2203 - (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ)
ج 10 ص 344
هو البخاري نفسه (وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ) هو ابن موسى الرَّازي على ما قاله الحافظ العسقلاني. وقيل هو ابنُ يوسف بن يزيد بن زاذان الفرَّاء، كما في «التَّلويح» . وقال المِزِّيُّ هو إبراهيم بن المنذر. إذا قالت حذام فصدِّقوها، وإنَّما لم يقل حدَّثني؛ لأنه ذكر له على سبيل المحاورة والمذاكرة، وقد تقدَّم غير مرَّة أنَّ قول البخاري عن شيوخه بهذه الصِّيغة يدلُّ على أنَّه أخذه منهم في حالة المذاكرة.
(أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعاني أبو عبد الرَّحمن. وقال المِزِّي هو هشام بن سليمان بن عكرمة بن خالد بن العاص القرشي المخزومي، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبدُ الملك بن عبد العزيز بن جريج (قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو عبدُ الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة _ بضم الميم _ واسمه زهير بن عبد الله (يُخْبِرُ عَنْ نَافِعٍ، مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ أَيُّمَا نَخْلٍ) كلمة أي تجيء لمعان خمسة أحدها الشَّرط نحو {أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء 110] وهنا كذلك، فلذلك دخلت الفاء في جوابها، وهو قوله (( فالثَّمر للذي أبَّرها ) ). وذكر النَّخل ليس بقيدٍ، وإنَّما ذُكِرَ؛ لأجل أنَّ سبب ورود الحديث كان في النَّخل وهو الظَّاهر، أو لأنَّ الغالب في أشجارهم النَّخل، وفي معناه كلُّ تمرٍ بارز يرى في الشَّجرة كالعنب والتفَّاح إذا بيع أصول الشَّجر لم يدخل هذه الثِّمار في بيعها إلَّا أن يشترطه المبتاع.
(بِيعَتْ) بكسر الباء على البناء للمفعول (قَدْ أُبِّرَتْ) على البناء للمفعول أيضًا وقعت حالًا، والجملة الأولى صفة، وكذلك قوله (لَمْ يُذْكَرِ الثَّمَرُ) جملة حاليَّة قَيَّدَ بها؛ لأنه إذا ذكر الثمر لأحد من المتعاقدين فقوله بمقتضى الشَّرط (فَالثَّمَرُ لِلَّذِي أَبَّرَهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ) يحتمل وجهين أحدهما إذا بيعت الأمُّ الحامل ولها ولد رقيق منفصل فهو للبائع، وإن كان جنينًا لم يظهر فهو للمشتري، وهذا المعنى هو المناسب للثمر والحرث كما لا يخفى. والثَّاني إذا بِيْعَ العبدُ وله مال على مذهب من يقول إنَّه مالك فإنَّه للبائع، ويشير بذلك إلى ما رواه مسلم من طريق اللَّيث، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبَّر فثمرتها للذي باعها إلَّا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدًا فماله للذي باعه إلَّا أن يشترطه المبتاع ) ).
وقال محيي السنَّة إضافة المال إلى العبد مجاز، كما يضاف السَّرج إلى الفرس، يدلُّ عليه أنَّه قال (( فماله للذي باعه ) )أضاف المال إليه وإلى البائع في حالة واحدة، ولا يصحُّ أن يكون لهما فالإضافة إلى العبد مجاز؛ أي للاختصاص، وإلى المولى حقيقة؛ أي للملك. وصورة تشبيهه بالنَّخل من جهة الرِّواية في كل منهما.
وأمَّا قوله (وَالْحَرْثُ) أي الزَّرع؛ يعني أنه إذا باع الأرض المزروعة فالزرع للبائع، فقد قال القرطبي كما تقدَّم آنفًا (( إنَّ إبار كلِّ شيءٍ بحسب
ج 10 ص 345
ما جرت به العادة أنَّه إذا فُعِلَ فيه ثبت ثمره وانعقد )) . وقد مرَّ أيضًا أنَّه يعبَّر بالتَّأبير عن ظهور الثَّمرة وانعقادها، وإن لم يُفْعَل فيها شيء، والله أعلم.
وقال الخطَّابي (( التَّأبير هو أن يوضعَ من طلع الفحل في طلع الأنثى، ويكون ذلك بإذن الله تعالى صلاحًا للتَّمر، جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الثمر ما دام مستكنًا في الطَّلع كالولد في بطن الحامل إذا بيعت كان الحمل تبعًا لها، فإذا ظهر تميَّز حكمه عن والدته ) )، كذلك ثمر النَّخل وفي معناه كل ثمر بارز يُرْوَى في الشَّجر، ومثله الزَّرع القائم في الأرض إذا بيعت الأرض.
هذا (سَمَّى لَهُ) أي لابن جُرَيْج (نَافِعٌ هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَ) أي التَّمر والعبد والحرث، وهو بتمامه موقوف على نافع؛ لأنَّ ابنَ جُرَيْج رواه عن نافع هكذا موقوفًا. وقال أبو العبَّاس الطَّرْقيُّ الصَّحيح من رواية نافع ما اقتصر عليه في هذا الحديث من التَّأبير خاصَّة. ويريد بالحديث ما سيأتي موصولًا، قال وحديث العبد يعني (( من ابتاع عبدًا وله مال فماله للبائع إلَّا أن يشترط المبتاع ) )يذكره عن ابن عمر، عن عمر رضي الله عنهما. قال وقد رواه عن نافع عبدُ ربِّه بن سعيد وبُكَيْرٌ بن الأَشَجِّ فجمعا بين الحديثين مثل رواية سالم وعِكرمة بن خالد فإنَّهما رويا الحديثين جميعًا عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو عمر اتَّفق نافع وسالم عن ابن عمر رضي الله عنهما في رفع قصَّة النخل. وأمَّا قصَّة العبد فرفعها سالم ووقفها نافع على عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.
وقال البيهقي ونافع يروي حديث النَّخل عن ابن عمر، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وحديث العبد عن ابن عمر، عن عمر رضي الله عنهما موقوفًا.
قال الحافظ العسقلاني وحديث (( الحرث ) )لم يروه غيرُ ابنِ جُرَيْج، والرِّواية الموصولة له ذكرها مالك واللَّيث كما تراه في هذا الباب، وفي الباب الذي بعده [خ¦2205] . ووصل مالك واللَّيث وغيرهما عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قصَّة النَّخل دون غيرها. واختلف على نافع وسالم في رفع ما عدا النَّخل فرواه الزُّهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعًا في قصَّة النَّخل والعبد معًا.
وروى مالك واللَّيث وأيُّوب وعبيد الله بن عمر وغيرهم عن نافع،
ج 10 ص 346
عن ابن عمر قصَّة النَّخل، وعن ابن عمر، عن عمر رضي الله عنهما قصَّة العبد موقوفة. كذلك أخرجه أبو داود من طريق مالك بالإسنادين معًا. وجزم مسلم والنَّسائي والدَّارَقُطني بترجيح رواية نافع المفصَّلة على رواية سالم.
ومال علي بن المديني والبخاري وابن عبد البَرِّ إلى ترجيح رواية سالم. وروي عن نافع رفع القصَّتين، أخرجه النَّسائي من طريق عبد ربُّه بن سعيد وهو وهم.
ومطابقة هذا الأثر للتَّرجمة في قوله (( نخل بيعت قد أبِّرت ) )فإن قيل للتَّرجمة ثلاثة أجزاء
الأوَّل بيع النخلة المؤبَّرة. الثَّاني بيع الأرض المزروعة. والثَّالث الإجارة. فأين مطابقة الأثر لهذه الأجزاء؟
فالجواب أنَّ قوله (( نخل بيعت قد أبِّرت ) )، مطابق للجزء الأوَّل. وقوله (( والحرث ) )مطابق للجزء الثَّاني، فالزَّرع للبائع إذا باع الأرض المزروعة، ويفهم منه أنَّه إذا آجر أرضه وفيها زَرْع فالزَّرع له، وإن كانت الإجارة فاسدة عندنا في ظاهر الرِّواية.
وقال خواهر زاده إن كان الزَّرع قد أدرك جازت الإجارة ويؤمر الآجر بالحصاد والتَّسليم، فعلى كلِّ حال الزَّرع للمؤجِّر، وبهذا يطابق الجزء الثَّالث أيضًا.
ورجال إسناد الأثر ما بين رازي وهو إبراهيم، وصنعاني وهو هشام قاضيها، ومكِّي وهو ابن جُرَيْج وابنُ أبي مُلَيْكَة، ومدنيِّ وهو نافع. والأثر من أفراد البُخاري.
ثمَّ إنَّه قد أخذ بظاهر هذا الأثر، وبظاهر حديث ابن عمر رضي الله عنهما المرفوع الذي يأتي عقيب هذا الأثر إن شاء الله تعالى مالك والشَّافعي واللَّيث وأحمد وإسحاق، فقالوا من باع نخلًا أبِّرت ولم يشترط ثمرته للمبتاع فالثَّمرة للبائع وهي في النَّخل متروكة إلى الجَذَاذ، وعلى البائع السَّقي، وعلى المشتري تخليته وما يكفيه من الماء. وكذلك إذا باع الثَّمرة دون الأصل فعلى البائع التَّخلية، وعلى المشتري السقي.
وقال أبو حنيفة سواء أبَّر أو لم يؤبِّر هو للبائع وللمشتري أن يُطالبه بقلعها عن النَّخل في الحال، ولا يلزمه أن يصبرَ إلى الجذاذ، فإن اشترط البائع في البيع ترك الثَّمرة إلى الجذاذ فالبيعُ
ج 10 ص 347
فاسد. قال أبو حنيفة تعليقُ الحكم بالإبار إمَّا للتَّنبيه به على ما لم يؤبَّر أو لغير ذلك ولم يقصد به نفي الحكم عمَّا سوى ذلك.
وتلخيص مأخذ اختلافهم في الحديث أنَّ أبا حنيفة استعمل الحديث لفظًا ومعقولًا، واستعمله مالك والشَّافعي لفظًا ودلالة، ولكن الشَّافعي يستعمل دَلالته من غير تخصيص، ويستعملها مالك مخصَّصة. وبيان ذلك أنَّ أبا حنيفة جعل الثَّمرة للبائع في الحالين، وكأنَّه رأى أنَّ الإبار تنبيه على ما قبل الإبار، وهذا المعنى يسمَّى في الأصول معقول الخطاب، واستعمله مالك والشَّافعي على أنَّ المسكوت عنه حكمه حكم المنطوق. وهذا يسمِّيه أهل الأصول دليل الخطاب. وقول الثَّوري وأهل الظَّاهر وفقهاء أصحاب الحديث كقول الشَّافعي وقول الأوزاعي نحو قول أبي حنيفة.
وقال ابنُ أبي ليلى سواء أُبِّرَتْ أو لم تُؤَبَّر الثَّمرة للمُشتري اشترط أو لم يشترط. قال أبو عُمر إنَّه خالف الحديث وردَّه جهلًا به، ثم إنَّ المالكيَّة استدلَّت به على كون الثَّمرة مع الإطلاق للبائع بعد الإبار إلَّا أن يشترطَ، وأنَّها قبل الإبار للمشتري كأنَّهم يرون أن ذكر الإبار هنا لتعليق الحكم عليه ليدلَّ على أنَّ ما عداه بخلافه. وقال مالك إذا لم يشترط المشتري الثَّمرة في شراء الأصل جاز له شراءها بعد شراء الأصل، وهذا مشهور قوله، وعنه أنَّه لا يجوز له إفرادها بالشِّراء ما لم تطبْ، وهو قول الشَّافعي.
وقد استدلَّ به أشهب من المالكيَّة على جواز اشتراط بعض الثَّمر، وقال يجوزُ لمن ابتاع نخلًا قد أُبِّرَت أن يشترطَ من الثَّمرة نصفها أو جزءًا منها. وكذلك في مال العبد؛ لأنه ما جاز اشتراط جميعه جاز اشتراط بعضه، وما لم يدخل الرِّبا في جميعه فأحرى أن لا يدخل في بعضه.
وقال ابن القاسم لا يجوز لمبتاع النَّخل المؤبَّر أن يشترط منها جزءًا، وإنَّما له أن يشترطَ جميعها أو لا يشترط شيئًا منها. وقد استدلَّ بهذا الأثر أصحابنا الحنفيَّة أنَّ من باع رقيقًا وله مال أنَّ ماله لا يدخل في البيع ويكون للبائع إلَّا أن يشترطه المبتاع.
ج 10 ص 348
وقد استدلَّ به أيضًا على أنَّ المؤبَّر يخالف في الحكم غير المؤبَّر، وقالت الشَّافعية لو باع نخلة بعضها مؤبَّر وبعضها غير مؤبَّر فالجميع للبائع، فإن باع نخلتين كذلك بشرط اتِّحاد الصَّفقة، فإن أفرد فلكلٍّ حكمه. ويشترط كونهما في بستان واحدٍ، فإن تعدَّد فلكلٍّ حكمه.
ونصَّ أحمد على أنَّ الذي يُؤَبَّر للبائع والذي لا يُؤَبَّر للمشتري. وجعلتِ المالكيَّة الحكم للأغلب. واختلفت الشَّافعية فيما لو باع نخلة وبقيت ثمرتها له، ثمَّ خرج طلع آخر من تلك النَّخلة. فقال ابنُ أبي هريرة هو للمشتري؛ لأنَّه ليس للبائع إلَّا ما وجد دون ما لم يوجد. وقال الجمهورُ هو للبائع؛ لكونه من ثمره المؤبَّرة دون غيرها. هذا وروى ابنُ أبي القاسم عن مالك أنَّ من اشترى أرضًا مزروعة ولم يسنبل فالزَّرع للبائع إلا أن يشترط المشتري، وإن وقع البيع والبذر لم ينته فهو للمبتاع بغير شرط.
وروى ابن عبد الحكم عن مالك إن كان الزَّرع لُقِّحَ أكثرُه ولقاحه أن يتحبَّب ويسنبل حتَّى لو يبس حينئذٍ لم يكن فسادًا فهو للبائع إلَّا أن يشترطَ المشتري، وإن لم يُلَقَّح فهو للمبتاع، وإن وقع العقد على النَّخل أو على العبد خاصَّة، ثمَّ زاد شيئًا يلحق الثَّمرة والمال. قال ابنُ القاسم إن كان بحضرة البائع وتقريره جاز وإلَّا فلا. وقال أشهب يجوز في الثَّمرة، ولا يجوز في مال العبد.
واستدلَّ به الطَّحاوي أيضًا على جواز بيع الثَّمرة على رؤوس النَّخل قبل بدوِّ صلاحها وذلك لأنَّه صلى الله عليه وسلم جعل فيه ثمر النَّخل للبائع عند عدم اشتراط المشتري، فإذا اشترط المشتري ذلك يكون له، ويكون المشتري مشتريًا لها أيضًا.
واعترض البيهقيُّ عليه، فقال إنَّه يستدلُّ بالشَّيء في غير ما ورد فيه حتَّى إذا جاء ما ورد فيه استدلَّ بغيره عليه لذلك، فيستدلُّ لجواز بيع الثَّمرة قبل بدوِّ صلاحها بحديث التَّأبير، ولا يعمل بحديث التَّأبير، بل لا فرق عنده في البيع قبل التَّأبير وبعده، وأنَّ الثَّمرة في ذلك للمشتري سواء شرطها البائع لنفسه أو لم يشرطها.
وقال العينيُّ ذهلَ البيهقيُّ عن الدَّلالات الأربعة للنُّصوص، وهي عبارة
ج 10 ص 349
النصِّ، وإشارته ودَلالته واقتضاؤه، وبهذه يكون الاستدلال بالنُّصوص، والطَّحاوي ما ترك العمل بالحديث، غاية ما في الباب أنَّه استدلَّ على ما ذهب إليه بإشارة النَّصِّ، والخصم استدلَّ بعبارته وهما سواء في إيجاب الحكم، ولم يوافق الخصم في العمل بعبارته؛ لأنَّ عبارته تعليق الحكم بالإبار للتَّنبيه على ما لم يؤبِّر أو لغير ذلك. انتهى.