207 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنِّيسي (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدوي المدني التابعي، مولى عمر رضي الله عنه (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) التابعي (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، وقد تقدَّم ذكر رجال هذا الإسناد [خ¦29] ، وقد أخرج متنه مسلم، وأبو داود في الطهارة أيضًا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ) أي لحمه، وللبخاري في الأطعمة [خ¦5404] (( تعرق أي أكل ما على العَرْق ) )_ بفتح المهملة وسكون الراء _ وهو العظم، ويقال له العُراق _ بالضم _ أيضًا، وفي لفظ (( انتشل عرقًا من قدر ) )، وعند مسلم (( أنه أكل عرقًا أو لحمًا ) ).
وفي (( مسند أحمد ) ) (( انتهش من كتف ) )، وعند ابن ماجه (( ثمَّ مسح يده بمسح كان تحته ) )، وفي المصنف أيضًا (( أكل من عظم أو تعرق من ضلع ) )، وفي (( سنن أبي داود ) ) (( فرأيته يسيل على لحيته أمشاج من دم وماء ) ).
وأفاد القاضي إسماعيل أن ذلك كان في بيت ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، وهي بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أنه كان في بيت ميمونة، كما سيأتي من حديثها، وهي خالة ابن عباس رضي الله عنهما، كما أن ضباعة بنت عمه.
(ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) وفي الحديث أن أكل ما مسَّته النار لا يوجب الوضوء، وهو قول الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأهل الشام، وأهل الكوفة، والحسن بن حيِّ، والليث بن سعد، وأبي عبيد، وداود بن علي، وابن جرير الطبري إلا أن أحمد يرى الوضوء من لحم الجزور فقط، وقال ابن المنذر وكان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وأبيِّ بن كعب، وأبو الدرداء لا يرون الوضوء مما مسته النار.
وقال الحسن البصري، والزهري، وأبو قلابة، وأبو مِجْلز، وعمر بن عبد العزيز يجب الوضوء مما غيرت النار، وهو قول زيد بن ثابت، وأبي طلحة، وأبي موسى، وأبي هريرة، وأنس، وعائشة أم المؤمنين، وأم حبيبة أم المؤمنين، وأبي أيوب رضي الله عنهم أجمعين، واحتجوا بأحاديث كثيرة منها حديث أبي طلحة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أنه أكل ثَوْرَ أَقْطٍ فتوضأ
ج 2 ص 241
منه )) الثور القطعة، رواه الطحاوي بإسناد صحيح، والطبراني في (( الكبير ) ).
ومنها حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( توضؤوا مما غيرت النار ) )رواه الطحاوي، والنسائي، والطبراني في (( الكبير ) ).
ومنها حديث أم حبيبة قالت إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( توضؤوا مما مست النار ) )رواه الطحاوي بإسناد صحيح، وأحمد في (( مسنده ) )وأبو داود والنسائي.
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( توضؤوا مما غيَّرت النار ولو من ثور أقط ) )رواه الطحاوي بإسناد صحيح، والطبراني في (( الكبير ) )، وأحمد في (( مسنده ) )، وأخرجه الترمذي أيضًا.
ومنها حديث سهل بن الحنظلية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من أكل لحمًا فليتوضأ ) )رواه الطحاوي بإسناد حسن، واحتجَّت الجماعة الأولى بأحاديث كثيرة
منها حديث ابن عباس، وحديث عمرو بن أمية وغيرهما، وأجابوا عن أحاديث الجماعة الثانية بحمل الوضوء على غسل اليد والمضمضة لا على وضوء الصلاة، وقد نهى أن يبيت وفي يده أو فمه دَسَم خوفًا من عقرب ونحوها، وبأنه منسوخ بما روي عن جابر رضي الله عنه قال «أنَّ آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ترك الوضوء مما مست النار» ، أخرجه الطحاوي وأبو داود والنسائي وابن حبان في (( صحيحه ) )وابن خزيمة وقد صححه.
لكن قال أبو داود وغيره إنَّ المراد بالأمر هنا الشأن والقصة لا مقابل النهي، وإنَّ هذا اللفظ مختصر من حديث جابر المشهور في قصة المرأة التي صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فأكل منها ثمَّ توضأ وصلى الظهر، ثمَّ أكل منها وصلى العصر ولم يتوضأ، فيحتمل أن تكون هذه القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء مما مست النار، وأن يكون وضوؤه لصلاة الظهر بسبب حَدَث لا بسبب الأكل من الشاة.
وقد حكى البيهقي عن عثمان الدارمي أنه قال لما اختلفت أحاديث الباب، ولم يتبين الراجح منها نظرنا إلى ما عَمِل به الخلفاء الراشدون بعد النبي صلى الله عليه وسلم فرجَّحنا به أحد الجانبين، وارتضى النووي هذا في (( شرح المهذب ) )حيث قال وأقرب ما يُستَرْوح إليه قولُ الخلفاء الراشدين وجماهير الصحابة رضي الله عنهم.
وقال مالك رحمه الله إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان مختلفان، وبلغنا أن الشيخين عملا بأحد الأمرين وتركا الآخر كان فيه دلالة على أن الحق فيما عملا به.
وقال الأوزاعي كان مكحول يتوضأ مما مست النار، فلقي عطاء فأخبره أن الصديق رضي الله عنه أكل كتفًا ثمَّ صلى ولم يتوضأ، فترك مكحول الوضوء فقيل له تركت الوضوء؟ فقال لأن يقع أبو بكر رضي الله عنه من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يخالف النبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا تظهر حكمة تصدير البخاري حديث الباب بالأثر المنقول عن الخلفاء الراشدين الثلاثة.
وقال النووي كان الخلاف فيه معروفًا بين الصحابة والتابعين، ثمَّ استقر الإجماع على أنه
ج 2 ص 242
لا وضوء مما مست النار إلا ما ذكر استثناؤه من لحوم الإبل عند الإمام أحمد نيًا كان أو مطبوخًا، وجمع الخطابي بوجه آخر، وهو أن أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب لا على الوجوب.
وقال المهلَّب كانوا في الجاهلية قد ألفوا قلة التنظف فأُمروا بالوضوء مما مسته النار، فلما تقررت النظافة في الإسلام وشاعت نُسِخَ الوضوء تيسيرًا على المسلمين.
وقال الطحاوي وحجة الجماعة الأولى من حيث النظر أن أكلها قبل مماسة النار لا ينقض الوضوء فكذا بعده كما في الماء المُسَخَّن؛ إذ حكمه بعد المماسة كحكمه قبلها.