فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 11127

228 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) وفي رواية ، وفي أخرى ، وفي أخرى

ج 2 ص 299

بتخفيف اللام البِيْكَندي، وقد تقدم في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (( أنا أعلمكم بالله ) ) [خ¦20] .

(قَالَ حَدَّثَنَا) وفي رواية (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم بالمعجمتين الضرير، وقد مر في باب ما جاء في غسل البول [خ¦218] ، لكن ذكر هناك باسمه، وهنا بكنيته رعاية للفظ الشيوخ (قال حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير أبو المنذر، روى عن أبيه وعن خالته عائشة الصديقة أم المؤمنين رضي الله عنها (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، وقد تقدم ذكرهم في الوحي [خ¦2] .

(قَالَتْ) أي إنها قالت (جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ) وفي رواية (أَبِي حُبَيْشٍ) بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة التحتانية، وفي آخره شينٌ معجمة، القرشية الأسدية، واسم أبي حبيش قيس بن المطلب بن أسد، وقال بعضهم قيس بن عبد المطلب، وهو غلط، وهي غير فاطمة بنت قيس التي طُلِّقت ثلاثًا.

(إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ) من المعلوم أن كلمة (( إن ) )هاهنا لتحقيق نفس القضية؛ إذ كانت بعيدة الوقوع، نادرة الوجود، لا لأنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنكار لاستحاضتها، ولا تردد فيها، حتى تكون في مقابلة إنكار المخاطب، أو تردده في الحكم (أُسْتَحَاضُ) بضم الهمزة وسكون السين وفتح التاء، يقال استُحيضت المرأة إذ استمر بها الدم بعد أيامها فهي مستحاضة، والحيض في الشرع هو الدم الخارج من الرحم، وهو موضع الجماع والولادة، لا يعقب ولادة، مقدرًا في وقت معلوم.

وقال الكرخي الحيض دم تصير به المرأة بالغةً بابتداء خروجه، والاستحاضة اسم لما نقص عن أقل الحيض أو زاد على أكثره، وقيل هو جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه، والسين في الاستحاضة للتحول كما في استحجر الطين، لتحول دم الحيض إلى غير دمه، وإنما بني الفعل فيه للمفعول فقيل استُحيضت المرأة، بخلاف الحيض فيقال فيه حاضت المرأة؛ لأن دم الحيض لما كان معتادًا معروف الوقت نسب إليها، ودم الاستحاضة لما كان نادرًا مجهول الوقت وكان منسوبًا إلى الشيطان كما ورد (( إنها ركضة من الشيطان ) )بني لما لم يسمَّ فاعله.

(فَلاَ أَطْهُرُ) لدوامه (أَفَأَدَعُ) أي أيكون لي حكم الحائض فأترك (الصَّلاَةَ) فالعطف بالفاء على مقدر بعد الهمزة؛ لأن لها صدر الكلام فيقتضي عدم المسبوقية بالغير، والفاء

ج 2 ص 300

تقتضي المسبوقية به، ويجوز أن تكون الهمزة مقحمة، وتوسطها جائز بين المعطوفين إذا كانا جملتين؛ لعدم انسحاب ذكر الأول على الثاني، وأن تكون الهمزة ليست باقية على صرافة الاستفهام، بل هي للتقرير فزالت صدارتها.

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لاَ) أي لا تَدَعي الصلاة (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر الكاف؛ أي الدم الذي استمر بك بعد [1] أيامك المعتادة مثلًا (عِرْقٌ) أي دَمُ عرق؛ لأن الخارج ليس بعِرْق، وهو بكسر المهملة وسكون الراء وهو المسمى بالعاذل بالمهملة والذال المعجمة يخرج منه الدم (وَلَيْسَ بِحَيْضٍ) لأنه يخرج من قعر الرحم وأصله (فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ) بفتح الحاء اسم المرَّة وبكسرها اسم للدم، والخرقة [2] التي تستثفر بها المرأة، والحالة، وقال الخطابي المحدثون يقولون بالفتح وهو خطأ، والصواب الكسر؛ لأن المراد بها الحالة [3] .

ورده القاضي وغيره وقالوا الأظهر الفتح؛ لأن المراد إذا أقبل الحيض. انتهى فتأمل.

(فَدَعِي الصَّلاَةَ) أي اتركيها (وَإِذَا أَدْبَرَتْ) أي انقطعت وعلامة إدبار الحيض وانقطاعه والحصول في الطهر أما عند أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله الزمان والعادة هو الفيصل بينهما، فإذا أضلَّت عادتها تَحرَّت، وإن لم يكن لها ظن أخذت بالأقل، وأما عند الشافعي وأصحابه رحمهم الله اختلاف الألوان هو الفيصل فالأسود أقوى من الأحمر، والأحمر أقوى من الأشقر، والأشقر أقوى من الأصفر، والأصفر أقوى من الأكدر، فتكون حائضًا في أيام القوي مستحاضة في أيام الضعيف، والتمييز عنده بثلاثة أشياء

أحدها أن لا يزيد القوي على خمسة عشر يومًا.

والثاني أن لا ينقص عن يوم وليلة ليمكن جعله حيضًا.

والثالث أن لا ينقص الضعيف عن خمسة عشر يومًا ليُمْكِن جعله طُهرًا بين الحيضتين، وبه قال مالك وأحمد.

وقال النووي علامة انقطاع الحيض والحصول في الطهر أن ينقطع خروج الدم والصفرة والكدرة سواء خرجت رطوبة بيضاء أو لم يخرج شيء أصلًا، هذا، وكأنَّ السائلة رضي الله عنها كانت تميز بين الحيض والاستحاضة فلذلك وَكَل الأمر إليها في معرفة ذلك فقال صلى الله عليه وسلم (( وإذا أدبرت ) ).

(فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ) أي واغتسلي؛ لانقطاع الحيض فإنه وإن لم يُذكر في هذه الرواية فقد ذُكِر في رواية أخرى صحيحة قال فيها (( فاغتسلي ) )، والأحاديث

ج 2 ص 301

يفسر بعضها بعضًا، وقيل يجوز أن يحمل الإدبار على انقضاء أيام الحيض والاغتسال، وقوله (( فاغسلي عنك الدم ) )على دم يأتي بعد الغسل، والأول أوجه وأصح، وأما قول بعضهم (( فاغسلي عنك الدم ) )أي فاغتسلي، فغير موجه أصلًا، قاله محمود العيني يريد به الحافظ العسقلاني لكنه تعقَّب عليه بما لا يَرِدُ عليه؛ فإنه قال بعد قوله فاغتسلي والأمر بالاغتسال مستفاد من أدلة أخرى، وليس مراده تفسيره بذلك حتى يكون غيرَ موجَّه، فتوجه.

(ثُمَّ صَلِّي) أول صلاة تدركينها فإن الصلاة تجب بمجرد انقطاع الحيض، ولا يجوز لها بعد انقطاع الحيض أن تترك صلاة أو صومًا، ويكون حكمها حكم الطاهرات فلا تستطهر بشيء أصلًا، وبه قال الشافعي، وعن مالك ثلاث روايات

الأولى تستطهر بالإمساك عن الصلاة ونحوها ثلاثة أيام بعد عادتها وما بعد ذلك استحاضة.

والثانية تترك الصلاة إلى انتهاء خمسة عشر يومًا، وهو أكثر مدة الحيض عنده، والثالثة كمذهبنا.

(قَالَ) أي قال هشام بن عروة بالإسناد المذكور، عن محمد، عن أبي معاوية، عن هشام بين ذلك الترمذي في روايته، وادعى بعضهم أن هذا مُعَلَّقٌ، وليس بصواب (وَقَالَ أَبِي) أي عروة بن الزبير (ثُمَّ تَوَضَّئِي) بصيغة الأمر (لِكُلِّ صَلاَةٍ) وفيه خلاف بين الشافعية والحنفية، يعني أن المستحاضة ومن بمعناها من أصحاب الأعذار هل تتوضأ لكل صلاة أو لكل وقت صلاة على ما ذكر في كتب الفقه.

(حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكِ) بكسر الكاف (الْوَقْتُ) أي وقت إقبال الحيض، الظاهر من سياق الحديث أن يكون قوله (ثمَّ توضئي ... ) إلى آخره مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا موقوفًا على عروة حيث أتى بصيغة الأمر فشاكل الأمر الذي في المرفوع وهو قوله (( فاغسلي ) )، ومن فوائد الحديث جواز استفتاء المرأة بنفسها ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بأمر من أمور دينها، ومنها جواز استماع صوت المرأة عند الحاجة الشرعية، ومنها نهي المستحاضة عن الصلاة في زمن الحيض وهو نهي تحريم ويقتضي فساد الصلاة هنا بالإجماع ويستوي فيها الفرض والنفل بظاهر الحديث ويتبعها صلاة الجنازة وسجدة التلاوة وسجدة الشكر.

ومنها الدلالة على نجاسة الدم، ومنها أن الصلاة تجب بمجرد انقطاع دم الحيض وقد تقدَّم، ومنها ما استدل به عليه بعض أصحابنا في إيجاب الوضوء من خروج الدم من غير السبيلين من أنه عليه السلام علّل نقض الطهارة بخروج الدم من العرق، وكل دم يبرز من البدن فإنما يبرز من عرق؛ لأن العروق هي مجاري

ج 2 ص 302

الدم من الجسد.

وقال الخطابي وليس معنى الحديث ما ذهب إليه هؤلاء ولا مراد الرسول عليه السلام من ذلك ما توهموه، وإنما أراد أن هذه العلة إنما حدثت بها من تَصَدُّع العروق، وتَصَدُّع العرق علة معروفة عند الأطباء ويحدث ذلك من غلبة الدم فتتصدع العروق إذا امتلأت تلك الأوعية، والحاصل أنه أشار صلى الله عليه وسلم بهذا القول إلى الفرق بين الحيض والاستحاضة فإن الحيض خروجه مصحة للبدن؛ لأنه يجري مجرى خروج سائر الأثفال من البول والغائط التي تدفعها الطبيعة فيجد البدن بسببه خفة، وأن الاستحاضة مُسْقِمة كسائر العلل التي يخاف معها الهلاك والتلف. انتهى.

وفيه أنه تقييد إطلاق الحديث وتخصيص عمومه من غير مخصص وهو ترجيح من غير مرجِّح، وهو باطل.

[1] (( بعد ) )ليست في (خ) .

[2] في هامش الأصل ويقال لها الترية بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الراء وتشديد الياء آخر الحروف، قال ابن الأثير الترية بالتشديد ما تراه المرأة بعد الحيض، والاغتسال منه من كدرة أو صفرة، وقيل هو البياض الذي تراه عند الطهر، وقيل هي الخرقة التي تعرف به المرأة حيضها من طهرها، والتاء فيها زائدة لأنه من الرؤية، والأصل فيها الهمزة، ولكنهم تركوه وشددوا الياء فصارت اللفظة كأنها فعيلة، وبعضهم يشدد الراء والياء. منه.

[3] في هامش الأصل قال القاضي البيضاوي ويحتمل أن يكون المراد به الحالة التي تحيض فيها فيكون ردًا إلى العادة، أو الحالة التي تكون للحيض من قوة الدم في اللون والقوام فيكون ردًا إلى التمييز، قال ومعنى أن ذلك عرق أنه دم عرق انشق، وليس بحيض فإنه دم تميزه القوة المولدة هيأه الله تعالى من أجل الجنين، ويدفعه إلى الرحم في مجار مخصوصة فيجتمع فيه، ولذلك سمي حيضًا من قولهم استحوض الماء أي اجتمع فإذا كثر وامتلأ الرحم ولم يكن فيه جنين أو كان أكثر مما يحتمله ينصب منه. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت