2491 - (حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، وقد مرَّ في «العلم» [خ¦80] قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد التَّميميُّ العنبريُّ، قال (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) هو ابنُ أبي تميمة السَّختياني (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ) بكسر الشين المعجمة وسكون القاف وبالصاد المهملة، هو النَّصيب قليلًا أو كثيرًا، ويُقال له الشَّقيص أيضًا بزيادة الياء، مثل نصف ونصيف، ويُقال له أيضًا الشِّرك، بكسر الشين. وقال ابن دُرَيد الشِّقص النَّصيب والسهم، تقول في هذا المال شِقص؛ أي نصيبٌ قليل، والجمع أشقاص، وقد شقصتُ الشَّيء إذا جزَّأته.
وقال ابنُ سيده وقيل هو الحظُّ، وجمعه شقاص، وقال الدَّادوديُّ الشِّقص والسَّهم والنَّصيب والحظُّ كلُّه واحدٌ.
(مِنْ عَبْدٍ أَوْ شِرْكًا أَوْ قَالَ نَصِيبًا) وفيه تحرُّز الراوي من مخالفة لفظ الحديث وإن أصاب المعنى، لأنَّ النصيب والشرك والشِّقص بمعنى واحدٍ، ولما شكَّ فيه الرَّاوي أتى بهذه الألفاظ تحريًا وتحرزًا عن المخالفة، وقد اختلف في وجوب ذلك واستحبابه، ولا خلاف في الاستحباب، وذهب غير واحدٍ إلى جواز الرِّواية بالمعنى للعالم بمعاني الألفاظ دون غيره، ثمَّ «العبد» يتناول الذَّكر والأنثى، فأمَّا الذكر فبالنصِّ، وأمَّا الأنثى فقيل إنَّ اللَّفظ يتناولها أيضًا بالنَّص، فإن إطلق لفظ «العبد» يتناول كلاًّ منهما.
قال ابن العربي وذلك لأنَّها صفة فيقال عبد وعبدة، فإذا أطلقْتَ القول يتناول الذَّكر والأنثى.
وقيل إنَّما يثبتُ الحكم في الأنثى بالقياس الجليِّ، إذ المعنى الموجود في الذَّكر موجودٌ في الأنثى، لأنَّ وصف الذكورة والأنوثة لا تأثير له في الوصف المقتضي للحكم.
وقال إمام الحرمين إدراك كون الأَمَةِ فيه كالعبد حاصل للسَّامع قبل التفطُّن لوجه الجمع.
وقد وقع في «صحيح البخاري» التَّصريح بالأَمَةِ من رواية موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كان يُفتي في العبد أو الأمة يكون بين الشركاء فيعتقُ أحدُهم نصيبه منه ... وفي آخره يخبر ذلك عن ابن عمر عن النَّبي صلى الله عليه وسلم [خ¦2525] .
وسيأتي في الحديث
ج 11 ص 455
الثاني في هذا الباب (( من أعتق شقيصًا من مملوكه ) ) [خ¦2492] ، وهذا شاملٌ للعبد والأمة.
وحكى عن إسحاق بن راهويه تخصيص هذا الحكم بالعبيد دون الإماء، قال النَّووي وهذا القول شاذٌّ مخالفٌ للعلماء كافَّة.
(وَكَانَ لَهُ) أي للمعتق (مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ) أي ثمن بقيَّة العبد، والمراد ما يفضل عن قوت يومه وقوت من يلزمه نفقته، وسُكْنى يومه وثياب ظهره، كما هو المعتبر في الديون، وهو قول الجماهير من العلماء وبه جزم الرَّافعي، وقال أشهبُ يُباع عليه ثياب ظهره ولا يُترك [له] إلا ما يُصلِّي فيه، وقال ابن القاسم يُباع عليه منزله الذي يسكنه ولا يُترك له إلَّا كسوة ظهره وعيشة الأيام.
(بِقِيمَةِ الْعَدْلِ) وهو أن يُقوَّم على أنَّ كله عبد، ولا يقوَّم بعيبِ العتق، قاله أصبغ وغيره، وقيل يُقوَّم على أنَّه مسَّه العتق. وفي لفظ قوِّم عليه بأعلى القيمة، وعند الإسماعيليِّ (( لا وكس ولا شطط ) ).
(فَهْوَ عَتِيقٌ) أي العبد كلُّه عتيق؛ أي معتوقٌ بعضه بالإعتاق، وبعضه بالسِّراية إليه (وَإِلاَّ) أي وإن لم يكن له ما يبلغ ثمنه (فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ) أي ما عتقه؛ يعني المقدار الذي عتقه، والعين مفتوحة في «عتق» الأول و «عتق» الثاني [قال الداودي يجوز ضم العين في الثاني] وتعقَّبه ابن التين فقال هذا لم يقله غيره ولا يُعرف عُتق _ بالضم _ لأنَّ الفعل لازم غير متعدٍّ، وإن كان سيبويه أجازه. وأيَّده العيني بأنَّ الفعل لازمٌ صحيح؛ لأنَّه يقال عَتَق العبد عِتْقًا وعَتَاقة وعَتَاق فهو عَتِيق، وهما عُتَقاء، وأعتقه مولاه، وفي «المُغرِب» وقد يُقام العتق مَقام الإعتاق.
وقال ابنُ الأثير يقال أعتقتُ العبد أَعْتِقه عِتْقًا فهو مُعْتَق وأنا مُعْتِق، وعَتَق فهو عَتِيق؛ أي حرَّرته وصار حرًّا.
(قَالَ) أي أيُّوب، قاله الطَّرْقي، وكذا في «صحيح الإسماعيلي» قال أيُّوب فذكره، قال وفي رواية المعلَّى عن حمَّاد، عن أيُّوب، قاله نافع.
(لاَ أَدْرِي قَوْلُهُ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ، قَوْلٌ مِنْ نَافِعٍ، أَوْ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) .
وفي الحديث جواز التقويم في قسمة الرَّقيق فعند أبي حنيفة والشَّافعي لا يجوز قسمته إلَّا بعد التقويم، واحتجَّا بهذا الحديث وبالحديث الذي بعده، قالا أجاز صلى الله عليه وسلم تقويمه في البيع للعتق، فكذلك تقويمه في القسمة، وقال مالك وأبو يوسف ومحمَّد يجوز قسمته بغير تقويم إذا تراضوا على ذلك، وحجَّتهم أنه صلى الله عليه وسلم قسمَ غنائم حُنين، وكان أكثرها السَّبي والماشية، ولا فرقَ بين الرَّقيق وسائر الحيوانات ولم يذكر في شيءٍ من السَّبي تقويم.
وقال العينيُّ مذهب أبي حنيفة أنَّ الرقيق لا يُقسم إلَّا إذا كان معه شيءٌ آخر
ج 11 ص 456
للتَّفاوت فيه، والتَّفاوت في الآدميِّ فاحشٌ لتفاوت المعاني الباطنةِ كالذِّهن والكياسة والأمانة والفُرُوسية والكتابة، فيتعذَّر التعديل إلَّا إذا كان معه شيءٌ آخر فحينئذٍ يُقسم قسمة الجميع من غير رضا الشُّركاء، فيجعل الرقيق تبعًا كبيع الشرب والطَّريق ونحوهما.
وقال أبو يوسف ومحمد يقسم الرَّقيق جبرًا، وبه قال الشافعيُّ ومالك وأحمد؛ لاتحاد الجنس، وإنَّما التَّفاوت في القيمة، وذا لا يمنع صحَّة القسمة، كما في الإبل والبقر ورقيق المغنم.
والجواب من جهة أبي حنيفة أنَّ التفاوت في الحيوانات يقلُّ عند اتِّحاد الجنس، ألا ترى أنَّ الذكر والأنثى من بني آدم جنسان، ومن الحيوانات جنسٌ واحد، ألا ترى أنَّه إذا اشترى شخصًا على أنَّه عبد فإذا هو جاريةٌ لا ينعقد العقد ولو اشترى غنمًا أو إبلًا على أنَّه ذكر فإذا هو أنثى ينعقدُ العقد بخلاف المغانم؛ لأنَّ حقَّ الغانمين في الماليَّة حتى كان للإمام بيعها وقسمة ثمنها بينهم، وفي الرَّقيق شركة الملك تتعلَّق بالعين والمالية فافترق حكمهما، فلا يجوز قياس أحدهما على الآخر.
وقد احتجَّ مالك والشَّافعي وأحمد بالحديث المذكور أنَّه إذا كان عبد بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه، فإن كان له مال غرمَ نصيب صاحبه وعتقَ العبد من ماله، وإن لم يكن له مال عتق من العبد ما عتقَ ولا يستسعى. قال الترمذيُّ وهذا قول أهل المدينة.
وعند أبي حنيفة أنَّ شريكه مخيَّر بين أن يعتقَ نصيبه أو يستسعي العبدَ والولاء في الوجهين لهما، أو يَضمن المعتق قيمةَ نصيبه لو كان موسرًا ويرجعُ بالذي ضمنَ على العبد، ويكون الولاء للمعتقِ، وعند أبي يوسف ومحمد ليس له إلَّا الضَّمان مع اليسار أو السِّعاية مع الإعسار، ولا يرجعُ المعتق بشيءٍ على العبد والولاء للمعتق في الوجهين.
واحتجَّ أبو حنيفة بما رواه البخاري أيضًا [خ¦2504] (( من أعتق شقصًا له في مملوك فخَلَاصُه عليه في ماله إن كان له مال، وإلَّا قوَّم عليه واستسعى به غير مشقوق ) )؛ أي لا يشدَّد عليه، ورواه مسلم أيضًا فثبتت السِّعاية بذلك.
وقال ابنُ حزم على ثبوت الاستسعاء ثلاثون صحابيًّا، وقوله وإلَّا فقد عتق منه ما عتق لم تصحَّ هذه الزِّيادة عن الثِّقة أنَّه من قول النَّبي صلى الله
ج 11 ص 457
عليه وسلم حتى قال أيُّوب ويحيى بن سعيد الأنصاري أهو شيءٌ في الحديث، أو قاله نافع من قِبَلِه، وهما الرَّاويان لهذا الحديث.
وقد بسط الكلام في هذا الباب العيني طوينا ذكره خوفًا من الإطنابِ، ومُطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله «بقيمة العدل» على ما لا يخفى.