205 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) بفتح المهملة وسكون الموحدة هو لقب عبد الله بن عثمان العَتَكي الحافظ (قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك المروزي شيخ الإسلام، وقد تقدَّم ذكرهما في «الوحي» [خ¦6] (قَالَ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن المتقدم في باب «الخروج في طلب العلم» [خ¦78] (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير.
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرٍو) أي كما في رواية (عَنْ أَبِيهِ) عمرو وقد تقدم ذكرهم آنفًا [خ¦204] ، وقد أسقط بعض الرواة جعفرًا من هذا الإسناد، قال أبو حاتم الرازي وهو خطأ، ورجاله ما بين مروزي وشامي ومدني.
(قَالَ) أي إنَّه قال (رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ) بكسر العين؛ أي بعد مسح الناصية كما في رواية مسلم أو على بعضها أو على عمامته فقط مقتصرًا عليها (وَ) كذا رأيته يمسح على (خُفَّيْهِ)
ج 2 ص 235
أي في الوضوء لا في الغسل لما في حديث صفوان بن عَسَّال رضي الله عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين أو قال سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلا عن جنابة، ولكن من غائط أو بول أو نوم» ، ولأن الجنابة لا تتكرر عادة فلا حرج في الشرع، بخلاف الحَدَث؛ لأنه يتكرر وهذا مُجْمَعٌ عليه.
قال ابن بطال قال الأَصَيلي ذِكْرُ العِمامة في هذا الحديث من خطأ الأوزاعي؛ لأن شيبان رواه عن يحيى ولم يذكر العِمامة، وتابعه حرب وأبان فوجب تغليب الجماعة على الواحد، وقال محمود العيني على تقدير تفرد الأوزاعي بذكر العِمامة لا يستلزم ذلك تخطئته؛ لأنه زيادة من ثقة غير منافية لرواية غيره فتُقْبَل، ثمَّ إن المسح على الخفين قد مر الكلام فيه مستوفى.
وأما المسح على العِمامة فقد اختلف العلماء فيه، فذهب الإمام أحمد إلى جواز الاقتصار على العِمامة بشرط الاعتمام بعد كمال الطهارة ومشقة نزعها بأن تكون محنَّكة كعمائم العرب؛ لأنه عضو يسقط فرضه في التيمم فجاز المسح على حائله كالقدمين، وبشرط أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفها كمقدم الرأس والأذنين، وقد وافق أحمد على ذلك عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة ومكحول والأوزاعي وأبو ثور والثوري وابن خزيمة.
وقال ابن المنذر وقد ثبت عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( إن يُطِع الناسُ أبا بكر وعمر يرشدوا ) )، وقد روي عن أنس وأبي أُمامة وسعد بن مالك وأبي الدرداء رضي الله عنهم أيضًا، وقال عروة والنخعي والشعبي وأبو القاسم ومالك وأبو حنيفة والشافعي وغيرهم رحمهم الله لا يجوز المسح عليها احتجاجًا بقوله تعالى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة 6] ومن مسح على العِمامة لا يقال له مسح على رأسه، وأجمعوا على أنه لا يجوز مسح الوجه في التيمم على حائل دونه فكذلك الرأس.
وقال الخطابي فَرَضَ الله مسح الرأس، والحديث في مسح العمامة محتمل لتأويل، فلا يترك المتيقن للمحتمل قال وقياسه على مسح الخف بعيدٌ؛ لأنه يَشُقُ نَزْعُه، بخلافها. انتهى.
وتُعُقِّبَ بأن الآية لا تنفي ذلك، ولا سيما عند من يُجوِّز الجمع بين الحقيقة والمجاز، فإنَّ من قال قبَّلت رأس فلان يَصْدُق ولو كان على حائل، وبأن الذين جوَّزوا الاقتصار على مسح العِمامة شرطوا فيه المشقة في نزعها. هذا، ثمَّ إنه يُستحب أن يمسح على ما ظهر من الرأس
ج 2 ص 236
مع المسح على العِمامة كما نص عليه أحمد، ولا يجوز المسح على القلنسوة.
قال ابن المنذر لا نعلم أحدًا قال بالمسح على القلنسوة إلا أنسًا مسح على قلنسوته، وفي جواز المسح للمرأة على الخمار روايتان الجواز وعدم الجواز، وقال بالثاني نافع وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، ولا يجوز المسح على الوقاية قولًا واحدًا ولم يُعْلم فيه خلاف؛ لأنه لا يشق نزعها.
وَتَابَعَهُ بالواو، وفي رواية بإسقاطها؛ أي تابع الأوزاعي في رواية المتن لا في الإسناد، ولهذا ساق الإسناد ثانيًا ليبين أنه ليس في رواية مَعْمَر ذِكْرُ جعفر، وقال (مَعْمَرٌ) أي ابن راشد (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف (عَنْ عَمْرٍو قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) معناه رأيته كما في رواية أبي ذر، وزاد الكُشْمِيهني ، وهذه المتابعة رواها عبد الرزاق في (( مصنفه ) )عن معمر بدون ذكر العِمامة، لكن أخرجها ابن منده في كتاب الطهارة له من طريق معمر بإثباتها، وفيها إرسال؛ لأن أبا سلمة لم يسمع من عمرو، وإنما سمع من ابنه جعفر. وما قاله الحافظ العسقلاني من أن سماع أبي سلمة من عمرو ممكن فإنه مات بالمدينة سنة ستين، وأبو سلمة مدني ولم يوصف بتدليس، وقد سمع من خلق ماتوا قبل عمرو، وقد روى بُكَيْر بن الأشَجّ، عن أبي سلمة أنه أرسل جعفر بن عمرو بن أمية إلى أبيه ليسأله عن هذا الحديث فرجع إليه فأخبره به، فلا مانع أن يكون أبو سلمة اجتمع بعمرو بعدُ فسمعه منه، ويؤيده توفر دواعيهم على الاجتماع في المسجد النبوي، فهذا مجرد احتمال، ولا يثبت ذلك بالاحتمال، فافهم.