2352 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحَكَم بن نافعٍ الحِمصيُّ، قال
ج 11 ص 129
(أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حَمزة الحِمصيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهَا) أي القصَّة (حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ دَاجِنٌ) الدَّاجن شاة أَلِفت البيوت وأقامت بها، والشَّاة تذكَّر وتؤنَّث، فلذلك قال دَاجن، ولم يقل داجنةٌ، وقال ابنُ الأثير الدَّاجنُ الشَّاة التي يعلفُها النَّاس في منازلهم، يقال دَجَنَت تَدْجُن دُجُونًا.
(وَهْيَ) أي الشَّاة الدَّاجن، وفي نسخة ، ويحتمل الرُّجوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فافهم (فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه (وَشِيبَ) على البناء للمفعول؛ أي خُلِطَ (لَبَنُهَا بِمَاءٍ مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي فِي دَارِ أَنَسٍ) رضي الله عنه (فأُعطِيَ) على البناء للمفعول (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَدَحَ فَشَرِبَ مِنْهُ حَتَّى إِذَا نَزَعَ الْقَدَحَ مِنْ فِيهِ وَعَلَى يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ) إنَّما قال في عن يمينه بعن، وفي على يساره بعلى لعلَّ يساره كان موضعًا مرتفعًا فاعتبر استعلاؤه، أو كان الأعرابيُّ بعيدًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قيل إنَّ المراد من الأعرابيِّ هو خالد بن الوليد رضي الله عنه، حكاه ابن التِّين، واعتُرِضَ عليه بأنَّ مثله لا يقال له أعرابيٌّ، وكان الحامل له على ذلك أنَّه رأى في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما الذي مضى ذكره عن قريبٍ أنَّه قال دخلتُ أنا وخالد بن الوليد على ميمونة رضي الله عنها فظنَّ أنَّ القصَّة واحدة، وليس كذلك فإنَّ هذه القصَّة في بيت ميمونة رضي الله عنها، وقصَّة أنس رضي الله عنه في داره فافترقتا.
نعم يصلح أن يعدَّ خالد من الأشياخ المذكورين في حديث سهل بن سعد رضي الله عنهما، والغلام هو ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
ويقوِّيه قوله في حديث سهل أيضًا ما كنتُ لأوثر بفضلِي منك أحدًا، ولم يقع في ذلك في حديث أنسٍ رضي الله عنه، وليس في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما ما يمنع أن يكون مع خالد بن الوليد في بيت ميمونة غيره رضي الله عنهم.
بل قد روى ابنُ أبي حاتم عن أبيه في حديث سهلِ بن سعد
ج 11 ص 130
رضي الله عنه ذكر أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه فيمن كان على يساره صلى الله عليه وسلم، ذكره ابن عبد البرِّ وخطَّأه.
(فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الأَعْرَابِيَّ) جملة حاليَّة بتقدير قد، وإنَّما خاف؛ لِمَا علم من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم من التَّيامن (أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَكَ) وإنَّما قال ذلك عمر رضي الله عنه تذكيرًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإعلامًا للأعرابيِّ بجلالة أبي بكرٍ رضي الله عنه.
وقال الخَطَّابي كان العادة في قديم الزَّمان وحديثه تقديم الأيمن فالأيمن، فخشيَ عمر رضي الله عنه أن يتناولَ الأعرابي فنبَّه على مكانة أبي بكر رضي الله عنه، كذا وقع لجميع أصحاب الزُّهري، وشذَّ معمر فيما رواه وهب عنه فقال عبد الرَّحمن بن عوف، بدل عمر، أخرجه الإسماعيليُّ، والذي في «صحيح البخاري» هو الصَّحيح.
قال الحافظُ العَسْقَلانيُّ إنَّ معمرًا لمَّا حدَّث بالبصرة حدَّث من حفظه فوهم في أشياء فكأنَّ هذا منها، ويحتمل أن يكون محفوظًا بأن يكون كلٌّ من عمر وعبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنهما قال ذلك لتوفُّر دواعي الصَّحابة رضي الله عنهم على توقير أبي بكر وتعظيمه رضي الله عنه.
وهذا أحسنُ من أن يُنسَبَ معمرٌ إلى الشُّذوذ والوهم، قال النَّسائي معمر بن راشد الثِّقة المأمون، وقال العجليُّ بصريٌّ رحل إلى صنعاء وسكن بها وتزوَّج، ورحل إليه سفيان، وسمع منه هناك، وسمع هو أيضًا من سفيان.
(فَأَعْطَاهُ الأَعْرَابِيَّ الَّذِي عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ الأَيْمَنُ فَالأَيْمَن) بالنَّصب على تقدير أعط الأيمن فالأيمن، وبالرَّفع على تقدير الأيمن أحقُّ، ويدلُّ على ترجيح رواية الرَّفع قوله في بعض طرقه الأيمنون الأيمنون.
قال أنسٌ رضي الله عنه فهي سنةٌ، فهي سنة، فهي سنة. هكذا في رواية أبي طَوَالة عن أنس رضي الله عنه.
وفي الحديث تقديم مَنْ هو على يمين الشَّارب في الشُّرب وإن كان مفضولًا بالنِّسبة إلى مَنْ كان على يسارهِ لفضل جهة اليمين على جهةِ اليسار، وهل هو على جهة الاستحباب، أو على جهةِ الوجوب.
قال القاضي عياض أنَّه سنة قال وهذا ممَّا لا خلاف فيه، وكذا قال النَّووي أنَّها سنةٌ واضحةٌ، وخالف فيه ابن حَزْمٍ، فقال لابدَّ من مناولة الأيمن كائنًا مَنْ كان، فلا يجوز مناولة غير الأيمن إلَّا بإذن الأيمن. قال ومَنْ لم يرد أن يناول
ج 11 ص 131
أحدًا فله ذلك، فإن قيل في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أخرجه أبو يَعلَى بإسنادٍ صحيحٍ قال كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا سقى قال (( ابدءوا بالكبراءِ، أو قال بالأكابر ) )فكيف الجمع بينهما.
فالجواب أنَّه يحملُ هذا الحديث على ما إذا لم يكن على جهةِ يمينه عليه الصَّلاة والسلام أحدٌ، بل كان الحاضرون تلقاء وجهه أو وراءه مثلًا.
وقال النَّووي وأمَّا تقديم الأفاضل والكبار فهو عند التَّساوي في باقي الأوصاف، ولهذا يقدَّم الأعلم والأقرأ على الأسن النَّسيب في الإمامة في الصَّلاة.
وفيه أنَّ غير المشروب مثل الفاكهة واللَّحم ونحوهما كالمشروب في استحباب التَّيامن، وأمَّا ما نُقِلَ عن مالكٍ من تخصيصِ ذلك بالشُّرب، فقال ابن عبد البرِّ وغيره لا يصحُّ هذا عن مالكٍ.
وقال القاضِي عياض يشبه أن يكون قول مالكٍ أنَّ السنة وردت في الشُّرب خاصةً، وإنَّما يقدِّم الأيمن فالأيمن في غيره بالقياس إليه لا أنَّ السنَّة منصوصة فيه أيضًا، وكيف ما كان فالعلماء متَّفقون على استحباب التَّيامن في الشُّرب وأشباهه.
وفيه جواز شَوب اللَّبن بالماء لنفسه ولأهل بيته ولأضيافه، والحكمة فيه أنَّه يبرد أو يكثر أو يكون كلاهما، وإنَّما ينهى عن شَوبه بالماء إذا أراد بيعه؛ لأنَّه غشٌّ.
وفيه أنَّ الجلساء شركاء في الهدية، وذلك على جهة الأدب والمروءة والفضل والأخوة لا على الوجوب؛ لإجماعهم على أنَّ المطالبة بذلك غير واجبة لأحد.
وأمَّا قوله صلى الله عليه وسلم (( جلساؤكم شركاؤكم في الهدية ) )فمحمولٌ على ما ذكر مع أنَّ إسنادَهُ فيه لينٌ.
وفيه أيضًا دلالةٌ على أنَّ مَنْ قُدِّمَ إليه شيءٌ من المأكول والمشروب ليس عليه أن يسألَ من أين هو، وما أصله إذا عُلِمَ طِيب مكسبِ صاحبه في الأغلب، كما قيل كَلِ البقلَ، ولا تسألْ عن المبقلةِ.
وقال ابن الجوزيِّ إنَّما استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عبَّاس رضي الله عنهما أن يعطيَ خالد بن الوليد رضي الله عنه قبله، ولم يستأذن الأعرابيُّ في أن يعطيَ أبا بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه قبله؛ إدلالًا على ابن عبَّاس رضي الله عنهما وثقة بطيبِ نفسه بأصل الاستئذان، لا سيَّما
ج 11 ص 132
والأشياخ أقاربه بخلاف الأعرابيِّ فإنَّه لم يكن له علمٌ بالشَّريعة، فخاف صلى الله عليه وسلم من إيحاشه في استئذانه في صرفه إلى أصحابه، وربَّما يسبق إلى قلبه شيءٌ فيُهلَك به لقرب عهده بالجاهليَّة، فاستألفه بإعطائه إيَّاه وترك الاستئذان.
فإن قيل ما الحكمة في أنَّ ابن عباس رضي الله عنهما لم يوافق استئذان النَّبي صلى الله عليه وسلم له في أن يقدِّم في الشُّرب مَنْ هو أولى منه.
فالجواب أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يأمره بذلك، ولم يقل له اترك حقَّك، ولو أمره لأطاعه، فلمَّا لم يقع منه إلَّا استئذانه له في ذلك فقط لم يفوِّت نفسه حظَّه من سؤر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
واستفيد من الحديث أيضًا أنَّ مَنْ سبق إلى مجلس عالمٍ أو كبير أو إلى موضع من المسجد أو إلى موضع مباح فهو أحقُّ به ممَّن يجيء بعده ولا يقام أحدٌ من مجلس جلسه سابقًا لأحدٍ كائنًا مَنْ كان، والله المستعان.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( وشيب لبنها بماءٍ ) )يجري فيه القسمة، وأنَّه يملك فكذلك اللَّبن المشوب به.
والحديث أخرجه البخاريُّ في «الأشربة» أيضًا [خ¦5612] ، وأخرجه مسلم وأبو داود والتِّرمذي وابن ماجه فيه أيضًا.