فهرس الكتاب

الصفحة 3840 من 11127

2452 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بنُ نافع الحمصي، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة الحمصىُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هو ابنُ عبد الله بن عوفٍ ابن أخي عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ) وقد يُنسب إلى جدِّه وهو مدنيٌّ، وقد نسبه المزِّي أنصاريًّا أيضًا. قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أرَ ذلك في شيءٍ من طرق حديثه، بل في رواية ابن إسحاق ما يدلُّ على أنَّه قرشيٌّ، وقد ذكر الواقديُّ فيمن قُتل بالحرَّة عبدَ الملك بن عبد الرَّحمن بن عَمرو بن سهل بن عبد شمس بن عبد ودِّ بن نصر العامري القرشي فافهم، وليس لعبد الرَّحمن هذا في «صحيح البخاري» سوى هذا الحديث الواحد.

(أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ) أي ابن عَمرو بن نُفيل القرشيِّ، أحد العشرة المبشرة بالجنَّة أسلم قديمًا وكان مجاب الدَّعوة، رُوِي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وأربعون حديثًا، للبخاريِّ منها ثلاثة أحاديث، مات سنة إحدى وخمسين، وغسَّله ابن عمر رضي الله عنهما وصلَّى عليه، ونزلَ في قبره.

وفي هذا السَّند ثلاثةٌ من التَّابعين في نسقٍ واحدٍ، وهم الزُّهري وطلحة وعبد الرَّحمن، وقد أسقط بعض أصحاب الزُّهري في روايتهم عنه هذا الحديث عبدَ الرَّحمن بن عَمرو بن سهل، وجعلوه

ج 11 ص 350

من رواية طلحة عن سعيد بن زيدٍ نفسه، وفي «مسندي» أحمد وأبي يَعلى و «صحيح ابن خزيمة» من طريق ابن إسحاق حدَّثني الزُّهري، عن طلحة بن عبد الله قال أتتني أروى بنتُ أويس في نفرٍ من قريش فيهم عبد الرَّحمن بن سهل، فقالت إنَّ سعيدًا انتقصَ من أرضي إلى أرضه ما ليس له، وقد أحببتُ أن تأتوه فتكلِّموه، قال فركبنا إليه وهو بأرضهِ بالعقيق، فذكر الحديث.

ويمكن الجمع بين الرِّوايتين بأن يكون طلحةَ سمع هذا الحديث من سعيد بن زيدٍ أيضًا، فلذلك كان ربَّما أدخله في السَّند، والله أعلم.

وقال الكرمانيُّ رُوِي أنَّ مروان أرسل إلى سعيد ناسًا يكلِّمونه في شأن أَرْوَى _ بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الواو وبالألف _ بنت أُويس _ بضم الهمزة _ وكانت شكته إلى مروان في أرضٍ، فقال سعيد تروني ظلمتها، وقد سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ... الحديث، فترك سعيد لها ما ادَّعت، وقال اللَّهمَّ إن كانت كاذبةً فلا تمتها حتَّى تُعمِي بصرها، وتجعل قبرها في بئرٍ، قالوا فوالله ما ماتت حتَّى ذهب بصرها، وجعلت تمشي في دارها فوقعت في بئرها.

(رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا) وسيأتي في «بدء الخلق» [خ¦3198] إن شاء الله تعالى من طريق عروة عن سعيدٍ أنَّه خاصمته أروى في حقٍّ زعمت أنَّه انتقصه لها إلى مروان بن الحكم، ورُوِي من طريق محمَّد بن زيد عن سعيد أنَّ أروى خاصمته في بعض داره فقال دعوها وإيَّاها.

وللزُّبير في كتاب «النسب» من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه، والحسن بن سفيان من طريق أبي بكر بن محمَّد بن حزم استَعْدتْ أروى بنتُ أويس مروانَ بن الحكم وهو والي المدينة على سعيد بن زيدٍ في أرضه بالشَّجرة، وقالت إنَّه أخذ حقِّي وأدخل ضفيرتي في أرضه، فذكره.

وفي رواية العلاء فترك سعيد ما ادَّعت، ولابن حبَّان والحاكم من طريق أبي سلمة بن عبد الرَّحمن في هذه القصَّة، وزاد فقال لنا مروان أصلحوا بينهما، ثمَّ إنَّه في رواية عروة في «بدء الخلق» [خ¦3198] «من أخذَ شبرًا من الأرض ظلمًا» .

وفي حديث عائشة رضي الله عنها ثاني أحاديث الباب [خ¦2453] (( قِيْد شبرٍ ) )وهو بكسر القاف وسكون التحتانية؛ أي قدره، وكأنَّه ذكر الشِّبر إشارةً إلى استواء

ج 11 ص 351

القليل والكثير في الوعيد.

(طُوِّقَهُ) بضم أوله على البناء للمفعول، وفي رواية عروة (( فإنَّه يطوَّقه ) )، ولأبي عَوانة والجوزقيِّ في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( جاء به مقلده ) ).

(مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ) بفتح الراء ويجوز إسكانها، وزاد مسلمٌ من طريق عروة، ومن طريق محمَّد بن زيد أنَّ سعيدًا قال اللهمَّ إن كانت كاذبة فأَعْم بصرها، واجعل قبرها في دارها. وفي رواية العلاء وأبي بكر نحوه، وزاد قال وجاء سيلٌ فأبدى عن ضفيرتها، وإذا حقَّها خارجًا من حقِّ سعيد، فجاء سعيدٌ إلى مروان فركب معه والنَّاس حتَّى نظروا إليها، وذكروا كلُّهم أنَّها عميت وأنَّها سقطت في بئرها فماتت، كما تقدَّم.

قال الخطَّابي قوله «طوِّقه» ، له وجهان

أحدهما أنَّه يُكلَّف نقل ما ظلم منها في القيامة إلى المحشر، فيكون كالطَّوق في عنقه لا أنَّه طوِّقه حقيقةً.

والآخر أنَّه يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين؛ أي فيكون كلُّ أرضٍ في تلك الحالة طوقًا في عنقه، ويؤيده حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما ثالث أحاديث الباب بلفظ «خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين» [خ¦2454] وهذا بعد موته أو في حشره.

وقيل معناه كالأوَّل لكن بعد أن ينقلَ جميعه يجعل كله في عنقه طوقًا، ويعظم قدر عنقه حتَّى يسع ذلك، كما ورد في غلظ جلد الكافر، وعظم ضرسه. حكاه النَّووي.

وقد روى الطَّبري في «تهذيبه» ، وابن حبَّان من حديث يَعلى بن مرَّة سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( أيُّما رجلٍ ظلم شبرًا من الأرض كلَّفه الله أن يحفرَه حتَّى يبلغَ آخر سبع أرضين ثمَّ يُطوَّقه يوم القيامة حتَّى يُقضَىَ بين النَّاس ) ). وفي رواية عنه (( من سرق شبرًا من أرضٍ أو غلةٍ جاء يحتمله يوم القيامة على عنقه إلى سبعِ أرضين ) )، وفي رواية (( كلِّف أن يحمل ترابها إلى المحشر ) ).

ولأبي يَعلى بإسنادٍ حسنٍ عن الحكم بن الحارث السلمي مرفوعًا (( من أخذَ من طريق المسلمين شبرًا جاءَ يوم القيامة يحمله ) ).

ويحتمل وهو الوجه الرَّابع أن يكون المراد بقوله «يطوَّقه» يكلَّف أن يجعله طوقًا، ولا يستطيع ذلك فيعذَّب بذلك، كما جاء في حقِّ من كذبَ في منامه كلِّف أن يعقدَ شعيرةً.

قال ابن الجوزيِّ هو من تطويق التَّكليف لا من التَّقليد، وليس ذلك بممتنعٍ فإنَّه صحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( لا ألفينَّ أحدكُم يأتي على رقبتهِ بعيرًا أو شاةً ) ).

ويحتمل وهو الوجه الخامس أن يكون التَّطويق بطريق الإثم، والمراد به أنَّ الظُّلم المذكور لازمٌ له في عنقه لزوم الإثم، ومنه قوله تعالى {أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء 13]

ج 11 ص 352

وبالوجه الأوَّل جزم أبو الفتح القُشيري، وصحَّحه البغويُّ.

ويحتمل أن تتنوَّع هذه الصِّفات لصاحب هذه الجناية، أو ينقسم أصحاب هذه الجناية فيعذَّب بعضهم بهذا وبعضهم بهذا، بحسب قوَّة المفسدةِ وضعفها.

وقد روى ابنُ أبي شيبة بإسنادٍ حسنٍ من حديث أبي مالكٍ الأشعريِّ (( أعظم الغلول عند الله يوم القيامة ذراع أرضٍ يسرقه رجلٌ فيطوَّقه من سبعِ أرضين ) ).

وفي الحديث تحريم الظُّلم والغصب وتغليظ عقوبته وأنَّه من الكبائر، قاله القرطبيُّ، وكأنَّه فرَّعه على أنَّ الكبيرة ما ورد فيه وعيدٌ شديدٌ.

وفيه أيضًا أنَّ من ملك أرضًا ملك أسفلها إلى منتهاها، وله أن يمنعَ من حفر تحتها سربًا أو بئرًا سواء أضرَّ ذلك بأرضه أو لا، قاله الخطَّابي.

وقال ابن الجوزيِّ لأنَّ حكم أسفلها تابعٌ لأعلاها، وفيه أيضًا أنَّ من ملك ظاهرها ملك باطنها بما فيه من حجارةٍ أو أبنيةٍ ومعادن وغير ذلك.

وقال القرطبيُّ وقد اختلف فيما إذا حفر أرضه فوجد فيها معدنًا أو شبهه، فقيل هو له، وقيل بل للمسلمين على ما فُصَّل في كتب الفروع، وعلى ذلك فله أن ينزلَ بالحفر ما شاء ما لم يضرَّ بمن يجاوره، وكذلك له أن يرفعَ في الهواء المقابل لذلك القدر من الأرض من البناء ما شاء ما لم يضرَّ بأحدٍ.

واستدلَّ به الدَّاودي على أنَّ الأرضين السَّبع متراكمةٌ لم يفتق بعضُها من بعضٍ قال لأنَّها لو فتقت لم يطوَّق منها ما ينتفع به غيره، وقيل بين كلِّ أرضٍ وسماء خمسمائة عامٍ، مثل ما بين كلِّ سماء وسماء.

وفيه أيضًا أنَّ الأرضين سبع طباقٍ كالسَّموات، كما قال تعالى {وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} خلافًا لمن قال إنَّ المراد بقوله «سبع أرضين» سبعة أقاليم؛ لأنَّه لو كان كذلك لم يطوَّق الغاصبُ شبرًا من إقليمٍ شبرًا آخر، قاله ابن التِّين وهو والذي قبله مبنيٌّ على أنَّ العقوبة متعلِّقة بما كان سببها، وإلَّا مع قطع النَّظر عن ذلك لا تلازم بينهما.

وقال الكرمانيُّ وفيه غصب الأرض خلافًا للحنفيَّة، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الكرمانيَّ رمى كلامه جزافًا من غير وقوفٍ على مذهب

ج 11 ص 353

الحنفيَّة، فإنَّ في مذهبهم خلافًا فعند أبي حنيفة وأبي يوسف الغصب لا يتحقَّق إلَّا فيما يُنقل ويحوَّل؛ لأنَّ إزالة اليد بالنَّقل، ولا نقل في العقار فإذا غَصَب عقارًا فهلك في يده لا يضمن. وقال محمَّد يضمن، وهو قول أبي يوسف الأوَّل وبه قال زفر والشَّافعي ومالك وأحمد؛ لأنَّ الغصب عندهم يتحقَّق في العقار والخلاف في الغصب لا بالإتلاف.

وبعض مشايخنا قالوا يتحقَّق الغصب في العقار أيضًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف لكن لا على وجهٍ يُوجب الضَّمان، والأكثرون على أنَّه لا يتحقَّق في العقار أصلًا.

والاستدلالُ بحديث الباب على ما ذهبوا إليه غير مستقيمٍ؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم جعل جزاء غصب الأرض التَّطويق يوم القيامة، ولو كان الضَّمان واجبًا لبيَّنه؛ لأنَّ الضَّمان من أحكام الدُّنيا، فالحاجة إليه أمسُّ والمذكور جميع جزائه، فمن زاد عليه كان نسخًا وذا لا يجوز بالقياس، وإطلاق لفظ «الغصب» عليه لا يدلُّ على تحقُّق الغصب الموجب للضَّمان، كما أنَّه صلى الله عليه وسلم أطلق لفظ «البيع» في قوله «من باع حرًّا» [خ¦2227] ، والحرُّ لا يباع فكما أنَّه لا يدلُّ على تحقُّق البيع الموجب لأحكامه كذلك لا يدلُّ، على أنَّه جاء في الصَّحيح بلفظ «أخذ» فقال (( من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا فإنَّه يطوِّقه الله يوم القيامة من سبع أرضين ) ) [خ¦3198] ، فعلم أنَّ المراد من الغصب الأخذ ظلمًا لا غصبًا موجبًا للضَّمان.

فإن قيل إنَّ قوله «على اليد ما أخذت حتى تردُّ» ، يدلُّ على ذلك بإطلاقه، والتَّقييد بالمنقول خلافه.

فالجواب أنَّه مجازٌ؛ لأنَّ الأخذ حقيقةً لا يتصوَّر في العقار؛ لأنَّ حدَّ الأخذ أن يصيرَ المأخوذ تبعًا ليده، فافهم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ؛ لأنَّ قوله في التَّرجمة «شيئًا» ، يتناول قدر شبرٍ فما فوقه وما دونه.

فائدة أَرْوى _ بفتح الهمزة وسكون الراء _ والقصر باسم الحيوان الوحشيِّ المشهور، وفي المثل يقولون إذا دعوا كعمى الأروى، قال الزُّبير كان أهل المدينة إذا دعوا قالوا أعماه الله كعمى أروى، يريدون هذه القصَّة، قال ثمَّ طال العهد فصار أهل الجهل يقولون كعمى الأروى، يريدون الوحش الذي بالجبل، ويظنُّونه أعمى شديدَ العمى، وليس كذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت