200 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابن مسرهد (قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيد لا حماد بن سَلَمة؛ لأنه لم يسمع منه مسدد، وقد تقدَّم حماد ذلك في باب المعاصي من أمر الجاهلية [خ¦31] .
(عَنْ ثَابِتٍ) البُناني بضم الموحدة وبالنونين، وقد مر في باب القراءة والعرض [خ¦63] (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالك رضي الله عنه، ورجالُ هذا الإسناد كلُّهم بصريون، وكلهم أئمة أجلاء، وقد أخرج متنه مسلم أيضًا في فضائل النبي صلى الله عليه وسلم.
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا بِإِنَاءٍ فَأُتِيَ) بضم الهمزة (بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ) بفتح الراء وبالحائين المهملتين؛ أي مُتَّسِع الفم، ويقال رَحْرَح أيضًا بحذف الألف، وقال الخطابي الرَّحْراح الإناء الواسع الصحن القريب القعر، ومثله لا يسع الماء الكثير فهو أدل على المعجزة.
(فِيهِ شَيْءٌ) قليل (مِنْ مَاءٍ) وروى ابن خزيمة هذا الحديث عن أحمد بن عَبْدَة، عن حمَّاد بن زيد فقال بدل بزاي مضمومة وجيمين، وبوَّب عليه الوضوء من آنية الزُّجاج، لكن تفرَّد بهذه اللفظة أحمد بن عبدة، وخالفه أصحاب حماد بن زيد فقالوا رحراح، وصرَّحَ جمع من الحُذَّاق بأن أحمد بن عَبْدة صَحَّفَها، ويقوي ذلك أنَّه أتى في روايته بقوله أحسبه قال زجاج، فدلَّ على أنه لم يُتقنه.
نعم، في (( مسند أحمد ) )من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن المُقَوقِس أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم قدحًا من زجاج، لكن في إسناده مقال، فإن ثبتت روايته؛ يكون ذَكَرَ الجنس، والجماعةُ وصفوا الهيئة.
(فَوَضَعَ) أي النبي صلى الله عليه وسلم (أَصَابِعَهُ فِيهِ) أي في ذلك الماء أو القدح (قَالَ أَنَسٌ)
ج 2 ص 223
رضي الله عنه (فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ) حال كونه (يَنْبُعُ) بتثليث الموحدة (مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ) صلى الله عليه وسلم (قَالَ أَنَسٌ) رضي الله عنه (فَحَزَرْتُ) من الحزر بتقديم الزاي على الراء وهو الخرص والتقدير (مَنْ تَوَضَّأَ) في محل النصب على المفعولية؛ أي قدرت من توضأ من ذلك الماء (مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ) وهو حال من المفعول، وقد تقدَّم في رواية حُمَيد أنهم كانوا ثمانين وزيادة، والجمع بينهما أن أنسًا رضي الله عنه لم يكن يضبط العِدَّة، بل كان يتحقق أنها تُنيف على السبعين، ويشك هل بلغت العقد الثامن أو تجاوزته، فربما جزم بالمجاوزة حيث يغلب ذلك على ظنه، وفي حديث جابر (( كنا خمس عشرة مئة ) )، ولغيره (( زهاء ثلاثمائة ) ).
فهذه قضايا متعددة في أماكن مختلفة وأحوال متغايرة، ويستفاد من ذلك بلاغة معجزته صلى الله عليه وسلم، وهو أبلغ من تفجير الماء من الحجر لموسى عليه السلام؛ لأن في طبع الحجارة أن يخرج منها الماء الغدق الكثير، وليس ذلك في طباع أعضاء بني آدم، ومطابقة الحديث للترجمة مع أنه ليس فيه ذكر التَّور من حيث إنَّ التور هو الإناء الذي يشرب منه، على ما قاله الجوهري، وهو صادق على القَدَحِ الرَّحْرَاح.