2419 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي وهو من أفراده، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ) بالتنوين، وقوله (الْقَارِيِّ) صفته، وهو بالقاف والراء الخفيفة وتشديد الياء نسبة إلى بني قارة، والمشهور أنَّه تابعيٌّ، ويُقالُ إنَّه صحابي، توفِّي بالمدينة سنة ثمانين وله ثمان وسبعون سنة.
(أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ) بفتح الحاء المهملة وكسر الكاف (ابْنِ حِزَامٍ) بكسر الحاء وتخفيف الزاي، القرشي الصَّحابي ابن الصَّحابي (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا)
ج 11 ص 271
أسلم يوم الفتح، وكان من فضلاء الصَّحابة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
(يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَنِيهَا، وَكِدْتُ) أي قاربت (أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ) يعني في الإنكار عليه، والتعرُّض له (ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ) أي من القراءة (ثُمَّ لَبَّبْتُهُ) بالتشديد، من التَّلبيب (بِرِدَائِهِ) يُقالُ لبَّبت الرَّجل _ بالتشديد _ إذا جمعت ثيابه عند صدره من الخصومة ثمَّ جررتُه، وهذا الفعل منه رضي الله عنه بحسب ما أدَّى إليه اجتهاده.
(فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ لِي) رسول الله صلى الله عليه وسلم (أَرْسِلْهُ) أي هشام بن حَكِيم، وكان ممسوكًا عليه (ثُمَّ قَالَ لَهُ اقْرَأْ فَقَرَأَ، قَالَ هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ لِي اقْرَأْ، فَقَرَأْتُ فَقَالَ هَكَذَا أُنْزِلَتْ) قال ذلك عمر رضي الله عنه في قراءة الآيتين كلتيهما، ولم يبيِّن أحدٌ كيفية الخلاف الذي وقع بينهما (إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ فَاقْرَءُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ) أي فاقرؤوا من القرآن ما تيسَّر لكم حفظُه، وقد اختلفوا في معنى قوله على سبعة أحرفٍ على أقوال
الأوَّل قال الخليل هي القراءات السَّبع في الأسماء والأفعال المؤلَّفة من الحروف التي تنتظم منها الكلمة فتقرأ على سبعة أحرف؛ أي أوجه، كقوله تعالى {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} [يوسف 12] قرئ على سبعةِ أوجه.
الثَّاني قال أبو العبَّاس أحمدُ بن يحيى سبعة أحرف هي سبع لغات فصيحةٌ من لغات العرب، قريش وهذيل وثقيف وهوازن وكنانة وتميم واليمن.
الثَّالث السَّبع كلها لمضر لا لغيرها، وهي مفرَّقة في القرآن غير مجتمعة في الكلمة الواحدة.
الرَّابع أنَّها تصحُّ في الكلمة الواحدة مثل {أف} بالضم والفتح والكسر مع التنوين وبغير تنوين وبالسكون.
الخامس أن تلك السَّبعة في صورة التِّلاوة كالإدغام والإظهار والتَّفخيم والتَّرقيق والمدِّ والفتح والإمالة، ليقرأ كلٌّ بما يُوافق لغته.
السَّادس أنَّ المراد بالسَّبعة هي سبعةُ أنحاء زجرٌ وأمرٌ وحلالٌ وحرامٌ ومحكمٌ ومتشابهٌ وأمثالٌ.
السَّابع أنَّ المراد بها هو الإعراب الذي يقع في آخر الكلمة؛ لأنَّ الحرف الطرف والإعراب، إنَّما يلزم آخر الأسماء فسمِّي باسم محلِّه فقيل فلان يقرأُ بحرف عاصم؛ أي بالوجه الذي اختاره من الإعراب.
وذكر عن مالك أنَّ المراد به إبدال خواتم الآي، فيجعل مكان
ج 11 ص 272
غفور رحيم سميع بصير، ما لم يبدل آية رحمة بعذابٍ أو عكسه.
الثَّامن أنَّ المراد من سبعة أحرف الحروف والأسماء والأفعال المؤلَّفة من الحروف التي ينتظم منها كلمة فتقرأ على سبعة أحرف، نحو {عَبَدَ الطَّاغُوتَ} و {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} قرئ على سبعة أوجه.
التَّاسع أنها هي سبعة أوجه من المعاني المتَّفقة المتقاربة، نحو أقبل وتعالَ وهلمَّ. وعن مالك إجازة القراءة بما ذكر عن عمر رضي الله عنه (( فأنصتوا إلى ذكر الله ) )، قيل أراد به أنَّه لا بأس بقراءته على المنبر كما فعل عمر رضي الله عنه.
العاشر ما قاله بعض المتأخِّرين _ أعني ابن قُتَيبة _ من أنَّه تدبَّرت وجوه الاختلاف في القراءات فوجدتها سبعة. منها ما يتغير حركته ويبقى معناه وصورته، نحو {هُنَّ أَطْهَرُ} [هود 78] و {أطهرَ} ، بالرفع والنصب. ومنها ما يتغيَّر معناه وحركاته ولا تتغير صورته، مثل {ربَّنا بَعِّدْ} {ربَّنا بَعَّدَ} [سبأ 19] .
ومنها ما يتغيَّر معناه بالحروف، ولا تتغيَّر صورته وحركاته، نحو {نُنْشِزُهَا} [البقرة 259] و {ننشرها} . ومنها ما تتغيَّر صورته دون معناه، نحو {كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} [القارعة 5] ، قرأ سعيدُ بن جُبير {كالصُّوف} . ومنها ما تتغير صورته ومعناه مثل {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} [الواقعة 29] ، قرأ علي رضي الله عنه {وطلع} .
ومنها التَّقديم والتَّأخير مثل {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق 19] ، قرأ أبو بكر وطلحة رضي الله عنهما {وجاءت سكرة الحق بالموت} .
ومنها الزِّيادة والنُّقصان مثل {تسع وتسعون نعجة أنثى} في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه. وقيل النَّاسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمجمل والمبيَّن والمفسَّر. وقيل الأمر والنَّهي والطَّلب والدُّعاء والخبر والاستخبار والزَّجر. وقيل الوعد والوعيد، والمطلق والمقيَّد، والتفسير والإعراب والتَّأويل.
وهذه الأقوال غير صحيحة، فإنَّ الصَّحابة الذين اختلفوا وترافعوا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في حديث عمر وهشام رضي الله عنهما لم يختلفوا في تفسيره، ولا في أحكامهِ، وإنَّما اختلفوا في قراءة حروفهِ، وكذا الأقوال السَّابقة كلها لا يخلو عن شبهةٍ.
وأكثر العلماء على أنَّها لغات وكلها لقريش، وأنَّها مفرقة في القرآن غير مجتمعة في كلمةٍ واحدة، فإنَّ عمر بن الخطَّاب وهشام بن حكيم رضي الله عنهما
ج 11 ص 273
اختلفا في قراءة سورة الفرقان وكلاهما قرشيَّان من لغة واحدة، وقبيلة واحدة. ومعلوم أنَّه ليس في كلِّ كلمةٍ سبعة أوجه، بل هي مُتَداخلة.
وقال القاضي عياض السَّبعة توسعة وتسهيل، لم يقصدْ به الحصر ليقرأَ كلٌّ بما يوافق لغته، ويسهل على لسانه، فلا يُكلّف القرشي الهمز، واليمني تركه، والأسدي فتح حرف المضارعة، والتَّفصيل في ذلك موكولٌ إلى كتب القراءات المفصَّلة كـ «النَّشر الكبير» ، و «المرشد الوجيز» وغيرهما.
فإن قيل كيف يجوزُ إطلاق العدد على نزول الآية، وهي إذا نزلت مرَّة حصلتْ كما هي، إلَّا أن تُرفعَ، ثم تنزل بحرف آخر؟
فالجواب أنَّ جبريل عليه السَّلام كان يُدارس رسولَ الله صلى الله عليه وسلم القرآن في كلِّ رمضان، ويُعارضه إيَّاه، فنزل في كلِّ عرضةٍ بحرفٍ، ولهذا قال (( أقرأني جبريلُ عليه السَّلام على حرفٍ فراجعته، فلم أزل أستزيده حتَّى انتهى إلى سبعة أحرف ) ).
واختلف الأصوليُّون هل يُقرأ اليوم على سبعة أحرف، فمنعه الطَّبري وغيره، وقال إنَّما يجوز بحرفٍ واحدٍ اليوم، وهو حرفُ زيد رضي الله عنه، ونحى إليه القاضي أبو بكر.
وقال الشَّيخ أبو الحسن الأشعري والشَّيخ أبو منصور الماتريدي أجمع المسلمون على أنَّه لا يجوز حظر ما وسَّعه الله تعالى من القراءات بالأحرف التي أنزلها الله تعالى، وبقي تلاوتها وتواترتْ، ولا يسوغ للأمَّة أن تمنعَ ما يطلقه الله تعالى، بل هي موجودة في قراءتنا مفرَّقة في القرآن غير معلومة بأعيانها، فيجوزُ أن يقرأ بكلِّ ما نقله أهل التَّواتر من غير تمييز حرف من حرف، بأن يُحفظَ حرف نافع ويُتركُ حرف الكسائي وحمزة مثلًا، ولا حرج في ذلك؛ لأنَّ الله تعالى أنزلها تيسيرًا على عبدِهِ، ورفقًا بهم.
وقال الخطَّابيُّ الأشبهُ فيه ما قيل إنَّ القرآن أنزل مُرَخصًا للقارئ بأن يقرأَ بسبعةِ أحرفٍ على ما تيسَّر، وذلك إنَّما هو فيما اتَّفق فيه المعنى أو تقاربَ، وهذا قبل إجماع الصَّحابة رضي الله عنهم، فأمَّا الآن فلا يسعهمْ أن يقرؤه على خلاف ما أجمعوا عليه.
قال الدَّاوديُّ هذه القراءات السَّبع التي يُقرأ بها اليوم ليس كل واحدة منها أحد تلك السَّبعة الأحرف، بل هي مفرَّقة فيها. وقال ابنُ أبي صفرة هذه السَّبع إنَّما شُرعت من حرف واحدٍ من السَّبعة المذكورة في الحديث، وهو الذي جمعَ عليه عثمان رضي الله عنه،
ج 11 ص 274
والله أعلم.
وفي الحديث انقياد هشام لعمر رضي الله عنهما لعلمه بأنَّ عمر رضي الله عنه لم يُرِد إلَّا خيرًا. وفيه ما كان عمر رضي الله عنه عليه من الصَّلابة في الدِّين، وكان هشام رضي الله عنه من أصلب النَّاس بعده. وكان عمر رضي الله عنه إذا كره شيئًا يقول لا يكون هذا ما بقيتُ أنا وهشام بن حكيم.
وفيه مشروعيَّة القراءة بما تيسَّر عليه دون أن يتكلَّف، وهو معنى قول النَّبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث (( فاقرؤوا ما تيسَّر منه ) ).
ثمَّ إنَّه روى البخاري هذا الحديث في «فضائل القرآن» [خ¦4992] من حديث عُقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن المسور وعبد الرَّحمن بن عبدٍ القاري، عن عمر رضي الله عنه.
قال الدَّارقطني رواه عبد الأعلى، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن ابن شهاب، عن عروة، عن المسور، عن عمر رضي الله عنه. ورواه مالك بإسقاط المسور، وكلها صحاح عن الزُّهري، ورواه يحيى ابن بُكير عن مالك فقال عن هشام. ووهم، والصَّحيح ابن شهاب، وقد أخرجه البخاري في «التَّوحيد» [خ¦7550] ، وفي «استتابة المرتدِّين» أيضًا [خ¦6936] .
وأخرجه مسلم في «الصَّلاة» ، وكذا أبو داود فيه، وأخرجه التِّرمذي في «القراءة» ، والنَّسائي في «الصَّلاة» وفي «فضائل القرآن» .