2434 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) بن عبد ربِّه، أبو زكريَّا السَّختياني البلخيُّ، يقال له خَت، قال (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن بن عَمرو (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) واسم أبي كثيرٍ صالح (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وهذا الإسناد من غريب الأسانيد، إذ كلُّ واحدٍ من رواته صرَّح بالتَّحديث، وفيه ثلاثةٌ من المدلِّسين على نسقٍ واحدٍ، وإنَّ شيخه من أفراده، وإنَّ الوليد والأوزاعي شاميَّان ويحيى يمانيٌّ، وأبو سلمة مدنيٌّ، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصَّحابي أنَّه (قَالَ لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ) ظاهره أنَّ الخطبة وقعت عقيب الفتح، وليس كذلك بل وقعت بعد الفتح عقيب قتل رجلٍ من خزاعة رجلًا من بني ليث، يدلُّ عليه أنَّ البخاريَّ أخرج هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه من وجهٍ آخر في «كتاب العلم» أنَّ خزاعة قتلوا رجلًا من بني ليث عام فتح مكَّة بقتيلٍ منهم قتلوه، فأخبر بذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم فركب راحلته فخطب فقال (( إنَّ الله قد حبسَ عن مكَّة الفيل ) )الحديث [خ¦112] ، ففي السِّياق حذف هذا بيانه
(فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْقَتْل) بالقاف والمثناة الفوقية في رواية الأكثرين وبالفاء والمثناة التحتية في رواية الكُشميهني، والمراد به الفيل الذي أخبر الله في كتابه في سورة {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل 1] .
(وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ
ج 11 ص 305
وَالْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهَا لاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي) «لا» هنا بمعنى «لم» (وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي) والمراد حلُّ القتال فيها (فَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا) على صيغة المجهول من التَّنفير، يقال نَفَر يَنْفِر نُفُورًا نِفَارًا، إذا فرَّ وذهب (وَلاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا وَلاَ تَحِلُّ) على البناء للفاعل (سَاقِطَتُهَا) أي لقطتها (إِلاَّ لِمُنْشِدٍ) أي لمعرِّف، وأمَّا الطَّالب فيُقال له النَّاشد تقول نشدت الضَّالة إذا طلبتها، وأنشدتها إذا عرَّفتها، وأصل الإنشاد والنَّشيد رفع الصَّوت، والمعنى لا تحلُّ لقطتها إلَّا لمن يريد أن يعرِّفها فقط، فأمَّا من أراد أن يعرِّفها ثمَّ يتملَّكها فلا.
وقد تقدَّم الكلام على هذه المسألة في «كتاب الحج» [خ¦1833] .
(وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ) أي مشرفٌ على القتل، ويحتمل أن يكون حقيقةً، ويراد به القتيل الذي صار قتيلًا بهذا القتل، لا بقتل سابقٍ موجبٍ لتحصيل الحاصل، والحمل على المجاز، قاله الكرمانيُّ، فافهم.
وقد مرَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما قال هذا لمَّا أُخبر أنَّ خزاعة قتلوا رجلًا من بني ليث عام فتح مكَّة بقتيل منهم؛ أي بسبب قتيل منهم [1] .
(فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ) أي بخير الأمرين من القصاص والدِّية فأيُّهما اختار كان له كما قال صلى الله عليه وسلم (إِمَّا أَنْ يُفْدَى) على صيغة البناء للمفعول؛ أي يُعطى له الفدية؛ أي الدية، وفي رواية للبخاريِّ وغيره (( إمَّا أن يودَي له ) )من وَدَيْت القتيل أَدِيه دية، إذا أعطيت ديته.
(وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ) أي يقتصُّ من القود وهو القصاص، وفي رواية (فَقَالَ الْعَبَّاسُ إِلاَّ الإِذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ الإِذْخِرَ فَقَامَ أَبُو شَاهٍ) بالهاء لا غير، قال النَّووي وقد جاء في بعض الرِّوايات بالتاء، وكذا عن ابن دِحية، وفي «المطالع» وشاه بالفارسيَّة ملك، ويجمع على شاهان، وقد ورد النَّهي عن القول بشاهِنْشاه، أصله شاهان شاه؛ يعني ملك الملوك، ويقدَّم المضاف إليه على المضاف في اللغة الفارسيَّة.
(رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ) بدل من «أبو شاه» أو خبر مبتدأ محذوفٍ (فَقَالَ اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ) قال الوليد بن مسلم
ج 11 ص 306
(قُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ مَا قَوْلُهُ اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وهذا الحديث مشتملٌ على أحكام منها ما يتعلَّق بحرم مكَّة، وقد مرَّ أبحاثه في «كتاب الحجِّ» [خ¦1834] ، ومنها ما يتعلَّق باللُّقطة، وقد مرَّ أبحاثها في «كتاب اللُّقطة» ؛ أعني هذا الكتاب.
ومنها ما يتعلَّق بكتاب أبي شاه، وقد مرَّ في «كتاب العلم» [خ¦112] ، ومنها ما يتعلَّق بالقصاص والدِّية، وهو قوله (( ومن قتل له قتيل ... ) )إلى آخره.
وقد اختلفوا فيه فقيل من قتل له قتيلٌ فهو بالخيار بين أن يعفو، أو يأخذ الدِّية، أو يقتصُّ رضي بذلك القاتل أو لم يرضَ، وهو مذهب سعيد بن المسيَّب ومحمَّد بن سيرين ومجاهد والشَّعبي والأوزاعي، وإليه ذهب الشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال ابنُ حزم صحَّ هذا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ورُوِي عن عمر بن عبد العزيز، واحتجُّوا في ذلك بالحديث المذكور. وقال إبراهيم النَّخعي وعبد الله بن ذكوان وسفيان الثَّوري وعبد الله بن شبرمة والحسن بن حيٍّ وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمَّد رحمهم الله ليس لوليِّ المقتول أن يأخذ الدِّية إلَّا برضى القاتل، وليس له إلَّا القَوَد أو العفو.
واحتجَّ هؤلاء بما رواه البخاريُّ عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ الرُّبَيِّع بنت النضر عَمْته لطمتْ جارية فكُسِر سنُّها، فعرضوا عليهم الأرش فأبوا، فطلبوا العفو فأبوا، فأتوا النَّبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بالقصاص، فجاء أخوه أنس بن النَّضر فقال يا رسول الله! أَتُكْسر سنُّ الرُّبيِّع، والذي بعثك بالحقِّ لا تُكسر سنُّها، فقال يا أنس! كتاب الله القصاص، فعفا القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ من عباد الله لو أقسم على الله لأبرَّه ) ) [خ¦2703] .
فثبت بهذا الحديث أنَّ الذي يجب بكتاب الله ورسوله في العمد هو القصاص؛ لأنَّه لو كان للمجني عليه الخيار بين القصاص وبين أخذ الدِّية، إذًا لجبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ولَمَا حكم بالقصاص بعينه، فإذا كان كذلك وجب أن يحملَ قوله (( فهو بخير النَّظرين، إمَّا أن يفدي، وإمَّا أن يُقِيْد ) )على أخذ الدِّية برضا القاتل، حتَّى تتَّفق معاني الآثار.
ويُؤيِّده ما رواه البخاريُّ أيضًا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما
ج 11 ص 307
[خ¦4498] قال كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدِّية، فقال الله لهذه الأمَّة {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} الآيةَ [البقرة 178] .
قوله {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} ، فالعفو أن يقبل الدِّية في العمد، قوله {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة 178] يعني ممَّا كتب على من كان قبلكم، أو نقول التَّخيير من الشَّرع تجويز الفعلين، وبيان المشروعيَّة فيهما، ونفيَ الحرج عنهما، كقوله صلى الله عليه وسلم في الربويَّات إذا اختلف الجنسان (( فبيعوا كيف شئتُم ) ) [خ¦2175] معناه تجويز البيع مفاضلةً ومماثلةً، بمعنى نفي الحرج عنهما، وليس فيه أن يستقلَّ به دون رضا المشتري، فكذا هنا جوَّز القصاص وجواز أخذ الدِّية، وليس فيه استقلالٌ يستغني به عن رضا القاتل.
فإن قيل قد أخبر الله تعالى في الآية المذكورة أنَّ للولي العفو واتِّباع القاتل بإحسانٍ فيأخذ الدِّية من القاتل، وإن لم يكن اشترط ذلك في عفوه.
فالجواب أنَّ العفو في اللُّغة البذل قال تعالى {خذ العفو} [الأعراف 199] أي ما سهل فإذًا يكون المعنى فمن بُذِل له شيءٌ من الدِّية فليقبل، والبذل لا يجب إلَّا برضا من يجب له.
ثمَّ مطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قوله (( ولا تحلُّ ساقطتها إلَّا لمنشدٍ ) )، والحديث أخرجه مسلم في «الحجِّ» ، وكذا أبو داود فيه إلَّا أنَّه لم يذكر قصَّة أبي شاه، وفي «العلم» مختصرًا، وفي «الدِّيات» أيضًا ببعضه، والتِّرمذي في «الدِّيات» ، وفي «العلم» ، والنَّسائي في «العلم» ، وابن ماجه في «الدِّيات» ببعضه أيضًا، والله أعلم.
[1] من قوله (( وقد مر أنه ... إلى قوله بسبب قتيل منهم ) )ليست في (خ) .