2477 - (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ) المعروف بالنَّبيل (عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) بصيغة التَّصغير (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) بفتحات «سَلَمَة» ، وبفتح همزة «أَكْوَع» وسكون كافها وفتح واوها وبالمهملة، ورجاله ثلاثة قد ذكروا غير مرَّة، وهو من ثلاثيات البخاريِّ، وأخرجه المؤلِّف في «المغازي» [خ¦4196] ، وفي «الأدب» [خ¦6148] ، وفي «الذبائح» [خ¦5497] ، وفي «الدَّعوات» [خ¦6331] .
وأخرجه مسلمٌ في «المغازي» و «الذَّبائح» ، وابن ماجه في «الذَّبائح» .
(أَنَّ رسُولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ) يعني في غزوة خيبر، وكانت سنة سبعٍ ومن خيبر إلى المدينة أربع مراحل (قَالَ عَلَى مَا تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ، قَالُوا عَلَى الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ) الحُمُر بضمتين، جمع حمار، والإِنْسيَّة بكسر الهمزة وسكون النون، وهو المشهور ضدُّ الوحشيَّة؛ أي الحمر الأهليَّة، ونسبت بذلك لاختلاطها بالإنس الذي هو الإنسان، ويروى بفتح الهمزة والنون كما سيجيء من المؤلِّف؛ يعني أنَّها نسبت إلى الأَنَس _ بالفتح _ ضدُّ الوحشيَّة تقول أَنَسْته آَنَسَه إنْسًا وإنَسا، بإسكان النون وفتحها.
(قَالَ اكْسِرُوهَا) أي القدور التي يدلُّ عليها السِّياق (وَأَهْرِيقُوهَا) بسكون الهاء، وجاز تخفيف الهمزة والهاء بحذفهما (قَالُوا أَلاَ نُهْرِيقُهَا) بفتح الهاء وسكونها، وفي بعض النسخ بسكون الهاء وحذف الياء. قال الجوهريُّ هراقَ الماءَ يهَريقه _ بفتح الهاء _ هراقة؛ أي صبَّه، وفيه لغةٌ أخرى أَهْرَاق يُهْرِيق إِهْراقًا، وهمزة الاستفهام في قوله (( ألا نهريقها ) )للاستفهام عن النَّفي، ويروى (( لا نهريقها ) )بدون كلمة الاستفهام.
(وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (اغْسِلُوا) ويروى فإن قيل لم خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فالجواب أنَّهم فهموا من القرائن أنَّ الأمر ليس للإيجاب. فإن قيل كيف رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمر بالكسر إلى الغَسل، وإلى التَّرديد بين الكسر والغسل، كما روى البخاري في «كتاب المغازي» ، في باب «غزوة خيبر» ، فقال رجلٌ يا رسول الله! أونهريقها ونغسلها؟ فقال (( أَو ذاك ) ) [خ¦4196] .
فالجواب أنَّه يحتمل أنَّ اجتهاده قد تغيَّر أو أوحي إليه بذلك، وأمَّا اليوم فلا يجوز الكسر؛ لأنَّ الأمر بالغسل كما في هذه الرواية نسخ التَّخيير، كما أنَّه نسخ الجزم بالكسر.
وقال ابن الجوزيِّ أراد التَّغليظ عليهم في طبخهم ما نُهِيَ عن أكله، فلمَّا رأى إذعانهم اقتصر على غسل الأواني.
وفي الحديث دليلٌ
ج 11 ص 412
على نجاسة الحمر الأهليَّة؛ لأنَّ فيه الأمر بإراقته، وهذا أبلغ في التَّحريم، وقد كانت لحوم الحمر تُؤكل قبل ذلك. واختلف العلماء الَّذين ذهبوا إلى إباحة لحوم الحمرِ الأهلية في معنى النَّهي الوارد عن النَّبي صلى الله عليه وسلم عن أكلها لأيِّ علَّةٍ كان هذا النَّهي. قال نافع وعبد الملك بن جُريج وعبد الرحمن بن أبي ليلى وبعضُ المالكيَّة علَّة النَّهي إبقاء الظَّهر، وليس على وجه التَّحريم، واحتجُّوا في ذلك بما رُوِي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، أنَّه قال ما نهى رسول الله يوم خيبر عن أكل لحومِ الحمر الأهليَّة إلَّا من أجل أنَّها ظهر. رواه الطَّحاويُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما من حديث عبد الرَّحمن بن أبي ليلى. ورواه ابنُ أبي شيبة موقوفًا على عبد الرَّحمن، ولم يذكر ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وفي «الصحيحين» عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال لا أدري أنهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنَّه كان حمولة النَّاس فكره أن تذهب حمولتهم. أو حرَّمه في يوم خيبر، وهذا يبيِّن أنَّ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما علم بالنَّهي لكنَّه حمله على التَّنزيه توفيقًا بين الآية وعمومها، وبين أحاديث النَّهي. وقال سعيد بن جبير وبعض المالكيَّة إنَّما مُنعت الصَّحابة يوم خيبر من أكل لحوم الحمر الأهلية؛ لأنَّها كانت جوَّالةً تأكل القذرات، فكان نهيه صلى الله عليه وسلم لهذه العلَّة لا لأجل التَّحريم. وقال آخرون علة النهي كانت لاحتياجهم إليها، واحتجُّوا في ذلك بما رواه الطَّحاويُّ من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الحمار الأهليِّ يوم خيبر، وكانوا قد احتاجوا إليها. وقال آخرون علَّة النَّهي أنَّها اقتُنِيت قبل القسمة فمنعَ النَّبي صلى الله عليه وسلم من أكلها قبل أن تقسمَ.
وقال أبو عمر ابن عبد البرِّ وفي إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكل الخيل، وإباحته لذلك يوم خيبر دليلٌ على أنَّ نهيه عن أكل لحوم الحمر يومئذٍ عبادة لغير علة؛ لأنَّه معلومٌ أنَّ الخيل أرفع من الحمير، وأنَّ الخوف على الخيل وعلى قيامها فوق الخوف على الحمير، وأنَّ الحاجة في الغزو وغيره إلى الخيل أعظم.
وبهذا يتبيَّن أنَّ النَّهي عن أكلِ لحوم الحمر لم يكن لحاجة
ج 11 ص 413
وضرورة إلى الظَّهر والحمل، وإنَّما كان عبادةً وشريعة، والَّذين ذهبوا إلى إباحة أكلِ لحوم الحمر الأهلية، وهم عاصم بن عمر بن قتادة، وعبيدُ بن الحسن، وعبد الرَّحمن بن أبي ليلى، وبعض المالكيَّة احتجوا بحديث غالب بن أبجر، قال يا رسول الله! إن لم يبقَ من مالي شيءٌ أستطيع أن أطعم منه أهلي غير حمرٍ لي أو حمراتٍ لي، قال (( فأطعم أهلك من سمين مالك، وإنَّما قذرت لكم جوال القرية ) )، رواه الطحاويُّ وأبو داود وأبو يَعلى والطَّبراني.
وأُجيب عنه بأنَّ هذا الحديث مختلفٌ في إسناده، ففي طريق عن ابن معقل، عن رجلين من مزينة أحدُهما عن الآخر، أحدهما عبد الله بن عمرو بن لُوَيْم _ بضم اللام وفتح الواو وسكون المثناة التحتية وفي آخره ميم _، والآخر غالبُ بن أبجر، قال مسعرٌ أرى غالبًا الذي سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم. وفي طريق عبد الله بن بشر، عوض عبد الرَّحمن، وهذا اختلافٌ شديدٌ فلا يقاوم الأحاديث الصَّحيحة التي وردت بتحريم لحوم الحُمُر الأهليَّة.
وقال ابنُ حزم هذا الحديث بطرقه باطلٌ؛ لأنَّها كلُّها من طريق عبد الرحمن بن بشر، وهو مجهولٌ، والآخر من طريق عبد الله بن عَمرو بن لُوَيم وهو مجهولٌ أيضًا، أو من طريق شريك وهو ضعيفٌ، ثمَّ عن ابن الحسن ولا يُدرىَ من هو، ومن طريق سلمى بنت النَّضر الخضريَّة ولا يُدرى من هي.
وقال البيهقيُّ هذا حديثٌ معلولٌ ثم طوَّل في بيانه، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله (( اكسروها ) )، وكسر القدور هنا في الحُكْمِ، مثل كسر الدِّنان التي فيها الخمر.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ الله) هو البخاريُّ نفسه (كَانَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) يعني شيخهُ إسماعيل بن أبي أويس، واسم أبي أويس عبد الله الأصبحيُّ المدنيُّ، ابن أخت مالك بن أنس (يَقُوْلُ الحُمُرِ الأَنَسية) بنصب الألف والنون، نسبة إلى الأَنَس _ بالفتح _ ضدُّ الوحشة.
وقال ابن الأثير والمشهور فيها كسر الهمزة، منسوبةً إلى الإنس، وهم بنو آدم، الواحد أنسي.
وفي كتاب أبي موسى ما يدلُّ على أن الهمزة مضمومة، فإنَّه
ج 11 ص 414
قال هي التي تألف البيوت، والمشهور في ضدِّ الوحشة الأُنس، بالضم وقد جاء فيه بالكسرِ قليلًا، قال ورواه بعضهم بفتح الهمزة والنون، وليس بشيءٍ.
قال ابن الأثير إن أراد أنَّ الفتح غير معروفٍ في الرواية فيجوز، وإن أراد أنَّه ليس بمعروفٍ في اللُّغة فلا، فإنَّهُ مصدر أنست به آنَس أَنَسًا وأُنْسًا.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وتعبيره عن الهمزة بالألف وعن الفتح بالنَّصب جائزٌ عند المتقدِّمين، وإن كان الاصطلاح أخيرًا قد استقرَّ على خلافه فلا يبادر إلى إنكاره.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ هذا ليس بمصطلحٍ عند النحاة المتقدِّمين والمتأخِّرين، فإنَّهم لا يعبِّرون عن الهمزة بالألف، وعن الفتح بالنصب، فالهمزة ذات حركة والألف مادَّة هوائية فلا تقبل الحركة، والفتح من ألقاب البناء، والنصب من ألقاب الإعراب، وهذا ممَّا لا يخفى على أحدٍ، انتهى وفيه تأمُّل.
ثم إنَّ هذا التفسير إنَّما ثبت لأبي ذرٍّ وحده.