فهرس الكتاب

الصفحة 3428 من 11127

2198 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ) بضم المثناة الفوقية، من الإزهاء. قال الخطَّابي هذه الرِّواية هي الصَّواب، ولا يقال في النخل تزهو إنَّما يقال تُزْهِي لا غير. وَردَّ عليه غيرُه وأثبت ما نفاه، فقال زها إذا طال واكتمل، وأزهى إذا احمرَّ واصفرَّ.

(فقيل له وما تزهي؟) لم يُسَمَّ السَّائل في هذه الرِّواية ولا المسؤول أيضًا. وقد رواه النَّسائي من طريق عبد الرَّحمن بن القاسم عن مالكٍ بلفظ قيل يا رسول الله! وما تزهي؟ قال (( حتَّى تحمر ) ). وهكذا أخرجه الطَّحاوي من طريق يحيى بن أيُّوب، وأبو عَوانة من طريق سليمان بن بلال كلاهما عن حُمَيْدٍ، وظاهره الرَّفع.

ورواه إسماعيل بن جعفر وغيره عن حُمَيْدٍ موقوفًا على أنس رضي الله عنه، كما مضى في الباب السَّابق [خ¦2197] . ثمَّ لفظ (( وما تُزهي؟ ) )يقرأ بفتح الياء على الحكاية وبسكونها. ويحتمل أن يقال وضع الفعل موضع المصدر؛ أي وما الإزهاء كقوله

~وَقَالُوا مَا تَشَاءُ فَقُلْتُ أَلْهُو إِلَى الإِصْبَاحِ آثِرَ ذِي أَثِيرِ

(قَالَ حَتَّى تَحْمَرَّ، فَقَالَ) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويروى (أَرَأَيْت) أي أخبرني، قال أهل البلاغة هو من باب الكناية حيث أطلقَ اللَّازم وأراد الملزوم؛ إذ الإخبارُ مستلزمٌ للرُّؤية غالبًا، ومن إطلاق أحد نوعي الطَّلب على الآخر حيث استفهم وأراد الأمر.

(إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟) إذا تلف الثَّمر؛ لأنَّه إذا تلف الثَّمر

ج 10 ص 336

لا يبقى للمشتري في مقابلة ما دفع شيء فيكون أَخْذُ البائع بالباطل، ويروى (( بم يستحلُّ أحدكم مال أخيه؟ ) ).

وفيه إجراء الحكم على الغالب؛ لأنَّ تطرق التَّلف إلى ما بدا صلاحه ممكنٌ، وعدم تطرقه إلى ما لم يبد صلاحه ممكن أيضًا فأنيط الحكم في الحالين بالغالب.

ثمَّ قوله (( فقال أرأيت إذا منع الله ... ) )إلى آخره، هكذا صرَّح مالك برفعه، وتابعه محمد بن عَبَّاد عن الدَّراوردي عن حميد مقتصرًا على هذه الجملة الأخيرة.

وجزم الدَّارَقُطْنِيُّ وغيرُ واحدٍ من الحفَّاظ بأنَّه أخطأ فيه، وبذلك جزم ابنُ أبي حاتم في «العلل» عن أبيه وأبي زُرعة والخطأ في رواية عبد العزيز بن محمد بن عَبَّاد، فقد رواه إبراهيم بن حمزة عن الدَّراوردي كرواية إسماعيل بن جعفر الآتي ذكرها [خ¦2208] .

ورواه معتمر بن سليمان وبشر بن المفضل عن حميد، فقال فيه (( قال أفرأيت ... ) )إلى آخره، قال فلا أدري أنسٌ قال بم يستحلُّ، أو حدَّث به عن النَّبي صلى الله عليه وسلم؟ أخرجه الخطيب في «المدرج» .

ورواه إسماعيلُ بن جعفر عن حُمَيْد فعطفه على كلام أنس في تفسير قوله (( تزهي ) )فظاهره الوقف [خ¦2208] . وأخرجه الجوزقيُّ من طريق يزيد بن هارون، والخطيب من طريق أبي خالد الأحمر، كلاهما عن حُمَيْدٍ بلفظ (( قال أنسٌ أرأيتَ إن منع الله الثَّمرة ) )، الحديث.

ورواه ابن المبارك [خ¦2195] وهُشَيْم كما تقدَّم آنفًا [خ¦2197] عن حُمَيْد فلم يذكرا هذا القدر المختلف فيه، وتابعهما جماعةٌ من أصحاب حُمَيْدٍ عنه على ذلك.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وليس في جميع ما تقدَّم ما يمنع أن يكون التَّفسير مرفوعًا؛ لأنَّ مع الذي رفعه زيادة علم على ما عند الذي وقفه، وليس في رواية الذي وقفه ما ينفي قول من رفعه.

وقد روى مسلمٌ من طريق أبي الزُّبير عن جابرٍ رضي الله عنه ما يقوي رواية الرَّفع في حديث أنسٍ رضي الله عنه، ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته عاهة فلا يحلُّ لك أن تأخذَ منه شيئًا، بم تأخذُ مال أخيك بغير حقٍّ ) ).

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله (( إذا منع الله ... ) )إلى آخره. فإنَّ الثَّمرة إذا أصابتها آفةٌ ولم يقبضها المشتري يكون من ضمان

ج 10 ص 337

البائع، فإذا قبضها المشتري فهو من مال المشتري، وفي هذا الباب أقوالٌ للعلماء وتفصيل، فقال ابن قدامة في «المغني» الكلام في هذه المسألة على ثلاثة أوجه

الأول أنَّ ما تهلكه الجائحة من الثِّمار من ضمان البائع في الجملة، وبهذا قال أكثرُ أهل المدينة منهم يحيى بن سعيد الأنصاريِّ ومالك وأبو عُبَيْدٍ وجماعةٌ من أهل الحديث.

الثَّاني أنَّ الجائحة كلُّ آفةٍ لا صُنْعَ للآدميِّ فيها كالرِّيح والبرد والحرارة والجراد.

الثَّالث أنَّ ظاهر المذهب أنَّه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها إلَّا أنَّ ما جرت العادة بتلف مثله كالشَّيء اليسير الذي لا ينضبط فلا يُلْتَفَتُ إليه. وقال أحمد إنِّي لا أقول في عشر تمراتٍ وعشرين تمرة ولا أدري ما الثُّلث، ولكن إذا كانت جائحة فوق الثُّلث أو الربع أو الخمس يوضع. وعنه رواية أخرى أنَّ ما كان دون الثُّلث فهو من ضمان المشتري، وبه قال مالك والشَّافعي في القديم؛ لأنَّه لا بدَّ أن يأكل الطَّائر منها وينثر الرِّيح ويسقط منها، فلم يكن بدٌّ من ضابط وحدٌّ فاصلٌ بين هذا وبين الجائحة، والثُّلث قد رأينا الشَّرع اعتبره في مواضع، منها الوصية وعطايا المريض.

إذا ثبت هذا فإذا تلف شيءٌ له قدر خارج عن العادة وُضِعَ من الثَّمن بقدر الذَّاهب، فإن تلف الجميع بطل العقد ويرجع المشتري بجميع الثَّمن، وإن تلف البعض وكان الثُّلث فما زاد وضع بقسطه من الثَّمن، وإن كان دونه لم يرجع بشيءٍ. وإن اختلفا في الجائحة أو في قدر ما أتلفت، فالقول قول البائع؛ لأنَّ الأصل السَّلامة، انتهى.

وقال جمهور السلف والثَّوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشَّافعي في الجديد، وأبو جعفر الطَّبري، وداود وأصحابه ما ذهب من الثَّمر المبيع الذي أصابته جائحة من شيءٍ سواء كان قليلًا أو كثيرًا بعد قبض المشتري إيَّاه فهو ذاهب من مال المشتري.

والذي ذهب في يد البائع قبل قبض المشتري فذاك يبطلُ الثَّمن عن المشتري، وقد استدلَّ الطَّحاوي بحديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه أصيب

ج 10 ص 338

رجلٌ في ثمار ابتاعها فكثر دَيْنه، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( تصدَّقوا عليه فلم يبلغْ ذلك وفاء دينه ) )فقال (( خذوا ما وجدتُم وليس لكم إلَّا ذلك ) )أخرجه مسلم وأصحاب السُّنن.

قال فلمَّا لم يبطلْ دين الغرماء بذهاب الثَّمار وفيهم باعتها، ولم يؤخذْ منهم الثَّمن المتقدم دلَّ على أنَّ الأمر بوضع الجوائح ليس على عمومه، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت