2323 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة (ابْنِ خُصَيْفَةَ) بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وسكون التحتية وبالفاء، مصغَّر خصفة، وقد مرَّ في باب «رفع الصَّوت في المساجد» [خ¦470] .
(أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ) صحابيٌّ صغير مشهور، وقد مرَّ في باب «استعمال فضل الوضوء» [خ¦190] [1] (حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ) مصغَّر زهر، واسم أبي زهير القَرَد _ بفتح القاف والراء _ الأزدي الشَّنائي (رَجُلًا) أي أعني أو أخصَّ رجلًا، ويروى بالرَّفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو رجلٌ (مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ) بفتح الشين المعجمة وضم النون وسكون الواو وفتح الهمزة.
قال الحافظُ العَسْقَلانيُّ وهي قبيلةٌ مشهورةٌ، نسبوا إلى شَنُوءَةَ، واسمه الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن النَّضر بن الأزد.
وقال الرُّشاطِيُّ وإنَّما قيل أزد شنوءة لشنآنٍ كان بينهم، والشَّنآن البغض، وقال يعقوب والنِّسبة إليه شنوئي، قال ويقال شنوَّة
ج 11 ص 61
_ بتشديد الواو غير مهموز _ ويُنْسَبُ إليه الشَّنَوِيُّ.
ويقال أيضًا في النِّسبة إلى شْنوءة شنائي، ويقال الشَّنُيئيِّ _ بفتح الشين وضم النون وكسر الهمزة _ ويقال أيضًا الشَّنُوْئِي _ بفتح الشين وضم النون وسكون الواو وكسر الهمزة _ فهذه النِّسبة على أربعة أوجهٍ.
(وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لاَ يُغْنِي) من الإغناء (عَنْهُ زَرْعًا وَلاَ ضَرْعًا) والضَّرع اسمٌ لكلِّ ذات ظلفٍ وخف وهذا كنايةٌ عن الماشية، والمعنى لا ينفعه من جهة الزَّرع ولا من جهة الضَّرع، وأصل التَّركيب ينبئ عن معنى الإبعاد.
قال المطرزيُّ يقال أغن عنِّي كذا؛ أي نحِّه عنِّي، فكأنَّه قيل لا يبعِّد عنه زرعًا ولا ضرعًا بأن لا يحتاج إلى تعاهدهما بسبب الكلب، ويُرْوَى أي لا ينفع بسببه أو لا يقيم به.
(نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ، قُلْتُ) أي قال السَّائب قلت لسفيانَ بنِ أبي زُهَير (أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟) وفيه التَّثبُّت في الحديث (قَالَ إِي) بكسر الهمزة (وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ) وكلمة (( إي ) )بمعنى نعم ومن لوازمها القسم، فلا يقال إي وحده، كما يقال نعم وحده.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، قال ابن عبد البَرِّ في الأحاديث المذكورة إباحةُ اتِّخاذ الكلاب للصَّيد والماشية وكذلك الزَّرع.
وكراهة اتِّخاذها لغير ذلك، إلَّا أنَّه يدخل في معنى الصَّيد وغيره ممَّا ذكر اتِّخاذها لجلب المنافع ودفع المضار قياسًا، فتمحُّض كراهة اتِّخاذها لغير حاجةٍ؛ لِمَا فيه من ترويع النَّاس وامتناع دخول الملائكة للبيت الذي هم فيه.
وفي قوله (( نقص من عمله ) )ما يشير إلى أنَّ اتِّخاذها ليس بمحرَّم؛ لأنَّ ما كان اتخاذه محرمًا امتنع اتخاذه على كلِّ حالٍ سواء نقص أجر عمله أم لا، فدلَّ ذلك على أنَّ اتخاذه مكروهٌ لا حرام.
قال ووجه الحديث عندي أنَّ غسل الإناء سبعًا من ولوغها لا يكاد يقوم به المكلف ولا يتحفَّظ منه، فربَّما دخل عليه باتِّخاذها ما ينقص أجره من ذلك.
ويُرْوَى أنَّ المنصور
ج 11 ص 62
سأل عمرو بن عبيد عن سبب هذا الحديث فلم يعرفه فقال لأنَّه ينبحُ الضَّيف ويُرَوِّعُ السَّائل. انتهى.
قال الحافظُ العَسْقَلانيُّ وما ادَّعاه من عدم التَّحريم واستدلاله بما ذكره ليس بلازمٍ، بل يحتمل أن تكون العقوبة تقع بعدم التَّوفيق للعمل بمقدار قيراطٍ ممَّا كان يعمله من الخير لو لم يتَّخذ الكلب.
ويحتمل أن يكون الاتخاذ حرامًا، والمراد بالنَّقص أنَّ الإثم الحاصل باتخاذه يوازن ذلك القدر، فينقص من ثواب عمل المتَّخذ قدر ما يترتَّب عليه من الإثم باتِّخاذه وهو قيراطٌ أو قيراطان.
هذا واختلفوا في سبب النُّقصان فقيل هو امتناع الملائكة من دخول بيته، أو ما يلحق المارِّين من الأذى أو ذلك عقوبةٌ لهم؛ لاتخاذهم ما نُهِيَ عن اتِّخاذه أو كراهة رائحتها، أو لأنَّ بعضها شياطين، أو لولوغها في الأواني عند غفلة صاحبها فربَّما ينجس الطَّاهر منها، فإذا استعمل في العبادة لم يقع موقع الطَّاهر.
وقال ابن التِّين المراد أنَّه لو لم يتَّخذه لكان عمله كاملًا، فإذا اقتناه نقص من ذلك العمل، ولا يجوز أن ينقص من عملٍ مضى، وإنَّما أراد أنَّه ليس عمله في الكمال عمل مَنْ لم يتخذه. انتهى.
قال الحافظُ العَسْقَلانيُّ وما ادَّعاه من عدم الجواز مُنازَعٌ فيه، فقد حكى الرَّويانِيُّ في «البحر» اختلافًا في ذلك هل ينقص من العمل الماضي أو المستقبل؟.
وفي محلِّ نقصان القيراطين فقيل من عمل النَّهار قيراط، ومن عمل الليل آخر، وقيل من الفرض قيراطٌ ومن النَّفل آخر.
واتَّفقوا على أنَّ المأذون في اتِّخاذه ما لم يحصل الاتِّفاق على قتله، وهو غير العقور فإنَّه اختلف فيه هل يجوز قتله مطلقًا أم لا؟ وأمَّا العقور فاتَّفقوا على جواز قتله.
واستُدِلَّ بالأحاديث على جواز تربية الجرو الصَّغير لأجل المنفعة إذا كبر، ويكون القصد لذلك قائمًا مقام وجود المنفعة به، كما يجوز بيع ما لا ينتفع به في الحال؛ لكونه ينتفع به في المآل.
واستُدِلَّ بها بعض المالكيَّة على طهارة الكلب الجائز اتِّخاذه؛ لأن في ملابسته مع الاحتراز عنه مشقَّة شديدةٌ، فالإذن في اتِّخاذه إذن في مكمِّلات مقصوده، كما أنَّ المنع من لوازمه [مناسب للمنع] [2] ، وهو استدلالٌ قويٌّ لا يعارضه إلَّا عموم الخبر الوارد في الأمر
ج 11 ص 63
من غسل ما ولغ فيه الكلب سبع مرَّات من غير تفصيلٍ، فإن قالوا هذا أمرٌ تعبُّدي، فلا يستلزم النَّجاسة.
فالجواب ما ذكر أنَّه عامٌّ، فبعمومه يدلُّ على أنَّ الغسل لنجاسته.
نعم، تخصيص العموم غير مستنكر إذا سوَّغه الدَّليل.
وفي الأحاديث المذكورة الحثُّ على تكثير الأعمال الصَّالحة، والتَّحذير من العمل بما ينقصها، والتَّنبيه على أسباب الزِّيادة فيها والنَّقص منها؛ لِيُجْتَنَبَ أو يُرْتَكَبَ.
وفيها بيان لطف الله تعالى بخلقه في إباحة ما لهم به نفع، وتبليغ نبيِّهم صلى الله عليه وسلم لهم أمور معاشهم ومعادهم، والله أعلم.
[1] قوله (( وقد مر في باب استعمال فضل الوضوء ) )ليست في (خ) .
[2] في الأصل (لوازمه منع) ، والتصحيح من الفتح.