فهرس الكتاب

الصفحة 3517 من 11127

2258 - (حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير بن فرقد، أبو السَّكن الحنظليُّ البلخيُّ، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبدُ الملك بن عبد العزيز بن جريج، قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ ابْنُ مَيْسَرَةَ) ضد الميمنة، وقد مرَّ في باب (( الدهن للجمعة ) ) [خ¦885] (عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ) وفي رواية سفيان الآتية في (( ترك الحيل ) ) [خ¦6977] (( عن إبراهيم بن ميسرة سمعت عمرو بن الشَّريد ) )بفتح المعجمة على وزن طويل هو أبو الوليد حجازيُّ تابعيٌّ ثقةٌ.

وقال الحافظ العسقلانيُّ هو من أوساط التَّابعين، ووهم من ذكره من الصَّحابة، وأبوه الشَّريد بن سويد الثَّقفيُّ صحابيٌّ شهد الحديبية، وعَمرو هذا ما له في البخاريِّ سوى هذا الحديث، وقد أخرج التِّرمذي هذا الحديث من وجهٍ آخر عنه عن أبيه ولم يذكر القصَّة، فيحتملُ أن يكون سمعه من أبيه ومن أبي رافعٍ رضي الله عنهما.

(قَالَ وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) رضي الله عنه (فَجَاءَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم وسكون السين المهملة، ومَخرمة _ بفتح الميم والراء بينهما خاء معجمة ساكنة _ ومخرمة من مسلمة الفتح ومن المؤلَّفة قلوبهم، وشهد حنينًا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن عمِّ سعيد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه، وقد تقدَّم في آخر كتاب (( الوضوء ) ) [خ¦183] (فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيَّ) ذكره ابن التِّين هكذا بلفظ إحدى

ج 10 ص 469

وأنكره بعضهم وقال المنكب مذكر، وبخطِّ الحافظ الدِّمياطيِّ (( أحد منكبي ) ).

(إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ) اسمه أسلم بلفظ أفعل التَّفضيل القبطيُّ (مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كان للعبَّاس رضي الله عنه فوهبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا بشَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلام العبَّاس رضي الله عنه أعتقه، مات في أول خلافة عليٍّ رضي الله عنه، وكلمة إذ للمفاجأة مضافة إلى الجملة.

(فَقَالَ يَا سَعْدُ ابْتَعْ مِنِّي) أي اشتر منِّي (بَيْتَيَّ) بصيغة التثنية؛ أي الكائنتين (فِي دَارِكَ) قال الكرمانيُّ بيتي بلفظ المفرد والتثنية، ولهذا جاء الضَّمائر التي بعده مثنى ومفردًا ومؤنثًا بتأويل البيت بالبقعة، هذا وفيه نظرٌ، فافهم.

(فَقالَ سَعْدٌ وَاللَّهِ مَا أَبْتاعُهُمَا، فَقَالَ المِسْوَرُ وَاللَّهِ لَتَبْتاعَنّهُمَا) بنون التَّأكيد مخفَّفة أو مثقَّلة (فَقَالَ سَعْدٌ واللهِ لاَ أزِيدُكَ عَلَى أرْبَعَةِ آلافِ مُنَجَّمَةٍ) أي موظَّفة ومقطعة، والنَّجم الوقت المضروب، وقوله (أَوْ مُقَطَّعَةٍ) شكُّ من الرَّاوي، والمراد مؤجلة تُعْطَى شيئًا فشيئًا، وقوله أربعة آلاف؛ أي درهم، وفي رواية الثَّوري في ترك الحيل (( أربعمائة مثقالٍ ) ) [خ¦6977] ، وهذا يدلُّ على أنَّ المثقال إذ ذاك عشرة دراهم.

(قَالَ أَبُو رَافِعٍ لَقَدْ أُعْطِيتُ) على البناء للمفعول (بِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَوْلاَ أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ) بفتح المهملة والقاف بعدها باء موحدة، ويُرْوَى بالصاد أيضًا ويجوز فتح القاف وإسكانها، القرب والملاصقة، ووقع في حديث جابرٍ رضي الله عنه عند التِّرمذي (( الجار أحقُّ بسقبه يُنتظر به إذا كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا ) ).

(مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلاَفٍ) أي درهمٍ (وَ) الحال (أَنَا أُعْطَى بِهَا) على البناء للمفعول (خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ. فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ) قال ابن بطَّال استدلَّ به أبو حنيفة وأصحابه على إثبات الشُّفعة

ج 10 ص 470

للجار، وأوَّله الخصم على أنَّ المراد به الشَّريك بناء على أنَّ أبا رافع كان شريك سعد في البيتين، ولذلك دعاه إلى الشِّراء منه. ورُدَّ هذا بأنَّ ظاهر الحديث أنَّ أبا رفع كان يملك بيتين من جملة دار سعد لا شقصًا شائعًا من دار سعد رضي الله عنه.

وذكر عمر بن شبَّة أنَّ سعدًا رضي الله عنه كان اتَّخذ دارين بالبلاط متقابلين بينهما عشرة أذرع، وكانت التي عن يمين المسجد منهما لأبي رافع فاشتراها سعد منه، ثمَّ ساق حديث الباب فاقتضى كلامه أنَّ سعدًا رضي الله عنه كان جارًا لأبي رافع رضي الله عنه قبل أن يشتري منه داره لا شريكًا.

وقال ابن بطَّال أيضًا الجار لمَّا احتمل معاني كثيرة منها أنَّ كلَّ من قارب بدنه بدن صاحبه قيل له جار في (( لسان العرب ) ). ومنها أنَّه يقال لامرأة الرَّجل جارته؛ لما بينهما من الاختلاط بالزَّوجية. ومنها أنَّه يسمَّى الشَّريك جارًا لما بينهما من الاختلاط بالشركة وغير ذلك من المعاني، فإذا كان كذلك يكون لفظ الجار في الحديث مجملًا، وقوله صلى الله عليه وسلم (( فإذا وقعت الحدود فلا شفعة ) )كان مفسرًا فالعمل به أولى من العمل بالمجمل.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ دعوى الإجمال هنا دعوًى فاسدةٌ؛ لعدم الدَّليل على ذلك، وفي «مصنف عبد الرزاق» أخبرنا مَعمر عن أيوب عن ابن سيرين عن شريح الخليط أحق ُّمن الجار، والجار أحقُّ من غيره.

وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن إبراهيم النَّخعيِّ الشَّريك أحقُّ بالشَّفعة، فإن لم يكن شريكٌ فالجار، وهذا ينادي بأعلى صوته أنَّ الشَّريك غير الجار، وأنَّ المراد بالجار هو صاحب الدَّار الملاصقة بدار غيره.

وفي الحديث ثبوت الشُّفعة مطلقًا سواء كان الذي له الشُّفعة حاضرًا أو غائبًا، وسواء كان بدويًّا أو قرويًّا مسلمًا أو ذميًّا، صغيرًا أو كبيرًا أو مجنونًا إذا أفاق.

وقال قومٌ من السَّلف لا شفعة لمن لم يسكن في المصر ولا للذِّمي، قاله الشَّعبيُّ والحارث العكليُّ والبتِّيُّ، وزاد الشَّعبيُّ ولا الغائب، وقال ابن أبي ليلى ولا شفعة لصغيرٍ. وقال الشَّعبيُّ لا تباع الشُّفعة ولا توهب ولا تعار هي لصاحبها الذي وقعت له.

وقال إبراهيم فيما نقله الأثرم لا تورث، وكذا روي عن ابن سيرين، وقال ابن حزم قال عبد الرَّزَّاق وهو قول الثَّوريِّ وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق والحسن بن حي وأبي سليمان. وقال مالكٌ والشَّافعي تورث، وقال العينيُّ

ج 10 ص 471

مذهب أبي حنيفة أنَّ الشُّفعة تبطل بموت الشَّفيع قبل الأخذ بعد الطَّلب أو قبله، فلا تورث عنه ولا تبطل بموت المشتري لوجود المستحقِّ، وفيه ما يدلُّ على مكارم الأخلاق؛ لأنَّ أبا رافع باع من سعد بأقلَّ ممَّا أعطاه غيره، فهو من باب الإحسان والكرم.

وإن اختلف الشَّفيع والمشتري في مقدار الثَّمن فالقول للمشتري؛ لأنَّه منكر ولا يتحالفان فإن برهنا فالبينة بينة الشَّفيع عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف البينة بينة المشتري، وعند الشَّافعي وأحمد تهاترتا والقول للمشتري وعنهما يقرع. وعند مالكٍ يحكم بالأعدل وإلَّا باليمين.

ورجال إسناد الحديث ما بين بلخيٍّ ومكِّيِّ وطائفيِّ، وأخرج متنه المؤلِّف في (( ترك الحيل ) ) [خ¦6977] وأخرجه أبو داود في (( البيوع ) )، وابن ماجه في (( الأحكام ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت