فهرس الكتاب

الصفحة 391 من 11127

227 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) المعروف بالزَّمِن (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن سعيد القطان (عَنْ هِشَامٍ) هو ابن عروة بن الزبير (قَالَ حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ) هي بنت المنذر بن الزبير زوجة هشام تروي (عَنْ) جدتها (أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه أم عبد الله بن الزبير من المهاجرات، وكانت تُسمَى ذات النطاقين، أسلمت بعد سبعة عشر إنسانًا فيما قاله ابن إسحاق، وهاجرت بابنها عبد الله، وكانت عارفة بتعبير الرؤيا، قيل أخذ ابن سيرين، عن ابن المسيب، وهو عن أسماء، وهي عن أبيها، وهي من آخر المهاجرات وفاة، توفيت في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين بمكة بعد ابنها عبد الله بأيام، وقد بلغ سنها مائة سنة، لم يسقط لها سن، ولم يتغير عقلها، لها في هذا الكتاب ستة عشر حديثًا رضي الله عنها، ورجال هذا الإسناد ما بين كوفي ومدني، وقد أخرج متنه المؤلِّف في «الصلاة» [الحيض 307] ، والبيوع أيضًا، وأخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه في الطهارة أيضًا.

(قَالَتْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ) بالرفع، فاعل جاءت (النَّبِيَّ) بالنصب مفعوله، وفي رواية (صلى الله عليه وسلم) وقع في رواية الشافعي رحمه الله عن سفيان بن عيينة، عن هشام في هذا الحديث أن أسماء هي السائلة، وأنكر النووي هذا، وضعَّف هذه الرواية ولا وجه لإنكاره؛ لأنه لا يبعد أن يُبهم

ج 2 ص 296

الراوي اسم نفسه، وقد وقع مثل هذا في حديث أبي سعيد رضي الله عنه في قصة الرُقْيَة بفاتحة الكتاب.

(فَقَالَتْ أَرَأَيْتَ) أي أخبرني، قاله الزمخشري، وفيه تَجوّز لإطلاق الرؤية وإرادة الإخبار؛ لأن الرؤية سبب الإخبار، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر بجامع الطلب (إِحْدَانَا تَحِيضُ) مبتدأ وخبر (فِي الثَّوْبِ) أي حال كونها فيه، ومن ضرورة ذلك وصول الدم إلى الثوب، وللمؤلف من طريق مالك عن هشام (( إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة ) ) [خ¦307] .

(كَيْفَ تَصْنَعُ؟) به متعلق بقوله أرأيت (قَالَ) وفي رواية (تَحُتُّهُ) بضم الحاء المهملة وتشديد المثناة الفوقية من حتَّ الشيء عن الثوب يحته حتًا؛ فركه فانحت وتحاتَّ، وفي (( المنتهى ) )الحت حتك الورقَ من الشجر، والمني والدم ونحوهما من الثوب وغيره، وهو دون النحت، وعند ابن طريف حت الشيء نقضه، وقيل معناه تحكه، وكذا رواه ابن خزيمة، قيل والمراد بذلك إزالة عينه.

(ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ) بالفتح وإسكان القاف وضم الراء والصاد المهملتين، وبضم التاء وفتح القاف وكسر الراء المشددة، قال القاضي عياض كذا رويناه، قال وهو الدَّلك بأطراف الأصابع، مع صب الماء عليه، حتى يذهب أثره؛ أي تفرك الثوب؛ أي موضع الدم منه وتقلعه، تدلكه بأطراف الأصابع أو بالظُفْر مع صب الماء عليه، وقال أبو عبيدة هو بالتشديد بمعنى يقطعه.

(وَتَنْضَحُهُ) بفتح الأول والثالث، وقال الكرماني بكسر الضاد، وكذا قال مُغُلْطاي؛ أي تغسله، قاله الخطابي.

وقال القرطبي المراد به الرش؛ لأن غسل الدم استفيد من قوله تقرصه بالماء، وأما النضح فَلِمَا شكَّت فيه من الثوب، قال الحافظ العسقلاني فعلى هذا فالضمير في قوله (( تنضحه ) )يعود إلى الثوب بخلاف «تحتُّه» ، فإنه يعود إلى الدم، فيلزم منه اختلاف الضمائر، وهو خلاف الأصل، ثمَّ إن الرش على المشكوك فيه لا يفيد شيئًا؛ لأنه إذا كان طاهرًا فلا حاجة إليه، وإن كان متنجسًا لم يتطهر بذلك، فالأحسن ما قاله الخطابي. انتهى.

وتعقَّبه محمود العيني بما حاصله إن لفظ الدم غير مذكور صريحًا، بل المذكور صريحًا هنا الثوب والماء، فالضميران الأولان يرجعان إلى الثوب، والضمير الثالث يرجع إلى الماء، ثمَّ إنَّ الرش هاهنا لإزالة الشك المتردِّد في الخاطر، كما جاء في رش المتوضئ الماء على سراويله بعد فراغه من الوضوء، ففيه فائدة، ثمَّ إن الأحسن ما قاله القرطبي؛ لأنه لا يلزم عليه تكرار، فإن [1] الحت على ما ذكر هو الفرك، والقرص هو الدلك بأطراف الأصابع مع صب الماء عليه،

ج 2 ص 297

حتى يذهب أثره، فيفهم الغسل من القرص، فإذا قلنا الرش بمعنى الغسل يلزم التكرار.

هذا، وقد قال الخطابي في معنى الحديث تحته يريد المُسْتَجْسَد من الدم ليتحلل وينقلع عن وجه الثوب، ثمَّ تقرصه بأن تقبض عليه بإصبعها ثمَّ تغمزه غمزًا جيدًا وتدلكه حتى ينحل ما يشربه من الدم، ثمَّ تنضحه بالماء؛ أي تصب عليه، والنضح هنا الغسل حتى يزول الأثر.

(وَتُصَلِّي فِيهِ) وفي رواية ابن عساكر ، قال الخطابي في الحديث دلالة على أن النجاسات إنما تُزَال بالماء دون غيره من المائعات؛ لأن جميع النجاسات بمثابة الدم لا فرق بينه وبينها إجماعًا، وكذلك استدل به البيهقي على وجوب الطهارة بالماء دون غيره من المائعات، وعن إمامنا الأعظم أبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف رحمهما الله أنه يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر احتجاجًا بحديث عائشة رضي الله عنها «ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم الحيض قالت بريقها فمصعته بظفرها» ، هذا لفظ البخاري، وعند أبي داود (( بَلَّته بريقها ) )، فلو كان الريق لا يطهر لزادت النجاسة.

وأجابا عن هذا الحديث بأنه خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط؛ كقوله تعالى {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء 23] ، والمعنى في ذلك أن الماء أكثر وجودًا من غيره أو يقال تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه، أو هو مفهوم لقب وليس بحجة عند الأكثر، ومن فوائد الحديث غسل النجاسة من الثياب.

قال ابن بطال حديث أسماء أصلٌ عند العلماء في غسل النجاسات من الثياب، ثمَّ قال وهذا الحديث محمول عندهم على الدم الكثير؛ لأن الله تعالى شرط في نجاسته أن يكون مسفوحًا، وهو كناية عن الكثير الجاري إلا أن الفقهاء اختلفوا في مقدار ما يُتجاوز عنه من الدم فاعتبر الكوفيون فيه وفي سائر النجاسات دون الدرهم في الفرق بين قليله وكثيره.

وقال مالك قليل الدم معفوٌّ، ويغسل قليل سائر النجاسات، وروى عنه ابن وهب أن قليل دم الحيض ككثيره، وكسائر الأنجاس، بخلاف سائر الدماء والحجة في أن اليسير من دم الحيض ككثيره، قوله عليه السلام لأسماء (( حُتيه، ثمَّ اقرصيه ) )حيث لم يُفرِّق بين قليله وكثيره، ولا سألها عن مقداره ولم يحُدَّ فيه أنه مقدارَ الدرهم أو دونه إلا أن حديث عائشة رضي الله عنها المذكور آنفًا يدل على الفرق بين القليل والكثير.

ج 2 ص 298

وقد قال البيهقي هذا في الدم اليسير الذي يكون معفوًا عنه، وأما الكثير منه فقد صح عنها _ أي عن عائشة _ رضي الله عنها أنها كانت تغسله فهذا حجة على من لم يُفرّق بين القليل والكثير من النجاسة، وعلى الشافعي أيضًا في قوله إن يسير الدم يُغْسَلُ كسائر الأنجاس إلا دم البراغيث، فإنه لا يمكن التحرز منه [2] .

وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه لا يرى بالقطرة والقطرتين بأسًا في الصلاة، وعصر ابن عمر رضي الله عنهما بَثْرة، فخرج منها دم فمسحه بيده، وصلى، فالشافعية ليسوا بأكثر احتياطًا من أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما، ولا أكثر دراية منهما، حتى يخالفوهما بأن لم يفرقوا بين القليل والكثير على أن قليل الدم موضع ضرورة؛ لأن الإنسان لا يخلو في غالب حاله من بثرة أو دُمَّل أو برغوث، فعُفيَ عنه، ولهذا حرَّم الله المسفوح منه، فدل أن غيره ليس بمحرم.

وأما تقدير أصحابنا القليل بقدر الدِّرهم، فلِمَا ذكره صاحب (( الأسرار ) )عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قدَّرا النجاسة بالدِّرهم، وكفى بهما حجة في الاقتداء، وروي عن عمر رضي الله عنه أيضًا أنه قدَّره بظُفُره، وكان ظُفُره قريبًا من كفنا، فدل على أن ما دون الدِّرهم لا يمنع.

وقال في (( المحيط ) )أيضًا الدِّرهم الكبير ما يكون مثل عرض الكف، وفي صلاة (الأصل) الدرهم الكبير المثقال، يعني يبلغ مثقالًا، وعند السرخسي يعتبر بدرهم زمانه.

وأما الحديث الذي رواه الدارقطني في (( سننه ) )عن رَوْح بن غُطَيف، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( تعاد الصلاة من قدر درهم من الدم ) )، وفي لفظ (( إذا كان في الثوب قدر الدرهم من الدم غُسِلَ الثوبُ، وأُعيدت الصلاة ) )فإن أصحابنا لم يحتجوا به؛ لأنه حديث منكر، بل قال البخاري إنه حديث باطل، فإن قيل النص وهو قوله تعالى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر 4] لم يفصل بين القليل والكثير، فلا يُعْفَى القليل.

فالجواب أن القليل غير مُرَادٍ منه بالإجماع بدليل عفو موضع الاستنجاء، فتعين الكثير وقد قُدِّر الكثير بالآثار، ومنها الدلالة على أن الدم نجس بالإجماع، ومنها الدلالة على أن العدد ليس بشرط في إزالة النجاسة بل المراد الإنقاء، ومنها أنها إذا لم تر في ثوبها شيئًا من الدم ترش عليه الماء وتصلي فيه.

[1] (( فإن ) )ليست في (خ) .

[2] في هامش الأصل قال الكرماني عند الشافعي ليس المستثنى منحصرًا في دم البراغيث بل قليل دم القرح والقمل والعضد ونحوها كذلك. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت