فهرس الكتاب

الصفحة 3938 من 11127

2511 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين، قال (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ) هو ابنُ أبي زائدة (عَنْ عَامِرٍ) هو الشَّعبي (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وفي رواية أحمد، عن يحيى القطَّان، عن زكريا (( حدَّثني عامر ) )، وليس للشَّعبي عن أبي هريرة رضي الله عنه في البخاري سوى هذا الحديث، وآخر في «تفسير الزُّمر» [خ¦4813] ، وعلَّق له ثالثًا في «النِّكاح» [خ¦5108] (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الرَّهْنُ يُرْكَبُ) أي المرهون يُركب، وهو على صيغة المجهول، والمراد الظَّهر، بيَّنه في الطَّريق الثاني حيث قال (( الظَّهر يركب ) )

ج 11 ص 493

(بِنَفَقَتِهِ) أي بمقابلة نفقته؛ يعني ينفق عليه ويركب.

(وَيُشْرَبُ) على صيغة المجهول أيضًا (لَبَنُ الدَّرِّ) بفتح الدال المهملة وتشديد الراء، وهو مصدرٌ بمعنى الدارَّة؛ أي ذات الضَّرع، وقال الحافظ العسقلاني وقوله لبن الدَّر هو من إضافة الشَّيء إلى نفسه، وهو كقوله تعالى {وَحَبَّ الْحَصِيدِ} [ق 9] . وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ إضافة الشَّيء إلى نعته لا تصح إلَّا إذا وقع في الظَّاهر فيأوَّل، وقد ذكرنا أنَّ المراد بالدَّر الدَّارة فلا يكون إضافة الشَّيء إلى نفسه؛ لأن اللَّبن غير الدَّارة، وكذا التَّأويل في {وَحَبَّ الْحَصِيدِ} [ق 9] .

هذا فسبحان الله قد فسَّر الحافظ العسقلاني الدَّر أولًا بما فسَّره به المولى العيني، ثمَّ قال هو من إضافة الشَّيء إلى نفسه، فالظَّاهر أنَّ مراده أنَّه من إضافة الشَّيء إلى نفسه من حيث الظَّاهر لا من جهة التَّأويل، فتأمَّل.

(إِذَا كَانَ مَرْهُونًا) قد احتجَّ بهذا الحديث إبراهيم النَّخعي والشَّافعي والظَّاهرية على أنَّ الرَّاهن يركب المرهون بحقِّ نفقته عليه ويشرب لبنه كذلك، ورُوِي ذلك أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وقال ابنُ حزم في «المحلَّى» ومنافع الرَّهن كلها لصاحب الرَّهن، كما كانت قبل الرَّهن يركب الدَّابة المرهونة، ويشربُ لبن الحيوان المرهون إلَّا أن يضيعهما فلا ينفق عليهما، بل ينفق المرتهن فيكون له حينئذٍ الرُّكوب، واللَّبن بما أنفق، لا يُحاسَب به من دَينه كثر ذلك أو قلَّ، وذلك لأنَّ ملك الرَّاهن باق في الرَّهن لم يخرج عن ملكه، لكن الركوب والاحتلاب خاصَّة لمن أنفق على المركوب والمحلوب لحديث أبي هريرة رضي الله عنه انتهى.

وقال الثَّوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمَّد ومالك وأحمد في رواية ليس للرَّاهن ذلك؛ لأنه ينافي حكم الرَّهن، وهو الحبس الدَّائم فلا يملكه، فإذا كان كذلك فليس له أن ينتفع بالمرهون استخدامًا وركوبًا ولبنًا وسكنى وغير ذلك، وليس له أن يبيعه من غير المرتهن بغير إذنه، ولو باعه توقَّف على إجازته، فإن أجازه ويكون الثَّمن رهنًا سواء شرط المرتهن

ج 11 ص 494

عند الإجازة أن يكون مرهونًا عنده أو لا، وعن أبي يوسف لا يكون رهنًا إلَّا بشرط، وكذا ليس للمرتهن أن ينتفع بالمرهون حتَّى لو كان عبدًا لا يستخدمه أو دابةً لا يركبها، أو ثوبًا لا يلبسه، أو دارًا لا يسكنها أو مصحفًا ليس له أن يقرأ فيه، وليس له أن يبيعه إلا بإذن الرَّاهن.

وقال الطَّحاوي في الاحتجاج لأصحابنا أجمع العلماء على أن نفقة الرَّهن على الرَّاهن لا على المرتهن، وليس للمُرتهن استعمال الرَّهن. قال والحديث _ يعني الحديث الذي احتجَّ به الشَّافعي ومن معه _ مُجمَلٌ فيه لم يبيِّن فيه الذي يركب ويشرب، فمن أين جاز للمُخالف أن يجعله للرَّاهن دون المرتهن، ولا يجوز حملُه على أحدهما إلَّا بدليل.

قال وقد روى هُشيم عن زكريَّا، عن الشَّعبي، عن أبي هريرة رضي الله عنه ذكر أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إذا كانت الدَّابة مَرْهونة فعلى المرتهنِ علفها، ولبن الدَّرِّ يُشرب وعلى الذي يشربُ نفقتها ويركب ) ). فدلَّ هذا الحديث أن المعنيَّ بالرُّكوب وشرب اللَّبن في الحديث الأول هو المرتهن لا الرَّاهن على أن انتفاعَ الرَّاهن بالمرهون لكونه مالك رقبته لا لكونه منفقًا عليه، وإنَّما الانتفاع للإنفاق للمُرتهن فجعل ذلك له، وجعلت النَّفقة عليه بدلًا مما يتعوَّض منه.

ثمَّ أجاب عنه بأنَّه محمول على أنَّه كان قبل تحريم الربا وقبل النَّهي عن القرض الذي يجرُّ منفعة، ولا عن أخذ الشَّيء بالشَّيء وإن كانا غير متساويين، ثمَّ حُرِّم الربا بعد ذلك، وحُرِّم كلَّ قرضٍ جرَّ منفعة. وأجمع أهل العلم أنَّ نفقة الرَّهن على الرَّاهن لا على المرتهن، وأنَّه ليس للمرتهن استعمال الرَّهن، قال ويُقال لمن صرف ذلك إلى الرَّاهن فجعل له استعمال الرَّهن أيجوز للرَّاهن أن يرهن رجلًا دابة هو راكبها فلا يجد بدًّا من أن يقول لا، فيُقال له إذا كان لا يجوز إلا أن يكون يخلَّى بينه وبين المرتهن فيقبضه ويصير في يده دون يد الرَّاهن، كما وصف الله عزَّ وجلَّ بقوله {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة 283] فيقول نعم، فيُقال له فلمَّا لم يجز أن يستقبلَ الرَّهن على ما الرَّاهن راكبه لم يجز ثبوته في يده بعد ذلك رهنًا بحقِّه إلا كذلك أيضًا؛ لأنَّ دوام القبض لا بدَّ منه في الرَّهن، إذ الرَّهن

ج 11 ص 495

إنَّما هو حبسُ الشَّيء المرهون عند المرتهن بالدَّين.

وفي ذلك أيضًا ما يمنع استخدام الَأَمةِ الرَّهن؛ لأنَّها ترجع بذلك إلى حال لا يجوز عليها استقبال الرَّهن، وحجَّة أخرى أنَّهم قد أجمعوا أنَّ الأَمَةَ الرَّهن ليس للرَّاهن أن يطأها، وللمرتهن منعه من ذلك، فلمَّا كان للمرتهن أن يمنع الرَّاهن من وطئها كان له أيضًا أن يمنعه بحقِّ الرَّهن من استخدامها، انتهى.

وقال العيني قد أطلق الطَّحاوي قوله قد أجمعوا ... إلى آخره. وقد قال بعضُ أصحاب الشَّافعي للرَّاهن أن يطأَ الآيسة والصَّغيرة؛ لأنَّه لا ضرر فيه، فإن علَّة المنع الخوف من أن تلدَ منه فتخرج بذلك من الرَّهن، وهذا معدومٌ في حقِّهما، والجمهورُ على خلاف ذلك.

ثمَّ إن خالف فوطئ فلا حدَّ عليه؛ لأنَّها ملكه ولا مهر عليه، فإذا ولدت صارت أمَّ ولد له، وخرجت من الرَّهن وعليه قيمتُها حين أحبلها، ولا فرق بين الموسر والمعسر إلَّا أنَّ الموسر تُؤخذ نفقتها [1] منه، والمعسر تكون في ذمَّته قيمتها، وهذا قول أصحابنا والشَّافعي أيضًا.

وقال ابنُ حزم قال الشَّافعي إنَّ رهنَ أمةً فوطئها فحملت، فإن كان موسرًا خرجتْ من الرَّهن ويُكلَّف رهنًا آخر مكانها، وإن كان معسرًا فمرَّة قال تخرج من الرَّهن ولا يكلَّف رهنًا مكانها، ولا تكلَّف هي شيئًا، ومرَّة قال تُباع إذا وضعتْ ولا يُباع الولد، ويكلَّف رهنًا آخر.

وقال أبو ثور هي خارجة من الرَّهن، ولا يكلَّف لا هو ولا هي شيئًا سواء كان موسرًا أو معسرًا. وعن قتادة أنَّها تباع ويُكلَّف سيدها أن يفتكَّ ولده منها. وعن ابن سيرين أنَّها استسعيت، وكذلك العبد المرهون إذا أعتق. وقال مالك إذا كان موسرًا كلِّف أن يأتي بقيمتها فتكون القيمة رهنًا وتخرج هي من الرَّهن، وإن كان معسرًا، فإن كانت تخرج إليه وتأتيه فهي خارجة من الرَّهن، ولا يُتبع بغرامة ولا يكلَّف هو رهنًا مكانها، لكن يتبع بالدَّين الذي عليه، وإن كان تسور عليها بيعتْ هي وأُعطي هو ولده منها.

وقال أبو حنيفة

ج 11 ص 496

وأصحابه إن حملت وأقرَّ بحملها، فإن كان موسرًا خرجت من الرَّهن وكُلِّف قضاء الدَّين إن كان حالًا أو كُلِّف رهنًا بقيمتها إن كان إلى أجل، وإن كان معسرًا كلِّفت أن تستسعى في الدَّين الحال بالغًا ما بلغ، ولا ترجعُ به على سيدها ولا يكلَّف ولدها سعاية، وإن كان الدَّين إلى أجل كلِّفت أن تستسعى في قيمتها فقط، فجعلت رهنًا مكانها، فإذا حلَّ أجل الدَّين كلِّفت أن تستسعى في باقي الدَّين إن كانت أكثر من قيمتها، وإن كان السيِّد استلحق ولدها بعد وضعها له وهو معسرٌ قَسَمَ الدَّين على قيمتها يوم ارتهنها، وعلى قيمة ولدها يوم استلحقَه، فما أصاب الأم سعت فيه بالغًا ما بلغ للمُرتهن، ولم ترجع به على سيِّدها، وما أصاب الولد سعي في الأقل من الدَّين أو من قيمتهِ، ولا رجوع به على أبيه، ويأخذ المرتهن كلَّ ذلك.

وقال صاحب «التوضيح» هذا الحديث حجَّة على أبي حنيفة. وتعقَّبه العيني قائلًا سبحان الله متعجِّبًا بأنَّ هذا تحكُّم، وكيف يكون حجَّة عليه وقد مرَّ وجهه، يريد ما ذكره من الطَّحاوي على أنَّ الشَّعبي وهو الرَّاوي عن أبي هريرة في هذا الحديث قد روى عنه الطَّحاوي حدَّثنا فهد قال ثنا أبو نُعيم قال ثنا الحسنُ بن صالح، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشَّعبي قال لا ينتفع في الرَّهن بشيءٍ. فهذا الشَّعبي يقول هذا.

وقد رُوِي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم الحديث المذكور، أفيجوز عليه أن يكون أبو هريرة رضي الله عنه يحدِّثه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ثمَّ يقول هو بخلافه؟! وليس ذلك إلَّا وقد ثبت نسخ هذا الحديث عنده، والله أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، والحديث أخرجه أبو داود في «البيوع» ، وكذا التِّرمذي فيه، وابن ماجه في «الأحكام» .

[1] في هامش الأصل في نسخة قيمتهاصح بدل نفقتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت