في بيع العرايا بخرصِهَا فيما دون خمسة أوسقٍ أو في خمسة ) )شك داود قال خمسة أو دون خمسة، وكذا رواه الطَّحاوي أيضًا.
والأوسق جمع وَسق _ بفتح الواو _ وقيل بالكسر أيضًا والفتح أفصح، وهو ستُّون صاعًا، وهو ثلاثمائة وعشرون رطلًا عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلًا عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصَّاع والمد.
والصَّاع خمسة أرطال وثلث في قول، وقيل غير ذلك، وقد مرَّ تفصيل ذلك في كتاب (( الزَّكاة ) )، والأصل في الوسق الحمل، وكلُّ شيءٍ وسقته فقد حملته.
(قَالَ) أي مالك الإمام (نَعَمْ) وهذا التَّحمل يسمَّى عرض السَّماع، وكان مالك يختاره
ج 10 ص 312
على التَّحديث من لفظه. واختلف المحدِّثون فيما إذا سكت الشيخ، فالصَّحيح أنهَّ ينزل منزلة الإقرار إذا كان عارفًا ولم يمنعه مانعٌ، والأولى أن يقول نعم؛ لِمَا فيه من قطع النِّزاع، والله أعلم.
قال الحافظ العسقلانيُّ وقد اعتبر من قال بجواز بيع العرايا بمفهوم هذا العدد، ومنعوا ما زاد عليه. واختلفوا في جواز الخمسة لأجل الشَّك المذكور، والرَّاجح عند المالكية الجواز في الخمسة فما دونها. وعند الشَّافعية الجواز فيما دون الخمسة ولا يجوز في الخمسة، وهو قول الحنابلة وأهل الظَّاهر، فمأخذ المنع أنَّ الأصل التَّحريم وبيع العرايا رخصةً فيؤخذ بما تحقَّق فيه الجواز ويلغى ما وقع فيه الشَّك.
وسبب الخلاف أنَّ النَّهي عن بيع المزابنة هل ورد متقدِّمًا، ثمَّ وقعت الرُّخصة في العرايا؟ أو النَّهي عن بيع المزابنة وقع مقرونًا بالرُّخصة في بيع العرايا؟ فعلى الأوَّل لا يجوز في الخمسة للشَّك في رفع التَّحريم. وعلى الثَّاني يجوز للشَّك في قدر التَّحريم، ويرجح الأول رواية سالمٍ المذكورة في الباب الذي قبله [خ¦2183] ، انتهى. وقد مرَّ ما فيه من النَّظر فتدبر.
واحتجَّ بعض المالكية بأنَّ لفظة (( دون ) )صالحة لجميع ما تحت الخمسة، فلو عملنا بها للزم رفع هذه الرُّخصة. ورُدَّ بأنَّ العمل بها ممكنٌ بأن يحمل على أقلِّ ما يصدق عليه، وهو المفتى به في مذهب الشَّافعي.
وقد روى التِّرمذي حديث الباب من طريق زيد بن الحُبَاب عن مالكٍ بلفظ (( أرخصَ في بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق ) )، ولم يتردَّدْ في ذلك.
وزعم الماورديُّ [1] أنَّ ابن المنذر ذهب إلى تحديد ذلك بأربعة أوسقٍ لوروده في حديث جابرٍ رضي الله عنه بغير شكٍّ فيه فتعيَّن طرح الرِّواية التي وقع فيها الشَّك، والأخذ بالرِّواية المتيقنة. قال وألزم المزنيُّ الشَّافعي القول به، انتهى.
قال العينيُّ هذا الإلزام موجودٌ في رواية أحمد والطَّحاوي أيضًا، وقال الحافظ العسقلانيُّ وفيما نقله الماورديُّ [2] نظرٌ؛ لأنَّ ما نقله ليس في شيءٍ من كتب ابن المنذر، وإنَّما فيه ترجيح القول الصَّائر إلى أنَّ الخمسة لا يجوز، وإنَّما يجوز ما دونها
ج 10 ص 313
وهو الذي ألزم المزنيُّ أن يقول به الشَّافعي، كما هو بين من كلامه.
وقد حكى ابن عبد البرِّ هذا القول عن قومٍ، وقال واحتجُّوا بحديث جابرٍ رضي الله عنه، ثمَّ قال ولا خلاف بين الشَّافعي ومالك ومن تبعهما في جواز العرايا في أكثر من أربعة أوسق ما لم تبلغْ خمسة أوسق، ولم يثبت عندهم حديث جابرٍ رضي الله عنه، انتهى.
وحديث جابرٍ رضي الله عنه الذي أشار إليه أخرجه الشَّافعي وأحمد، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم أخرجوه كلُّهم من طريق ابن إسحاق حدَّثني محمَّد بن يحيى بن حبَّان، عن عمِّه واسع بن حبَّان، عن جابر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين أذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها، يقول (( الوَسْق والوسقين، والثَّلاثة، والأربع ) )لفظ أحمد.
وترجم عليه ابن حبَّان الاحتياط أن لا يزيد على أربعة أوسق، وهذا الذي قاله يتعيَّن المصير إليه، وأمَّا جعله حدًّا لا يجوز تجاوزه فليس بالواضح.
واحتجَّ بعضهم لمالك بقول سهل بن أبي حثمة (( إنَّ العرية تكون ثلاثة أوسقٍ أو أربعة أو خمسة ) )، وسيأتي ذكره في الباب الذي يليه، ولا حجَّة فيه؛ لأنَّه موقوفٌ.
ومن فروع هذه المسألة ما لو زاد في صفقة على خمسة أوسق فإنَّ البيع يبطلُ في الجميع. وخرج بعض الشَّافعية من جواز تفريق الصَّفقة أنَّه يجوز، وهو بعيدٌ لوضوح الفرق.
ولو باع ما دون خمسة أوسق في صفقة ثمَّ باع مثلها البائع بعينه للمشتري بعينه في صفقةٍ أُخرى جاز عند الشَّافعية على الأصح، ومنعه أحمد وأهل الظَّاهر.
هذا وقال ابنُ قدامة في «المغني» العرايا لا تجوز إلَّا فيما دون خمسة أوسق، وبهذا قال ابنُ المنذر والشَّافعي في أحد قوليه، وقال مالكٌ والشَّافعي في قوله الآخر يجوز في الخمسة.
ورواه الجَوزجانيُّ عن إسماعيل بن سعيد عن أحمد، واتَّفقوا على أنَّها لا تجوز في الزِّيادة على خمسة أوسق، وقال أيضًا إنَّما يجوز
ج 10 ص 314
بيعها بخرصها من التَّمر لا أقلَّ منه ولا أكثر، ويجب أن يكون التَّمر الذي يشتري به معلومًا بالكيلِ، ولا يجوز جزافًا ولا نعلم في هذا عند من أباح بيع العرايا اختلافًا.
واختلف في معنى خرصها من التَّمر، فقيل معناه أن يطيفَ الخارصُ بالعرية، فينظر كم يجيء منها تمرًا فيشتريها بمثله من التَّمر، وهذا مذهب الشَّافعي. ونقل حنبل عن أحمد أنَّه قال (( يخرصها رطبًا ) )وهو أحد الوجوه لأصحاب الشَّافعي. والثَّاني يجوز. والثَّالث يجوز مع اختلاف النَّوع، ولا يجوز مع اتِّفاقه ولا يجوز بيعها إلَّا لمحتاجٍ إلى أكلها رطبًا، ولا يجوز بيعها لغني، وهو أحدُ قولي الشَّافعي، وأباحها في القول الآخر مطلقًا للغني والمحتاج، ولا يجوز بيعها في غير النَّخل، وهو مذهب اللَّيث. وقال القاضي يجوز في بقية الثِّمار من العنب والتِّين وغيرهما، وهو قول مالكٍ والأوزاعي، وأجازه الشَّافعي في النَّخل والعنب دون غيرهما، انتهى.
وقال القاضي قوله (( فيما دون خمسة أوسقٍ أو في خمسة أوسق ) )يدلُّ على أنَّه يختصُّ بما يوسق ويكال.
وقال الكرمانيُّ قال الشَّافعي الأصل تحريم بيع المزابنة وجاءت العرايا رخصةً، والرَّاوي شكَّ في الخمسة فوجب الأخذ باليقين وطرح المشكوك فبقيت الخمسة على التَّحريم الذي هو الأصل، انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه يرد عليه ما رواه أحمد والطَّحاوي والبيهقي من حديث محمَّد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبَّان عن الواسع بن حبَّان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص في العرية في الوسق والوسقين والثَّلاثة والأربعة ) )، وقال (( في كلِّ عشرة أقناء قِنْو يوضع في المسجد للمساكين ) )، هذا لفظ الطَّحاوي.
والإقناء جمع قِنْو _ بكسر القاف وسكون النون _ وهو العذق بما فيه من الرُّطب فافهم، والله أعلم.
وفي الحديث أخرجه المؤلِّف في (( الشروط ) )أيضًا [خ¦2382] [3] وأخرجه مسلمٌ في (( البيوع ) )، وكذا أبو داود والتِّرمذي، وأخرجه النَّسائي فيه وفي (( الشُّروط ) ).
[1] في هامش الأصل المازري. نسخة.
[2] في هامش الأصل المازري. نسخة.
[3] لم أجده في الشروط، بل في المساقاة.