فهرس الكتاب

الصفحة 3880 من 11127

2475 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) بضم المهملة وفتح الفاء، وقد مرَّ في «العلم» [خ¦71] قال (حَدَّثَنا اللَّيْثُ) أي ابنُ سعد (حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ) بضم العين، ابن خالد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ) جملة اسميَّة وقعت حالًا (وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ) قال ابن مالك فيه حذف الفاعل؛ أي لا يشرب الشارب، وورد (( لا يشربِ الخمر ) )بكسر الباء على معنى النَّهي؛ يعني إذا كان مؤمنًا فلا يفعل ذلك (حِينَ يَشْرَبُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ) الكلام فيه كالكلام في قوله «ولا يشربِ» (وَلاَ يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ) أي إلى المنتهب بقرينة قوله (( ولا ينتهب ) ) (فِيهَا) أي في النُّهبة (أَبْصَارَهُمْ) بالنصب مفعول «يرفع» (حِينَ يَنْتَهِبُهَا) أي وقت انتهابها (وَهْوَ مُؤْمِنٌ) جملة حاليَّة، وروى ابنُ أبي شيبة بإسناده عن ابنِ أبي أوفى يرفعه (( ولا ينتهب نهبة ذات شرفٍ يرفع المسلمون إليها رؤوسهم وهو مؤمن ) ).

وروى مسلم من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وسعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا يزني الزاني ... ) )الحديث. وفيه قال ابن شهاب فأخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، أنَّ أبا بكر كان يحدِّثه هؤلاء عن أبي هريرة رضي الله عنه، ثمَّ يقول وكان أبو هريرة يُلحق معهنَّ (( ولا ينتهب نهبةً ذات شرفٍ يرفع الناس إليه فيها

ج 11 ص 404

أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمنٌ )) .

ثمَّ رُوِي من حديث عُقيل بن خالد قال قال ابن شهاب أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا يزني الزاني ... ) )الحديث مع ذكر النَّهبة ولم يقل ذات شرفٍ. ثمَّ قال وقال ابن شهاب حدَّثني سعيد بن المسيِّب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي بكر هذا إلَّا النهبة.

قوله (( وكان أبو هريرة يُلحق ) )بضم الياء، من الإلحاق.

قوله (( معهنَّ ) )أي مع قوله (( لا يزني ) )، وقوله (( لا يشرب ) )، وقوله (( لا يسرق ) )، قوله (( ولا ينتهب ) )، في محلِّ المفعولية لقوله «ويُلحِق» ، على سبيل الحكاية.

وقال النوويُّ ظاهر هذا أنَّه من كلام أبي هريرة موقوفٌ عليه، ولكن جاء في رواية أخرى ما يدلُّ على أنَّه من كلام النَّبي صلى الله عليه وسلم، وجمع الشيخ أبو عَمرو بن الصَّلاح بينهما بأن معنى قوله وكان أبو هريرة يُلحق معهنَّ (( ولا ينتهب ... ) )إلى آخره أنَّه يلحقها روايةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا من عند نفسه.

واختصاصُ أبي بكر بهذا لكونه بلغه أنَّ غيره لا يرويها.

قوله (( ذات شرف ) )في الأصول المشهورة المتداولة _ بالشين المعجمة المفتوحة _ ومعناه ذات قدرٍ عظيم، وقيل ذات استشراف ليستشرفَ الناس لها ناظرين إليها رافعين أبصارهم.

وقال القاضي عياض ورواه إبراهيمُ الجويني _ بالسين المهملة _ وقال الشيخ أبو عَمرو وكذا قيَّده بعضهم في كتاب مسلم وقال معناه أيضًا ذات قدرٍ عظيم.

ولا معارضة بين هذا الحديث وحديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه (( من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ) )، ونظائره مع قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [آل عمران 611] ومع إجماع أهل الحقِّ على أنَّ الزاني والسَّارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشِّرك لا يكفرون بذلك؛ لأنَّ أمثال هذه الألفاظ الواردة في حديث الباب تُطلق على نفي كمال الشَّيء، كما يُقال لا علم إلَّا ما نفع، ولا مالَ إلَّا الإبل، ولا عيشَ إلَّا عيشُ الآخرة.

ومثل هذا التَّأويل ظاهر

ج 11 ص 405

شائع سائغ في اللُّغة والشَّرع يستعمل كثيرًا؛ أي لا يكون كاملًا في الإيمان حال كونه زانيًا، أو هو من باب التَّغليظ كقوله تعالى {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران 97] يعني أنَّ هذه الخصال ليست من صفات المؤمنين.

وقال الخطابيُّ المراد من فَعَل ذلك مستحلًّا له، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما معناه أنَّه نُزِعَ منه نور الإيمان، أو نُفِي عنه اسم الثَّناء بالإيمان دون نفس الإيمان. وقد يكون المراد به الإنذار بزوالِ الإيمان إذا اعتادها، فمَن حام حول الحمى يُوشك أن يقعَ فيه.

(وَعَنْ سَعِيدٍ) أي ابن المسيِّب (وَأَبِي سَلَمَةَ) هو ابنُ عبد الرَّحمن بن عوف (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ إِلاَّ النُّهْبَةَ) أشار بهذا إلى أنَّ الزهريَّ روى هذا الحديث عن هؤلاء الثَّلاثة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وانفرد أبو بكر بن عبد الرَّحمن بزيادة ذكر النُّهبة فيه، ولم يذكر سعيد وأبو سلمة حكم الانتهاب، وإنَّما ذكر الزِّنا والسَّرقة والشُّرب فقط، وقد مرَّ آنفًا عن مسلم أنَّه أخرج في هذا الحديث وقال وقال ابن شهابٍ حدَّثني سعيد بن المسيِّب، وأبو سلمة بن عبد الرَّحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي بكر هذا إلَّا النُّهبة.

وذكر مسلم أيضًا من طريق الأوزاعي أنَّ الزهري روى عن ابن المسيِّب وأبي سلمة، وأبي بكر بن عبد الرَّحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ... الحديث، وفيه وذكر النُّهبة ولم يقل ذات شرف.

قال الحافظ العسقلانيُّ وكان الأوزاعي حمل رواية سعيدٍ وأبي سلمة على رواية أبي بكر، والذي فَصَّلَها أحفظُ منه فهو المحفوظ.

(قَالَ الفَرْبَرِيُّ) هو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الرَّاوي عن البخاري (إِنِّيْ وَجَدْتُ بِخَطِّ أَبِي جَعْفَرٍ) هو ابنُ أبي حاتم ورَّاق البخاري (قَالَ أَبُو عَبْدِ الله) هو البخاريُّ نفسه (تَفْسِيرُهُ) أي تفسير قوله (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) ) (أَنْ يَنْزِعَ مِنْهُ نُوْرَ الإِيْمَانِ) وهو التَّصديق بالجنان والإقرار باللِّسان، ونوره الأعمال الصَّالحة والاجتناب عن المعاصي، فإذا زنا أو شرب الخمر أو سرقَ يذهب نوره، فإذا

ج 11 ص 406

ذهبَ نوره يبقى صاحبه في الظُّلمة.

وقيل إنَّ في هذا الحديث تنبيهًا على جميع أنواع المعاصي وتحذيرًا منها، فنبَّه بالزِّنا على جميع الشَّهوات، وبالخمر على جميع ما يصدُّ عن الله تعالى، ويوجبُ الغفلة عن حقوقه، وبالسَّرقة على الرَّغبة في الدُّنيا والحرص على الحرام، وبالنُّهبة على الاستخفاف بعباد الله تعالى، وترك توقيرهم والحياء منهم، وجمع الدُّنيا من غير وجهها.

ومطابقة الحديث للترجمة في قوله (( ولا ينتهب نهبةً يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمنٌ ) )، فإنَّ رفع البصر إليه لا يكون عادة إلَّا عند عدم الإذن، وهذا هو فائدة ذكر الرفع. فلا يَرِدُ أنَّه لا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة فإنَّ الترجمة مقيَّدة بغير الإذن، والحديث مطلق، وقد أخرج هذا الحديث المؤلِّف في «الحدود» أيضًا [خ¦6772] .

وأخرجهُ مسلمٌ في «الإيمان» ، والنسائي في «الأشربة» وفي «الرجم» ، وابن ماجه في «الفتن» .

وفي الباب عن جابر رضي الله عنه، أخرجه أبو داود من طريق أبي الزُّبير عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من انتهب نهبةً فليس منَّا ) ).

وعن عمران بن الحصين أخرجه ابن حبَّان عنه مثله.

وعن أنسٍ رضي الله عنه أخرجه الترمذي عنه مثله أيضًا.

وعن زيد بن خالد أخرجه أحمد عنه أنَّه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النُّهبة.

وعند ابن حبَّان عن ثعلبة بن الحكم قال انتهبنا غنمًا للعدوِّ فنصبنا قدورنا فمرَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم بالقدور فأمر بها فأُكفئت، ثم قال (( إنَّ النهبة لا تحلُّ ) ).

وروى ابن أبي شيبة من حديث عاصم بن كُليب، عن أبيه أخبرني رجلٌ من الصَّحابة قال كنَّا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في غزاةٍ فأصابتنا مجاعةٌ، وأصبنا غنمًا، فانتهبناها قبل أن تُقسَمَ فينا، فأتانا النَّبي صلى الله عليه وسلم متوكِّئًا على قوسٍ فأكفأَ قدورنا بقوسه، وقال (( ليست النُّهبة بأحلِّ من الميتة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت