فهرس الكتاب

الصفحة 3727 من 11127

2388 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بن يونس بن عبد الله التميميُّ اليربوعيُّ، قال (حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ) عبد ربه الحنَّاط _ بالحاء المهملة والنون _ المشهور بالأصغر المدائنيُّ، وقد مرَّ في «الزكاة» ، في باب «على كل مسلمٍ صدقة» [خ¦1446] . وقد صحَّفه بعضهم بالخياط بالخاء المعجمة والياء التحتية.

(عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ) هو أبو سليمان الهَمْداني الجُهَني (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريِّ، واسمه جُنْدبُ بن جُنادة في الأشهر (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَبْصَرَ _ يَعْنِي أُحُدًا _) أي جبل أحدٍ (قَالَ مَا أُحِبُّ) وما أتمنَّى (أَنَّهُ) أي أنَّ أحدًا (تَحَوَّلَ لِي ذَهَبًا) في رواية أبي ذرٍّ هكذا _ بفتح المثناة الفوقية _ على وزن تفعل. وفي رواية غيره بضم الياء التحتية، على البناء للمفعول، ومعنى تحوَّل صار فيستدعي اسمًا مرفوعًا وخبرًا منصوبًا، فالاسم هو الضَّمير في تحوَّل الراجع إلى أحد، والخبر قوله ذهبًا. وقال ابنُ مالك فيه حوَّل بمعنى صيَّر، وقد خفيَ على كثيرٍ من النُّحاة، وعاب بعضُهم استعماله على الحريري، قال وقد جاء هاهنا على ما لم يُسَمَّ فاعله جارية مجرى صار في رفع ما كان مبتدأ، ونصب ما كان خبرًا، وكذلك حكم ما صيغ من حوَّل مثل تحوَّل، فإنه بزيادة المثناة تجدَّد له حذف ما كان فاعلًا، وجعل أول المفعولين فاعلًا وثانيهما خبرًا منصوبًا.

(يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ) أي من الذَّهب (دِينَارٌ) فاعل يمكثُ (فَوْقَ ثَلاَثٍ) أي ثلاث ليالٍ، والجملة في محلِّ النَّصب صفة لقوله ذهبًا.

ج 11 ص 211

(إِلاَّ دِينَارًا) استثناء ممَّا قبله، وقوله (أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ) جملة في محل النصب على أنَّها صفة لقوله دينارًا، وأُرصده بضم الهمزة، من الإرصادِ تقول أُرصِدته؛ أي هيَّأتُه وأعددته.

وحكى ابن التِّين أنَّه روى أَرصده _ بفتح الهمزة _ من قولك رصدته؛ أي رقبته، قال الحافظُ العَسْقَلانيُّ والأوَّل أوجه.

وقال ابن قُرْقُول قوله إلَّا دينارًا أرصده؛ أي أعدُّه _ بضم الهمزة وفتحها _ ثلاثي ورباعي يقال أرصدته ورصدته بالخير والشرِّ أعددته له، وقيل رصدته ترقَّبته وأرصدته أعددته، قال تعالى {وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ} [التوبة 107] وقال {شِهَابًا رَصَدًا} [الجن 9] . ومنه «مَنْ يرصد لي عير قريش» ، والرَّصد الطَّلب.

(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الأَكْثَرِينَ) أي مالًا (هُمُ الأَقَلُّونَ) أي ثوابًا (إِلاَّ مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا، وَأَشَارَ أَبُو شِهَابٍ) الراوي عن الأعمش (بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ) معناه إلَّا من صرف المال على النَّاس أمامًا ويمينًا وشمالًا، ولفظ (( قال ) )هنا ليس من القول بمعنى التكلم، بل معناه صرف أو فرَّق أو أعطى أو نحو ذلك؛ لأنَّ العرب تجعل القول عبارةً عن جميع الأفعال فتطلقه على غير الكلام، وتنسبه إلى غير اللِّسان فتقول قال بيده؛ أي أخذه وقال برجله؛ أي مشى، وقال الشَّاعر

~وَقَالَتْ لَهُ العَيْنَان سَمْعًا وَطَاعَةً

أي أومأت، وقال بالماء على يده؛ أي قلَّب، وقال بثوبه؛ أي رفعه وكلُّ ذلك على المجاز والاتِّساع، كما روي في حديث السَّهو قال ما يقول ذو اليدين؟ قالوا صدق، روي أنَّهم أومأوا برؤوسهم؛ أي نعم، ولم يتكلَّموا.

ويُقالُ قال بمعنى أقبل وبمعنى مال واستراحَ وضربَ وغلب ولان.

(وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) هم مبتدأ، وقليلٌ خبره مقدَّم عليه، وكلمة ما زائدة أو صفة فافهم (وَقَالَ) أي قال أبو ذرٍّ رضي الله عنه، وقال لي صلى الله عليه وسلم (مَكَانَكَ) نُصِبَ بتقدير الزم (وَتَقَدَّمَ) صلى الله عليه وسلم (غَيْرَ بَعِيدٍ فَسَمِعْتُ صَوْتًا فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَه) على صيغة المتكلم من المضارع (ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ مَكَانَكَ حَتَّى آتِيَكَ) على صيغة المتكلم أيضًا (فَلَمَّا جَاءَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الَّذِي سَمِعْتُ) خبر مبتدأ محذوف؛ أي ما الَّذي سمعته أنا أو مبتدأ خبره محذوف؛ أي الَّذي سمعته ما هو، فتأمَّل.

(أَوْ قَالَ) شكُّ من الراوي (الصَّوْتُ الَّذِي سَمِعْتُه) وإعرابه كسابقه (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَهَلْ سَمِعْتَ) استفهامٌ على سبيل

ج 11 ص 212

الاستخبار (قُلْتُ نَعَمْ) سمعت ذلك الصَّوت (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ وَإِنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا) فسر في رواية الآتية في «الرقاق» (( وإن زنى وإن سرق ) ) [خ¦6444] ، ووقع في رواية المُستَملي هنا بدل قوله «وإن فعل» (قَالَ) جبريل عليه السلام (نَعَمْ) أي وإن زنى وإن سرق.

وفي الحديث الاهتمام بأمر وفاء الدَّين وصرف المال إلى وجوه القربات عند القدرة عليه.

والخوفُ من استغراق الدَّين؛ لأنَّ المديون إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، والاحترازُ من المطل عند القدرة؛ لأنَّه في معنى الخيانةِ في الأمانة.

وقد جاء في خيانة الأمانة من الوعيد ما رواه إسماعيل بن إسحاق من حديث زاذان عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال إنَّ القتل في سبيل الله يكفِّر كلَّ ذنبٍ إلَّا الدَّين والأمانة، قال وأعظم ذلك الأمانة تكون عند الرجل فيخونها، فيقال له يوم القيامة أدِّ أمانتك فيقول من أين، وقد ذهبت الدُّنيا، فيقال نحن نريكها فتمثَّل له في قعر جهنَّم، فيقال له انزل فأخرجها فينزل فيتحمَّلها على عنقه حتى إذا كاد زلَّت فهوتْ وهوى في إثرها أبدًا.

وفيه ما كان صلى الله عليه وسلم عليه من الزَّهادة في الدُّنيا، وفيه أيضًا فضيلة هذه الأمة المحمديَّة.

وقال ابن بطَّال فيه إشارةٌ إلى عدم الاستغراق في كثير الدَّين، والاقتصار على اليسير منه أخذًا من اقتصاره على ذكر الدِّينار الواحد، ولو كان عليه مائة دينارٍ لم يرصد لأدائها دينارًا واحدًا، انتهى.

ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ فيه ما يدلُّ على الاهتمام بأداء الدين؛ لقوله إلَّا دينارًا أرصده لدين.

والحديثُ أخرجهُ المؤلف في «الاستئذان» [خ¦6268] وفي «الرقاق» [خ¦6444] وفي «بدء الخلق» أيضًا [خ¦3222] ، وأخرجهُ مسلم في «الزكاة» ، والترمذي في «الأيمان» ، والنسائي في «اليوم والليلة» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت