2217 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحَكَم بنُ نَافع الحِمصي، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة الحِمصي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بالزاي والنون، عبد الله بن ذَكْوَان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ) أي الخليل (عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِسَارَةَ) أي سافر بها، وسارة _ بتخفيف الراء _ بنت تُوبِيل بن نَاحُور، وقيل بنت هَارَان بن نَاحُور، وقيل بنت هَارَان بن تَارِخ، وهي بنت أخيه على هذا وأخت لُوْطَ عليه السَّلام، قاله القَتْبِيُّ في «المعارف» ، والنَقَّاشُ في «التفسير» قال وذلك أنَّ نكاح بنت الأخ كان حلالًا إذ ذاك. ثمَّ إنَّ النَقَّاشَ نقض هذا القول فقال في تفسير قوله عزَّ وجلَّ {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى 13] أنَّ هذا يدلُّ على تحريم بنت الأخ على لسان نوح عليه السَّلام.
قال السُّهَيْلِيُّ هذا هو الحق، وإنَّما تَوَهَّموا أنَّها بنت أخيه؛ لأن هَارَان الذي هو أخوه هو هَارَان الأصغر، وكانت هي بنت هَارَان الأكبر وهو عمُّه.
(فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً) القرية من قَرَيْتُ الماء في الحوض؛ أي جمعتُه، سمِّيت بذلك لاجتماع النَّاس فيها ويجمع على قُرَىً، وقال الدَّاودِيُّ القرية تقعُ على المدن الصِّغار والكبار، وقال ابنُ قُتَيْبةً القرية المذكورة الأردن (فِيهَا مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ، أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبابرَةِ) شكٌّ من الرَّاوي، والجبَّار يطلقُ على ملك عَاتٍ ظالم، وذلك الملِك صَارُوقُ، قاله ابن قتيبة. وقيل كانت هاجر لملك من ملوك القِبْط، وزعم الطَّبري أنَّ الملِك الذي أراد سارة اسمه سِنَانُ بن عُلْوَان، أخو الضَّحَّاكِ.
وقال ابنُ هِشام في كتاب «التِّيجان» إنَّ إبراهيم عليه السَّلام خرج من مدين إلى مصر، وكان معه من المؤمنين ثلاثمائة وعشرون رجلًا، وبمصر عمرو بن امرئ القَيْسِ بن نَابِلْيُون بن سَبَأَ ملِكًا.
(فَقِيلَ) لذلك الملِك (دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ هِيَ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ) وقال ابنُ هشام وشى به حنَّاط [1] كان إبراهيم يمتار منه، فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه، ثمَّ نحَى إبراهيم وقام إلى سارة،
ج 10 ص 385
فلمَّا صار إبراهيم عليه السَّلام خارج القصر جعله الله له كالقارورة الصَّافية، فرأى الملك وسارة وسمع كلامهما فَهَمَّ عَمرُو بسارةَ ومدَّ يده إليها فيبستْ، فمدَّ الأخرى فكذلك، فلمَّا رأى ذلك كفَّ عنها.
وقال ابنُ هشام وكان الحنَّاط أخبرَ الملك بأنَّه رآها تطحنُ فقال الملك يا إبراهيمُ ما ينبغي لهذه أن تخدمَ نفسها فأمر لها بهاجر.
(فَأَرْسَلَ) أي الملك (إِلَيْهِ) أي إلى إبراهيم عليه السَّلام (أَنْ) تفسيريَّةٌ؛ لوقوعها بعد معنى القول (يَا إِبْرَاهِيمُ مَنْ هَذِهِ الَّتِي مَعَكَ؟ قَالَ أُخْتِي) يعني في الدِّين، ويمكن أن يقال أنَّه أراد أنها واحدة منهم. قال في «الكشَّاف» في قوله تعالى {يَا أُخْتَ هَارُونَ} [مريم 28] وإنَّما يقال يا أخت هارون كما يقال يا أخا همدان؛ أي يا واحدًا منهم.
وقال ابن الجوزي في هذا الحديث إشكال ما زال يختلج في صدري، وهو أن يقال ما معنى توريته عليه السَّلام عن الزَّوجة بالأخت، ومعلوم أنَّ ذكرها بالزوجيَّة كان أسلمَ لها؛ لأنه إذا قال هذه أختي قال زوِّجني بها، وإذا قال امرأتي، سكت إن كان الملك يعمل بالشَّرع، فأمَّا إذا كان كما وصف من جوره لا يبالي بما إذا كانت زوجة أو أختًا؛ إلى أن وقع [2] لي أنَّ القوم كانوا على دين المجوس، وفي دينهم أنَّ الأخت إذا كانت زوجة كان أخوها الذي هو زوجها أحقُّ بها من غيره، فكأنَّ الخليل عليه السَّلام أراد أن يستعصم من الجبَّار بذكر الشَّرع الذي يستعمله، فإذا هو جبَّار لا يراعي جانب دينه.
قال واعْتُرِضَ على هذا بأن الذي جاء بمذهب المجوس زرادشت وهو متأخِّر عن هذا الزَّمن.
فالجواب أنَّ لمذهب القوم أصلًا قديمًا ادَّعاه زرادشت وزاد عليه خرافات أُخَرَ، وقد كان نكاح الأخوات جائزًا من زمن آدم عليه السَّلام، ويقال كانت حرمته على لسان موسى عليه السَّلام قال ويدلُّ على أنَّ دين المجوس له أصل ما رواه أبو داود أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر. ومعلوم أنَّ الجزية لا تؤخذ إلَّا ممَّن له كتاب أو شبهة كتاب.
قال ثمَّ سألت عن هذا بعض علماء أهل الكتاب فقال كان من مذهب القوم أنَّ من له زوجة لا يجوز أن تتزوَّج إلَّا أن يهلك زوجها، فلمَّا علم إبراهيم عليه السَّلام هذا قال هي أختي كأنَّه قال إن كان الملك عادلًا فخطبها منِّي أمكنني دفعه، وإن كان ظالمًا
ج 10 ص 386
تخلَّصت من القتل.
وقيل إنَّ النُّفوس تأبى أن يتزوَّج الإنسان بامرأة وزوجها موجود، فعدل عليه السَّلام عن قوله زوجتي؛ لأنَّه يؤدِّي إلى قتلهِ أو طرده عنها أو تكليفهِ لفراقها.
وقال القرطبيُّ قيل إنَّ من سيرة هذا الجبار أنَّه لا يغلب الأخ على أختهِ ولا يظلمه فيها، وكان يغلب الزَّوج على زوجته، والله أعلم.
(ثُمَّ رَجَعَ) عليه السَّلام (إِلَيْهَا) أي إلى سارة (فَقَالَ لاَ تُكَذِّبِي حَدِيثِي، فَإِنِّي أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتِي، وَاللَّهِ إِنْ عَلَى الأَرْضِ) كلمة إنْ _ بكسر الهمزة وسكون النون _ للنَّفي؛ أي ما على وجه الأرض (مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ) ويروى بكلمة مَنْ الموصولة (فَأَرْسَلَ) عليه السَّلام (بِهَا) أي بسارة (إِلَيْهِ) أي إلى الملك (فَقَامَ) الملك (إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ) برفع الهمزة في محلِّ النصب على الحال (وَتُصَلِّي) عطف على توضأ (فَقَالَتِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلاَّ عَلَى زَوْجِي فَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ) قيل شرط مدخول كلمة إنْ أن يكون مشكوكًا فيه، وذلك مقطوعٌ به عندها. وأُجيب بأنَّها كانت قاطعة بذلك، لكنَّها ذكرته على سبيل الغرضِ هاهنا هضمًا لنفسها.
(فَغُطَّ) قال ابن التِّين ضُبِطَ في بعض الأصول بفتح الغين المعجمة، والصَّواب بالضم، كما في بعض الأصول وهو _ بالغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة _ بمعنى أخذ بمجاري نفسه حتَّى سمعَ له غطيط، يقال غَطَّ المخنوق، إذا سُمِعَ غَطِيْطُهُ.
(حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ) أي حرَّكها وضربها على الأرضِ.
- (قَالَ الأَعْرَجُ) هو عبدُ الرَّحمن بن هُرْمُز المذكور في السَّند (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَتِ اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ هِيَ قَتَلَتْهُ) ويروى وهو الظَّاهر لوجوب الجزم فيه، ووجه رواية يقال إمَّا أن الألف حصلتْ من إشباع الفتحة، وإمَّا أنَّه كقوله تعالى {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ} [النساء 78] على قراءة الرفع.
قال الزَّمخشري هو بتقدير الفاء، ويجوز أن يقال حُمِلَ {أَيْنَمَا تَكُونُوا} على أينما كنتُم، إذ هو موقع له أيضًا،
ج 10 ص 387
وهذا كما حُمِلَ قولُه ولا ناعب، على ما يقع موقع مُصلحين، وهو بمصلحين بالباء الجارة في قول الشَّاعر
~مَشَائِيمُ ليْسُوا مُصْلِحينَ عَشْيرةً ولَا نَاعِبٍ إلَّا بِبَيْنٍ غُرَابُهَا
قال وهو قولُ نَحْوِيٍّ سيبويٍّ.
أقول ومن هذا القبيل قوله تعالى {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ} [المنافقون 10] على قراءة الجزم في أكن. ومنه أيضًا قول الشَّاعر
~بَدَا ليَ أَنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ مَا مَضَى ولَا سَابِقٍ شَيْئًا إِذَا كَانَ جَائِيًا
فالتَّقدير هاهنا إن يمتْ فيقال، فافهم.
(فَأُرْسِلَ) أي الملك سارة (ثُمَّ قَامَ) الملك (إِلَيْهَا) أي إلى سارة (فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي وَتَقُولُ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلاَّ عَلَى زَوْجِي، فَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيَّ هَذَا الْكَافِرَ، فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابنُ هُرمز الأعرج (قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) هو ابن عبد الرَّحمن (قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَتِ اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ فَيُقَالُ) وفي رواية بدون الفاء (هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ) أي الملك سارة (فِي) المرَّة (الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ) شكٌّ من الرَّاوي؛ أي أو أرسلها في المرَّة الثَّالثة.
(فَقَالَ وَاللَّهِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلاَّ شَيْطَانًا) أي متمرِّدًا من الجنِّ وكانوا يهابون الجنَّ ويعظِّمون أمرهم، ويقال إنَّ سبب قوله ذلك أنَّه جاء في بعض الرِّوايات (( لمَّا قبضت يده عنها قال لها ادعي لي ) )فقال ذلك لئلا يتحدَّث بما ظهر من كراماتها، فتعظم في نفوس النَّاس، وتتبع فلبَّس الأمر على السَّامع بذكر الشَّيطان.
(إرْجِعُوهَا) بكسر الهمزة؛ أي ردُّوها (إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَعْطُوهَا آجَرَ) أي أعطوا سارة آجَر _ بهمزة ممدودة وجيم مفتوحة وفي آخره راء _ واستعملوا الهاء موضع الهمزة فقالوا هَاجَر، وكانت من حَفْن من كُورة أنْصِنا، وحَفْن _ بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء وفي آخره نون _ اسم لقرية من صَعِيْدِ مصر، قاله ابن الأَثِيْرِ. وأَنْصِنا _ بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الصاد المهملة ثم نون ثانية وألف مقصورة _ هي بلدة بالصَّعِيد الأوسط على شطِّ النيل من البَرِّ الشَّرقي في قبالة الأشمونين
ج 10 ص 388
من البَرِّ الآخر، وبها آثار عظيمة ومزدرع كثيرٌ.
وقال اليَعْقُوبِيُّ هي مدينةٌ قديمةٌ، يقال إنَّ سَحَرة فرعون كانوا فيها.
(فَرَجَعَتْ) سارة (إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَقَالَتْ أَشَعَرْتَ) أي أعلمتَ تخاطب إبراهيم عليه السَّلام (أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ) أي ردَّه خاسئًا خائبًا، وقيل أغاظه؛ لأنَ الكبت شدَّة الغيظِ، وقيل صَرَعه، وقيل أذلَّه، وقيل أخزاهُ، والكلُّ متقاربُ المعنى، وقيل أصله كَبِدَ؛ أي بلغ الهمُ كَبِدَهُ فأبدل من الدال تاء (وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً) أي أعطى أمةً تخدم. والوليدة تطلق على الجارية وإن كانت كبيرة، وفي الأصل الوليد الطِّفل، والأنثى وليدة، والجمع ولائد.
وفي الحديث إباحة المعاريض لقوله عليه السَّلام (( إنَّها أختي ) )وإنَّ في المعاريض لمندوحةٌ عن الكذب. وفيه أنَّ أُخُوَّةَ الإسلام أُخُوَّةٌ يجب أن يتسمَّى بها. وفيه الرُّخصة في الانقياد للظَّالم والغاصب. وفيه قبول صلة السُّلطان الظَّالم، وقبول هديَّة المشرك. وفيه إجابة الدُّعاء بإخلاص النيَّة، وكفاية الرَّب جلَّ جلاله لمن أخلصها بما يكون من الآفات. وفيه ابتلاء الصَّالحين لرفع درجاتهم. وفيه أنَّ من قال لزوجته أختي ولم ينو شيئًا لا يكون طلاقًا، وكذا لو قال مثل أختي لا يكون ظهارًا.
وفيه أخذُ الحذر مع الإيمان بالقدر. وفيه مستندٌ لمن يقول إنَّ طلاق المُكْرَه لا يقعُ وليس بشيءٍ. وفيه جوازُ الحِيَل للتخلُّص من الظَّلمة، بل إذا علم أنَّه لا يتخلَّص إلا بالكذب جاز له الكذب الصراح، وقد يجب في بعض الصُّور بالاتفاق ككونه ينجي نبيًّا أو وليًّا ممَّن يريد قتله، أو لنجاة المسلمين من عدوهم. وقال الفقهاء لو طلب ظالم وديعة لإنسان؛ ليأخذها غصبًا وجب عليه الإنكار والكذب في أنَّه لا يعلم موضعها.
وأمَّا موضع التَّرجمة منه فقوله (( أعطوها آجر ) )، وقبول سارة منه، وإمضاء إبراهيم عليه السَّلام ذلك، فهذه هبة من الكافر إلى المسلم، فدلَّ ذلك على جواز تصرُّف الكافر في ملكه.
والحديث أخرجه المؤلِّف في (( الهبة ) ) [خ¦2635] ، و (( الإكراه ) )أيضًا [خ¦6950] .
[1] في هامش الأصل قوله حنَّاط _ بتشديد النون _ من ينسب إلى بيع الحنطة. منه.
[2] في هامش الأصل قوله إلى أن وقع غاية لقوله ما زال يختلج في صدري. منه.