فهرس الكتاب

الصفحة 3607 من 11127

2311 - (وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو عَمْرٍو) هكذا ذكره مُعلقًا ولم يصرِّح فيه بالتَّحديث، حتَّى زعم ابن العربيِّ أنَّه منقطعٌ، وكذا ذكره في «فضائل القرآن» [خ¦5010] وفي «صفة إبليس» [خ¦3275] ، وأخرجه النَّسائي موصولًا في «اليوم والليلة» عن إبراهيم بن يعقوب عن عثمان بن الهَيثم به.

ووصله الإسماعيليُّ أيضًا من حديث الحسن بن السَّكْن، وأبو نعيم من حديث هلال بن بِشر عنه، والتِّرمذي نحوه من حديث أبي أيُّوب رضي الله عنه، وقال حسنٌ غريب، وصحَّحه قوم وضعَّفه آخرون، وله من طريقٍ أخرى عند النَّسائي أخرجها من رواية أبي المتوكل النَّاجي عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعثمان هذا من مشايخ المؤلِّف وأفراده، وقد قال في «اللباس» [خ¦5930] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦6665] حدَّثنا عثمان بن الهَيثم أو محمَّد عنه.

وعثمان بن الهَيْثَم _ بفتح الهاء وسكون المثناة التحتية وفتح المثلثة وفي آخره ميم _ وكنيته أبو عمرو المؤذِّن البصريُّ، مات قريبًا من سنة عشرين ومائتين، وقد مرَّ في آخر «الحج» [خ¦1770] .

(حَدَّثَنَا عَوْفٌ) بالفاء، هو الأعرابيُّ، وقد مرَّ في «الإيمان» [خ¦47] (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ) والمراد به صدقة الفطر (فَأَتَانِي آتٍ) أصله آتي فأُعِلَّ إعلال قاضٍ (فَجَعَلَ يَحْثُو) بسكون الحاء المهملة بعدها ثاء مثلثة، قال الطِّيبي أي ينثر [الطعام] في وعائه.

(مِنَ الطَّعَامِ) يقال حَثَا يَحْثُو، وحَثَى يَحْثِي، قال ابن الأعرابيِّ وأعلى اللغتين حثى يحثي، وكلُّه بمعنى الغَرف، وفي رواية أبي المتوكِّل عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه كان على تمر الصَّدقة فوجد أثر كف كأنَّه قد أخذ منه،

ج 11 ص 33

ولابن الضريس من هذا الوجه (( فإذا التَّمر قد أخذ منه ملء كفٍّ ) ).

(فَأَخَذْتُهُ) زاد في رواية أبي المتوكل أنَّ أبا هريرة رضي الله عنه شكى ذلك إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم أولًا فقال له (( إن أردت أن تأخذه فقل سبحان من سخَّرك لمحمَّد ) )قال فقلتها فإذا أنا به قائمٌ به بين يديَّ فأخذته.

(وَقُلْتُ وَاللَّهِ لأَرْفَعَنَّكَ) أي لأذهبنَّ بك أشكوك (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ليحكم عليك بقطع اليد، يقال رفعه إلى الحاكم إذا أحضره للشَّكوى (قَالَ إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ) أي نفقة عيال، كما في قوله تعالى {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف 82] ، وقيل علي بمعنى لي.

وفي رواية أبي المتوكِّل فقال (( إنَّما أخذته لأهل بيت فقراء من الجنِّ ) )، وفي رواية الإسماعيليِّ (( ولا أعود ) ).

(وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ) وفي رواية الكُشميهني بالباء مكان اللام (فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ) قال الدَّاودي قيل للأسير أسير؛ لأنَّه كان يربط بسيرٍ، وهو الحبل، وهذا عادة العرب كانوا يربطون الأسير بالقِدِّ.

وقال ابن التِّين قول الدَّاودي إنَّ السَّير هو الحبل، لم يذكر غيره، وإنَّما السَّير هو الجلد، فلو كان مأخوذًا ممَّا ذكره؛ لكان مصغَّره سيير، ولم تكن الهمزة فاء.

وفي «الصحاح» أسره شدَّه بالإسار، وهو القِدُّ.

(قَالَ) أي أبو هريرة رضي الله عنه (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ) بتخفيف الذال المعجمة؛ أي في قوله إنَّه محتاج، وله عيال (وَسَيَعُودُ) أي إلى الأخذ (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ سَيَعُودُ فَرَصَدْتُهُ) أي فرقبته.

(فَجَاءَ) هكذا في الموضعين في رواية المُستَملي والكُشميهَني، وفي رواية غيرهما (يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ دَعْنِي) وفي رواية أبي المتوكِّل «خلِّ عنِّي» .

(فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ لاَ أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 11 ص 34

يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا آخِرُ ثَلاَثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لاَ تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ قَالَ دَعْنِي أُعَلِّمْكَ) وفي رواية أبي المتوكِّل (( خلِّ عنِّي أعلِّمك ) ) (كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا ) ) وفي رواية أبي المتوكِّل (( إذا قلتهنَّ لم يقربك ذكرٌ ولا أنثًى من الجنِّ ) ).

وفي رواية ابن الضُّرَيس من هذا الوجه (( لا يقربك من الجنِّ ذكرٌ ولا أنثًى، صغيرٌ ولا كبير ) ).

(قُلْتُ مَا هُن) أي تلك الكلمات، وفي رواية الكُشميهني أي ذلك الكلام أو النَّافع أو الشَّيء، وفي رواية وهو ظاهرٌ، وفي رواية أبي المتوكِّل (( قلت وما هؤلاء الكلمات ) ).

(قَالَ إِذَا أَوَيْتَ) من الثُّلاثي، يقال أوى إلى منزله، إذا أتى إليه وانضمَّ، وآويت غيري من المزيد (إِلَى فِرَاشِكَ) وفي رواية أبي المتوكِّل (( عند كلِّ صباحٍ ومساءٍ ) ) (فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ) أي اقرأها من أوَّلها إلى آخرها، وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه من الزِّيادة (( وخاتمة سورة البقرة {آَمَنَ الرَّسُولُ} إلى آخرها ) ).

ج 11 ص 35

(فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ) وفي رواية الكُشميهَني ووقع لهم عكس ذلك في «فضائل القرآن» [خ¦5010] ، والأوَّل هو الذي وقع في «صفة إبليس» [خ¦3275] ، وهو رواية النَّسائي والإسماعيليِّ (عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ) أي من جهة أمر الله وقدرته أو من بأس الله ونقمته، كقوله تعالى {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد 11] .

(حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَنَّكَ) بفتح الراء وضم الموحَّدة (شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَا هِيَ؟ قُلْتُ قَالَ لِي إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآيةَ {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} . وَقَالَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا) أي الصَّحابة رضي الله عنهم.

(أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ) أي أحرص النَّاس على تعلُّم الخير، قيل هذا مدرجٌ من كلام بعض رواته، ولكنَّ الظَّاهر أنَّه غير مدرجٍ لكن فيه التفاتٌ، إذ السِّياق يقتضي أن يقال وكنَّا أحرص شيءٍ على الخير، وعلى كلِّ حالٍ فهو مسوقٌ؛ للاعتذار عن تخلية سبيله بعد المرة الثَّالثة حرصًا على تعلُّم ما ينفع.

(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ) بتخفيف الدال (وَهُوَ كَذُوبٌ) هذا تتميم بلغ الغاية في الذَّم، وذلك في غاية الحسن؛ لأنَّه لمَّا أثبت له الصِّدق أوهم المدح، فاستدركه بصيغة تفيد المبالغة في كذبه، وفي حديث معاذ بن جبل (( صدق الخبيث وهو كذوبٌ ) ).

(تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْ ثَلاَثِ لَيَالٍ) وفي رواية الكُشميهَني (يَاأَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لاَ قَالَ ذَاكَ شَيْطَانٌ) كذا وقع هنا بدون الألف واللام في رواية الجميع؛ أي شيطان من الشَّياطين، ووقع في «فضائل القرآن» [خ¦5010] بالألف واللام، للعهد الذهني.

وفي الحديث أنَّ الشَّيطان قد يعلم ما ينتفع به المؤمن، وأنَّ الحكمة قد يتلقَّاها الفاجر فلا ينتفع بها وتُؤخَذُ عنه فيُنْتَفَعُ بها، وأنَّ الشَّخص قد يعلم الشَّيء ولا يعمل، وأنَّ الكافر قد يصدِّق بما يصدِّق المؤمن به، ولا يكون بذلك مؤمنًا.

ج 11 ص 36

وأنَّ الكذوب قد يصدق، وأنَّ الشَّيطان من شأنه أن يكذب، وأنَّه قد يتصوَّر ببعض الصُّور كما شخص الشَّيطان لأبي هريرة رضي الله عنه في صورة سارقٍ فتُمْكَنُ رؤيتُهُ، وقوله تعالى {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف 27] مخصوصٌ بما إذا كان على صورته التي خُلِقَ عليها.

وأنَّ مَنْ أُقِيْمَ في حفظ شيءٍ يُسَمَّى وكيلًا، وأنَّ الجنَّ يأكلون من طعام الإنس، وهو موافقٌ لقوله صلى الله عليه وسلم (( سألوني الزَّاد ) )، وأنَّهم يتكلَّمون بكلام الإنس، وأنَّهم يسرِقون ويخدِعون.

وفيه فضل آية الكرسيِّ، وفضل آخر سورة البقرة، وفيه أنَّ للشَّيطان نصيبًا من ترك ذكر الله تعالى عند المنام.

وفيه أنَّ السَّارق لا يقطع في المجاعة، ويحتمل أن يكون القدر المسروق لم يبلغ النِّصاب؛ ولذلك جاز للصَّحابي العفو عنه قبل تبليغه إلى الشَّارع.

وفيه جواز أخذ العلم ممَّن لم يعمل بعلمه، وفيه قبول العذر اليسير عمَّن يُظَنُّ به الصدقُ.

وفيه علامة النُّبوة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( ما فعل أسيرك البارحة ) ).

ووقع في حديث معاذٍ رضي الله عنه أنَّ جبريل عليه السلام جاء إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فأعلمه بذلك.

وفيه أنَّ الثَّالثة بلاغٌ في الإعذار، وفيه جمع زكاة الفطر قبل ليلة الفطر، وتوكيل البعض لحفظها وتفرقتها، والله أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ أبا هريرة رضي الله عنه كان وكيلًا لحفظ زكاة الفطر وترك شيئًا منها حيث سكت حين أخذ منها ذلك الآتي وهو الشَّيطان، فلمَّا أخبر النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بذلك سكت عنه وهو إجازةٌ منه.

وأمَّا جواز الإقراض إلى أجل مسمَّى، فيستفاد من حيث إنَّه أمهله إلى الرَّفع إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، قاله الكرمانيُّ.

وأصرح منه ما قاله ابن المُهلَّب إنَّ الطَّعام كان مجموعًا للصَّدقة، فلمَّا أخذ السَّارق منه وقال دعني فإنِّي محتاجٌ وتركه، فكأنَّه أسلفه ذلك الطَّعام إلى أجلٍ، وهو وقت قسمته وتفرقته على المساكين؛ لأنَّهم كانوا يجمعونه قبل الفطر بثلاثة أيَّام للتَّفرقة، فكأنَّه أسلفه إلى ذلك الأجل، فتأمَّل.

تتمَّة قد وقع مثل ما وقع لأبي هريرة رضي الله عنه لمعاذ بن جبلٍ وأُبيِّ بن كعب وأبي أيُّوب الأنصاريِّ وأبي أسيد الأنصاري وزيد بن ثابتٍ رضي الله عنهم.

أمَّا حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه فقد رواه الطَّبراني

ج 11 ص 37

عن شيخه يَحيَى بن عثمان بن صالحٍ بإسناده إلى بُرَيدة قال بلغني أنَّ معاذ بن جبل رضي الله عنه أخذ الشَّيطان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فقلت بلغني أنَّك أخذت الشَّيطان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال نعم ضمَّ إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تمر الصَّدقة، فجعلته في غرفةٍ لي فكنت أجد فيه كلَّ يومٍ نقصانًا، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي (( هو عمل الشَّيطان فارصده ) )قال فرصدته ليلًا، فلمَّا ذهب هوى من الليل أقبل على صورة الفيل، فلمَّا انتهى إلى الباب دخل من خلل الباب على غير صورته، فدنا من التَّمر فجعل يلتقمه فشددت عليَّ ثيابي فتوسطته، فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله يا عدوَّ الله، وثبتَ إلى تمر الصَّدقة فأخذته، وكانوا أحقَّ به منك لأرفعنَّك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفضحك، فعاهدني أن لا يعود فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( ما فعل أسيرك؟ ) )فقلت عاهدني أن لا يعود، قال (( إنَّه عائدٌ فارصده ) ). فأرصدته الليلة الثَّانية فصنع مثل ذلك وصنعت مثل ذلك، وعاهدني أن لا يعودَ فخلَّيت سبيله، ثمَّ غدوتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخبره فإذا مناديه يُنادي أين معاذ؟ فقال لي (( يا معاذ ما فعلَ أسيرك ) )قال فأخبرته فقال لي (( إنَّه عائدٌ فارصده ) )، فرصدته الليلة الثَّالثة فصنع مثل ذلك، وصنعت مثل ذلك، فقلت يا عدوَّ الله عاهدتني مرَّتين، وهذه الثَّالثة لأرفعنَّك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفضحك، فقال إنِّي شيطانٌ فقير ذو عيال وما أتيتك إلَّا من نصيبين ولو أصبت شيئًا دونه ما أتيتك، ولقد كنَّا في مدينتكم هذه حتَّى بُعِثَ صاحبكم، فلمَّا أُنزِلَتْ عليه آيتان أنفرتنا منها فوقعنا في نصيبين، ولا تُقْرَأَنَّ في بيتٍ إلَّا لم يلج فيه الشَّيطان ثلاثًا، فإن خلَّيت سبيلي علَّمتكها، قلت نعم، قال آية الكرسي، وخاتمة سورة البقرة {آمَنَ الرَّسُولُ} إلى آخرها، فخلَّيت سبيله، ثمَّ غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخبره

ج 11 ص 38

فإذا مناديه ينادي أين معاذ بن جبل فلمَّا دخلت عليه قال لي (( ما فعل أسيرك؟ ) )قلت عاهدني أن لا يعود وأخبرته بما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( صدق الخبيث، وهو كذوبٌ ) )قال فكنت أقرأهما عليه بعد ذلك فلا أجد فيه نقصانًا.

وأمَّا حديث أُبيِّ بن كعبٍ رضي الله عنه فقد رواه أبو يَعلى الموصليُّ حدَّثنا أحمد بن إبراهيم الدَّورقي ثنا مُبشِّر عن الأَوْزاعي عن يَحيَى بن أبي كثيرٍ عن عَبدة بن أبي لُبابة عن عبد الله بن أُبيِّ بن كعبٍ أنَّ أباه أخبره أنَّه كان له جُرُنٌ فيه تمرٌ، فكان أبي يتعاهده فوجده ينقص، قال فحرسته ذات ليلةٍ فإذا هو بداية شبه الغلام المحتلم، قال فسلَّمت فردَّ السَّلام، قال فقلت أنت جني أم إنسي؟ قال جني قال قلت ناولني يدك قال فناولني فإذا يده يد كلبٍ وشعر كلبٍ، فقلت هكذا خلق الجنَّ، قال لقد علمت الجنَّ ما فيهم أشد منِّي، قلت فما حملك على ما صنعت؟ قال بلغني أنَّك رجلٌ تحبُّ الصَّدقة فأحببنا أن نصيب من طعامك قال فقال له أبيٌّ فما الذي يجيرنا منكم؟ قال هذه الآية آية الكرسيِّ، ثمَّ غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( صدق الخبيث ) ).

ورواه الحاكم في «مستدركه» وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورواه ابن حِبَّان في «صحيحه» والنَّسائي وغيرهم.

وأمَّا حديث أبي أيُّوب الأنصاري رضي الله عنه فرواه التِّرمذي في «فضائل القرآن» حدَّثنا محمَّد بن بشار، قال ثنا أبو أحمد، قال ثنا سفيان عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيُّوب الأنصاري رضي الله عنه أنَّه كانت له سهوةٌ فيها تمرٌ فكانت تجيء الغول فتأخذ منه قال فشكى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( اذهب فإذا رأيتها فقل بسم الله أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )قال فأخذها فحلفت أن لا تعود فأرسلها، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما فعل أسيرك قال حلفت أن لا تعود [1] ، فقال (( كذبت وهي معاودة للكذب ) )قال فأخذها مرَّة أخرى، فحلفت أن لا تعود، فأرسلها فجاء إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم

ج 11 ص 39

فقال (( ما فعل أسيرك؟ ) )قال حلفت أن لا تعود، فقال (( كذبت وهي معاودة إلى للكذب ) )فأخذها فقال ما أنا بتاركك حتَّى أذهب بك إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقالت إنِّي ذاكرةٌ لك شيئًا آية الكرسيِّ اقرأها في بيتك فلا يقربك شيطانٌ ولا غيره، فجاء للنَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( ما فعل أسيرك ) )فأخبره بما قالت، قال (( صدقت وهي كذوب ) ). هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ.

وأمَّا حديث أبي أُسَيْد الأنصاري رضي الله عنه فقد رواه الطَّبراني من حديث مالك بن حمزة بن أبي أُسَيد عن أبيه عن جدِّه أبي أُسَيد السَّاعدي الخزرجي، وله بئرٌ بالمدينة يقال لها بئر بضاعة قد بصق فيها النَّبي صلى الله عليه وسلم فهي يُنْشَرُ بها ويُتَيَمَّنُ بها، قال فقطع أبو أُسَيد تمر حائطه فجعله في غرفةٍ فكانت الغول تخالفه فتسرق تمره وتفسده عليه، فشكى ذلك إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( تلك الغول يا أبا أُسَيد، فاستمع عليها فإذا سمعت اقتحامها فقل بسم الله أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )فقالت الغول يا أبا أسيد اعفني أن تكلفني أن أذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطيك موثقًا من الله أن لا أخالفك إلى بيتك، ولا أسرق تمرك، وأدلك على آيةٍ تقرؤها في بيتك فلا تُخَالَفُ إلى أهلك، وتقرؤها على إنائك فلا يُكْشَفُ غطاؤُه، فأعطى الموثق الذي رضي به منها، فقالت الآية التي أدلُّك عليها آية الكرسيِّ، ثمَّ حكتِ استها فضرطت، فأتى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقصَّ عليه القصَّة، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( صدقت وهي كذوب ) ).

وأمَّا حديث زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه فرواه ابن أبي الدُّنيا وفيه أنَّه خرج إلى حائطه فسمع جلبةً فقال ما هذا؟ فقال رجلٌ من الجنِّ أصابتنا السَّنَةُ فأردت أن أصيبَ من ثماركم، قال له فما الذي يعيذنا منكم؟ قال آية الكرسيِّ.

تذييل قوله جُرُن _ بضمتين _ جمع جَرِين _ بفتح الجيم وكسر الراء _ وهو موضع تجفيف التَّمر.

وقوله سَهْوَة _ بفتح السين المهملة وسكون الهاء وفتح الواو _ هي الطَّاق في الحائط يوضع فيها الشَّيء، وقيل هي الصفة، وقيل المخدع بين البيتين، وقيل شبيهٌ بالرَّف، وقيل بيتٌ صغيرٌ كالخزانة

ج 11 ص 40

الصَّغيرة.

وقوله الغُول _ بضم الغين المعجمة _ شيطانٌ يأكل النَّاس، وقيل هو من يتلوَّن من الجنِّ.

وقوله أبو أُسَيْد _ بضم الهمزة وفتح السين _ اسمه مالك بن ربيعة.

وقوله يُنْشَرُ بها من النشرة وهي ضربٌ من الرُّقية والعلاج، يُعَالَجُ بها من كان يُظَنُّ أنَّ به مسًّا من الجنِّ، سُمِّيَتْ نشرةً؛ لأنَّه يُنْشَرُ بها عنه ما خامره من الدَّاء؛ أي يُكْشَفُ ويُزَالُ.

[1] من قوله (( فأرسلها ... إلى قوله أن لا تعود ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت