214 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابي، وقد مر ذكره في باب «لا يمسك ذكره بيمينه» [خ¦154] (قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية ابن عساكر (سُفْيَانُ) هو الثوري، وقد تقدم في باب «علامة المنافق» [خ¦34] (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ) بالواو، الأنصاري الكوفي الثقة الصالح، روى له الجماعة (قَالَ) أي إنَّه قال (سَمِعْتُ أَنَسًا) وفي رواية الأَصيلي (وَحَدَّثَنَا) بواو التحويل، وفي بعض النسخ بعد قوله صورة إشارة إلى التحويل، من إسناد إلى إسناد أو إلى الحائل أو إلى (صح) أو إلى (الحديث) ، وقد مرَّ تحقيقُه (مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد.
(قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي القطان، وقد مر في باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه [خ¦13] (عَنْ سُفْيَانَ) هو الثوري كما تقدم وليس بابن عيينة؛ لأنه لم يوجد لسفيان بن عيينة رواية عن عمرو (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ) الأنصاري المتقدم ذكره، وقيل هو بَجَلِيٌّ، وصحَّحَ المُزَني أن البجلي راوٍ آخر غير هذا الأنصاري، وليس لهذا في الكتاب غير ثلاثة أحاديث كلها عن أنس، وليس للبجلي عند البخاري رواية، وقد يلتبس به عُمَر بن عامر بضم العين، وهو راوٍ آخر بصري سلمي، أخرج له مسلم، وليس له عند البخاري شيء.
(عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك رضي الله عنه كما في رواية، والفرق بين الإسنادين أن في الإسناد الأول بين البخاري وبين سفيان رجل، وفي الثاني بينهما رجلان، وأن في الإسناد الثاني تصريحًا بسماع سفيان من عمرو حيث قال حدثني عمرو، وفي الأول قال عن عمرو، وسفيان من المدلسين، والمدلِّسُ لا يُحتَج بعنعنته إلا أن يثبت سماعُه من طريق آخر، فلذلك ذكره بعد الأول مع كون الأول عاليًا، وقد أخرج متنه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه في الطهارة أيضًا.
(قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ) أي مفروضة من الأوقات الخمسة، وقيل مطلقًا فرضًا كانت أو نفلًا، قيل وهذه العبارة تدل على أنه كان عادة له، لكن حديث سُويد الآتي يدل على أن المراد هو الغالب، وسيأتي تحقيق ذلك، إن شاء الله تعالى (قُلْتُ) أي قال
ج 2 ص 253
عمرو بن عامر قلت (كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ) والخطاب للصحابة رضي الله عنهم.
(قَالَ) أي أنس رضي الله عنه (يُجْزِئُ) بضم الياء من أجزأني الشيء؛ أي كفاني فمعنى يجزئ يكفي كما في رواية الإسماعيلي (أَحَدَنَا) بالنصب على المفعولية (الْوُضُوءُ) بالرفع على أنه فاعل يجزئ (مَا لَمْ يُحْدِثْ) من أحدث فلان إذا انتقض وضوءه، وللنسائي من طريق شعبة عن عمرو أنه سأل أنسًا رضي الله عنه أكان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة؟ قال نعم، وعند ابن ماجه وكنا نحن نصلي الصلوات كلَّها بوضوء واحد، والمسألة مختلف فيها، فذهبت طائفة من الظاهرية والشيعة إلى وجوب الوضوء لكل صلاة في حق المقيمين دون المسافرين، واحتجوا في ذلك بحديث بُرَيْدة بن الحُصَيْب رضي الله عنه (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد ) )أخرجه الطحاوي، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى.
وقد أخرج مسلم وأبو داود عنه قال (( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة خمس صلوات بوضوء واحد ) )الحديث، وذهبت طائفة إلى أن الوضوء واجب لكل صلاة مطلقًا من غير حدث، وروي ذلك عن ابن عمر، وأبي موسى، وجابر بن عبد الله، وعَبيدة السلماني، وأبي العالية، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم، والحسن، وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال لا يصلي بوضوء واحد أكثر من خمس صلوات.
ومذهب الجمهور من الأئمة الأربعة وأكثر أصحاب الحديث وغيرهم أن الوضوء لا يجب إلا من حدث قالوا لأن الآية نزلت في إيجاب الوضوء من الحدث، وعند القيام إلى الصلاة، فإن معنى قوله تعالى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم مُحْدِثون، واستدل الدَّارِمي على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم (( لا وضوء إلا من حَدَث ) ).
وحكى الشافعي عمَّنْ لَقِيَه من أهل العلم أن التقدير إذا قمتم من النوم، فإن قيل ظاهر الآية يقتضي التكرار؛ لأن الحكم المذكور وهو قوله (فاغسلوا) مُعلَّق بالشرط، وهو (إذا قمتم إلى الصلاة) فيقتضي تكرار الحكم عند تكرار الشرط كما هو القاعدة عندهم.
فالجواب أنهم اختلفوا في هذه المسألة، والأكثرون على أنه لا يقتضيه، وقد سبق أول كتاب الطهارة أن السلف اختلفوا في معنى الآية أنها في حق المُحْدِث خاصة
ج 2 ص 254
فيكون الأمر للوجوب أو في حق المُحْدِثِ وغيرِه فيكون في حق المحدث للوجوب، وفي حق غيره للندب على مذهب الجمهور، وفيه تناول الكلمة الواحدة لمعنيين مختلفين، وهو لكونه من باب الألغاز والتعِميَة لا يليق بجزالة القرآن، وإن جوَّزه الشافعية رحمهم الله تعالى.
وقال الطحاوي رحمه الله قد يجوز أن يكون وضوءه صلى الله عليه وسلم على التِمَاس الفضل لا على الوجوب لما رواه ابن أبي شيبة وغيره من حديث أبي غُطَيْف الهذلي قال صليت مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما الظهر فانصرف في مجلس في داره فانصرفت معه حتى إذا نُودي بالعصر دَعَي بوضوء فتوضأ فقلت له أي شيء هذا يا أبا عبد الرحمن الوضوء لكل صلاة؟ فقال وقد فطنت لهذا مني إن كان لكافيًا وضوئي لصلاة الصبح وصلواتي كلها ما لم أُحدِث، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من توضأ على طهر كتب الله له بذلك عشر حسنات ) )ففي ذلك رغبت يا ابن أخي.
وما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه في هذا الحديث يدل على ذلك أي على اكتفاء المصلي بوضوء واحد لصلوات كثيرة ما لم يُحدِث، وذلك لأنه قد علم منه أن توضؤَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل صلاة كان لإصابة الفضل وإلا لما كان وسعه، ولا لغيره أن يخالفوه صلى الله عليه وسلم.
وقال الطحاوي أيضًا ويجوز أن يكون ذلك فُرِضَ أولًا ثمَّ نُسخ، واستدل على ذلك بحديث أسماء ابنة زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدَّثها «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمِرَ بالوضوء لكل صلاة طاهرًا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أُمِرَ بالسواك لكل صلاة» ، أخرجه أبو داود، وفي رواية ابن خزيمة وقد صححه (( فلما شق ذلك عليه أُمِرَ بالسواك عند كل صلاة، ووُضِعَ عنه الوضوء إلا من حَدَث ) )، فهذا يدل على النَّسخ ويقال في الجواب يحتمل أن يكون ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن شاهين لم يبلغنا أن أحدًا من الصحابة والتابعين كانوا يتوضؤون لكل صلاة إلا ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه نظر؛ لأنه روى ابن أبي شيبة، حدَّثنا وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين كان الخلفاء يتوضؤون لكل صلاة، وفي لفظ كان أبو بكر
ج 2 ص 255
وعمر وعثمان رضي الله عنهم يتوضؤون لكل صلاة.
وقال بعضهم يُمكن حَمْلُ الآية على ظاهرها من غير نَسْخ، ويكون الأمر في حق المُحْدِثِين على الوجوب، وفي حق غيرهم على الندب، وفيه أنه قد مر أنه من باب الألغاز، وفي الحديث دلالة على فضيلة الوضوء لكل صلاة، وأنه يجوز الاكتفاء بوضوء واحد ما لم يُحْدِث، وأنه يجب الوضوء عند الحدث لمن يريد الصلاة.