فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 11127

233 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزدي الواشحي بمعجمة ثمَّ مهملة البصري، وقد مرَّ في باب من كَرِه أن يعود في الكفر [خ¦21] (قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزدي الجَهْضَمي البصري، وقد سبق في باب المعاصي من أمر الجاهلية [خ¦31] (عَنْ أَيُّوبَ) هو السختياني البصري التابعي، الذي مر ذكره في باب حلاوة الإيمان [خ¦16] .

(عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ) بكسر القاف وتخفيف اللام، وبالموحدة، عبد الله البصري، وقد سبق ذكره في باب حلاوة الإيمان أيضًا [خ¦16] ، هكذا رواه البخاري، وتابعه أبو داود عن سليمان بن حرب، وكذا أخرجه أبو عوانة في (( صحيحه ) )عن أبي داود السجستاني، وأبي داود الحرَّاني، وأبو نعيم في (( المستخرج ) )من طريق يوسف القاضي، عن سليمان، وخالفهم مُسْلِم فأخرجه عن هارون بن عبد الله، عن سليمان بن حرب، وزاد بين أيوب وأبي قلابة أبا رجاء مولى أبي قِلابة، وكذا أخرجه أبو عوانة عن أبي أمية الطَّرسوسي، عن سليمان.

وقال الدارقطني وغيره ثبوت أبي رجاء، وحذفه في حديث حمَّاد بن زيد عن أيوب صواب؛ لأن أيوب حدَّث به عن أبي قلابة بقصة العرنيين خاصة، وكذا رواه أكثر أصحاب حماد بن زيد عنه مقتصرين عليها، وحدث به أيوب أيضًا عن أبي رجاء مولى أبي قلابة، عن أبي قلابة، وزاد فيه قصة طويلة لأبي قلابة مع عمر بن عبد العزيز، كما سيأتي ذلك في كتاب الدِّيات [خ¦6899] ، ووافقه على ذلك حجاج الصواف، عن أبي رجاء، فالطريقان جميعًا صحيحان، والله أعلم.

(عَنْ أَنَسٍ) أي ابن مالك رضي الله عنه، كما في رواية الأصيلي، ورجال هذا الإسناد كلهم بصريون، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وقد أخرج متنه المؤلِّف هنا، وفي المحاربين [خ¦6802] ، والجهاد [خ¦3018] ، والتفسير [خ¦4610] ، والمغازي [خ¦4192] ، والديات [خ¦6899] ، وأخرجه مسلم في الحدود، وأبو داود في الطهارة، والنسائي في المحاربة.

ج 2 ص 314

(قَالَ قَدِمَ أُنَاسٌ) بضم الهمزة، وفي رواية الكُشميهني والسرخَسي والأَصيلي بغير همزة، وفي رواية البخاري في الديات من طريق أبي رجاء، عن أبي قلابة (( قدم أناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) [خ¦6899] (مِنْ عُكْلٍ) بضم العين وسكون الكاف، وفي آخره لام، وهي خمس قبائل، وذلك أن عوف بن عبد مناة ولد قيسًا، فولد قيس وائلًا وعوانة، فولد وائل عوفًا وثعلبة، فولد عوف بن وائل الحارث، وجُشمًا وسعدًا وعليًا وقيسًا، وأمهم بنت ذي اللحية؛ لأنه كان مطائلًا لحيته، فحضنتهم أمه سوداء، يقال لها عكل، كذا قاله الكلبي وغيره، ويقال عكل امرأة حضنت ولد عوف بن إياس بن قيس بن عوف بن عبد مناة بن أُدِّ بن طابخة.

وزعم السَّمعاني أنهم بطن من تميم، ورد ذلك عليه أبو الحسن الجزري بأن عُكل امرأة من حِمْير يقال لها بنت ذي اللحية، تزوجها عوف بن قيس بن وائل بن عوف بن إدٍّ، فولدت له سعدًا وجُشمًا وعليًا، ثمَّ هلكت الحِمْيَرية، فحضنت عُكل ولدها، وعكل بلدٌ أيضًا.

(أَوْ من عُرَيْنَةَ) بضم المهملة وفتح الراء وسكون الياء وفتح النون؛ حَيٌّ من قُضاعة، وحيٌّ من بجيلة، والمراد هنا الثاني، كذا ذكره موسى بن عقبة في المغازي، وكذا رواه الطبراني من وجه آخر غير أنس، ووقع عند عبد الرزاق من حديث أبي هريرة بإسناد ساقط أنهم من بني فزارة وهو غلط؛ لأن بني فزارة من مضر لا يجتمعون مع عكل ولا مع عرينة أصلًا، وليس عرينة عكلًا، كما زعم ابن التين تبعًا للداودي أن عرينة هم عكل؛ لأنهما قبيلتان متغايرتان؛ عكل من عدنان، وعرينة من قحطان، والشك فيه من حماد، على ما قاله الحافظ العسقلاني، أو ترديد من أنس رضي الله عنه، على ما قاله الكِرماني.

وقال الداودي هو شك من الراوي، وعند المؤلِّف في (الجهاد) [خ¦3018] عن وهيب، عن أيوب «أن رهطًا من عكل» ، ولم يشك، وكذا في «المحاربين» [خ¦6802] عن يحيى بن أبي كثير، وفي (الديات) [خ¦6899] عن أبي رجاء كلاهما عن أبي قلابة، وله في (الزكاة) عن شعبة، عن قتادة عن أنس [خ¦1501] أن ناسًا من عرينة، ولم يشك أيضًا، وكذا لمسلم من رواية معاوية بن قرة، عن أنس، وفي المغازي عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة (( أن ناسًا من عكل وعرينة ) )بالواو العاطفة.

قال الحافظ العسقلاني وهو الصواب، ويؤيده ما رواه أبو عوانة والطبري

ج 2 ص 315

من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس قال كانوا أربعة من عرينة، وثلاثة من عكل فقيل لهم العرنيون؛ لكون أكثرهم من عرينة، ولا يخالف هذا ما عند المؤلِّف في (الجهاد) [خ¦3018] من طريق وهيب، عن أيوب، وفي (الديات) [خ¦6899] من طريق حجاج الصواف، عن أبي رجاء كلاهما، عن أبي قلابة، عن أنس رضي الله عنه «أن رهطًا من عكل ثمانية» ؛ لاحتمال أن يكون الثامن من غير القبيلتين، وكان من أتباعهم فلم يُنْسَب، وغَفِلَ من نَسَب عِدَّتهم ثمانية إلى رواية أبي يعلى، وهي عند البخاري، وكذا عند مسلم، والله أعلم.

ثمَّ إنَّ قدومهم كان فيما ذكره ابن إسحاق في (( المغازي ) )بعد غزوة ذي قَرَد، وكانت في جمادى الأولى سنة ست، وذكره البخاري بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة منها، وذكر الواقدي أنها كانت في شوال منها، وتبعه ابن حبان وابن سعد وغيرهما، وعند المؤلِّف في (المحاربين) [خ¦6804] أنهم كانوا في الصفة قبل أن يطلبوا الخروج إلى الإبل.

(فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ) أي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي أصابهم الجوى بالجيم، وهو داء الجوف إذا تطاول، ويقال الاجتواء كراهة المقام، يقال اجتويت البلد إذا كرهتها، وإن كنت في نعمة وكانت موافقة لك في بدنك كما يقال استوبَلْتُها إذا لم توافقك في بدنك وإن أَحْبَبْتَها، قاله ابن فارس.

وقيَّده الخطَّابي بما إذا تضرر بالإقامة وهو المناسب لهذه القصة، وقال القزاز اجتووا؛ أي لم يوافقهم طعامها.

وقال ابن العربي الجوى داء يأخذ من الوباء، وفي رواية ، هذا، وزِيْدَ في رواية يحيى بن أبي كثير قبل هذا [خ¦6802] (( فأسلموا ) )، وفي رواية أبي رجاء قبل هذا [خ¦6899] (( فبايعوه على الإسلام ) )، وللمؤلف من رواية سعيد، عن قتادة في هذه القصة فقالوا (( يا نبي الله، إنَّا كنَّا أهل ضَرْع ولم نكن أهل ريف ) ) [خ¦4192] ، وله في الطب من رواية ثابت عن أنس (( أن ناسًا كان بهم سقم قالوا يا رسول الله آونا وأطعِمْنا، فلما صحوا قالوا إن المدينة وخمة ) ) [خ¦5685] ، والظاهر أنهم قدموا سقامًا، فلما صحوا من السُقْم كرهوا الإقامة بالمدينة لوخمها، فأما السقم الذي كان بهم فهو الهُزال الشديد، والجهد من الجوع، فعند أبي عوانة من رواية غَيلان، عن أنس «كان بهم هزال شديد» ، وعنده من رواية ابن سعد عنه «مُصفَرة ألوانهم» .

وأما الوخم الذي شكوا منه بعد أن صحت أجسامهم فهو من حمى المدينة، كما عند أحمد من رواية حُميد، عن أنس من حديث عائشة في الطب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الله أن ينقلها إلى الجُحْفة، ووقع عند مسلم من رواية معاوية بن قرة

ج 2 ص 316

«وقع بالمدينة المُوْم» _ بضم الميم وسكون الواو _ وهو البِرسام بكسر الموحدة، سرياني مُعرَّب يطلق على اختلاف العقل، وعلى ورم الصدر، وعلى ورم الرأس، والمراد هنا ورم الصدر، فعند أبي عوانة من رواية همام، عن قتادة، عن أنس في هذه القصة «فعظِمَت بطونهم فقالوا يا رسول الله إن المدينة وخمة» .

(فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِلِقَاحٍ) بكسر اللام، وهي الإبل الواحدة؛ لقوح أو لِقْحَة بكسر اللام وسكون القاف، وهي الحَلوب، قال أبو عمرو إذا نتجت فهي لقوح شهرين أو ثلاثة، ثمَّ هي لَبون بعد ذلك، أي فأمرهم أن يلحقوا بها، وعند المؤلِّف في رواية همام، عن قتادة (( فأمرهم أن يلحقوا براعِيه ) ) [خ¦5686] ، وعنده، عن قتيبة، عن حماد (( فأمر لهم بلقاح ) ) [خ¦6805] بزيادة اللام، فيحتمل أن تكون زائدة أو للتعليل، أو لشبه الملك أو الاختصاص، وليست للتمليك، وعند أبي عوانة من رواية معاوية بن قرة التي أخرج مسلم إسنادها أنهم بدأوا بطلب الخروج إلى اللقاح فقالوا يا رسول الله قد وقع هذا الوجع، فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل».

وللمؤلف أيضًا من رواية وهيب، عن أيوب «أنهم قالوا يا رسول الله أبغنا رِسْلًا _ أي اطلب لنا لبنًا _ قال (( ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذَّود ) ) [خ¦3018] ، وفي رواية أبي رجاء هذه (( نَعَمٌ لنا تَخْرُجُ فأخرجوا فيها ) ) [خ¦4610] ، وعنده في المحاربين، عن موسى، عن وهيب بسنده فقال (( إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) [خ¦6804] ، وعنده فيه أيضًا من رواية الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير بسنده (( فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة ) ) [خ¦6802] ، وكذا في الزكاة من طريق شعبة، عن قتادة [خ¦1501] .

والجمع بينهما أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعث النبي صلى الله عليه وسلم بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء النفر الخروج إلى الصحراء لشرب ألبان الإبل، فأمرهم أن يخرجوا مع راعيه، فخرجوا معه إلى الإبل، ففعلوا ما فعلوا، كذا قال الحافظ العسقلاني.

وقال محمود العيني في الجمع بينهما إنَّه عليه السلام كانت له إبل من نصيبه من المَغْنم، وكان يشرب لبنها، وكانت ترعى مع إبل الصدقة لاجتماعهم في موضع واحد، وذكر ابن سعد أن عدد لقاحه صلى الله عليه وسلم كانت خمس عشرة، وأنهم نحروا منها واحدة يقال لها الحناء، وهو في ذلك متابع للواقدي، وقد ذكره الواقدي في المغازي بإسناد ضعيف مرسل، وعند أبي عوانة (( كانت ترعى بذي الجَدْر ) )بالجيم

ج 2 ص 317

وسكون الدال المهملة ناحية قباء، قريبًا من عَيْر، على ستة أميال من المدينة.

(و) أمرهم عليه السلام (أَنْ يَشْرَبُوا) أي بالشرب (مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا) وفي رواية البخاري عن أبي رجاء (( فاخرجوا فاشربوا من ألبانها وأبوالها ) ) [خ¦4610] بصيغة الأمر، وفي رواية شعبة عن قتادة (( فرخَّص لهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا ) ) [خ¦1501] (فَانْطَلَقُوا) فشربوا منها، فأما شربهم لبن الصدقة فلأنهم من أبناء السبيل، وأما شربهم لبن لقاح النبي صلى الله عليه وسلم فبإذنه الشريف [1] ، وأما شربهم أبوال الإبل، فقد استدل به مالك على طهارة بول ما يؤكل لحمه، أما من الإبل فبهذا الحديث، وأما من غيرها من مأكول اللحم فبالقياس عليها، وبه قال أحمد ومحمد بن الحسن، والاصطخري والروياني الشافعيان، وهو قول الشعبي، وعطاء، والنخعي، والزهري، وابن سيرين، والحَكَم، والثوري.

وقال داود وابن عُلَية بول كل حيوان ونحوه وإن كان لا يؤكل لحمه طاهر غير بول الآدمي، وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور وآخرون كثيرون إن الأبوال كلها نجسة إلا ما عُفي عنه، وأجابوا عن الحديث بأن ما في حديث العرنيين قد كان للضرورة فليس فيه دليل على أنه مباح في غير حال الضرورة؛ لأن ثمة أشياء أبيحت في الضرورات ولم تُبَحْ في غيرها كلبس الحرير، فإنه حرام للرجال، وقد أبيح لبسه في الحرب، أو للحكة، أو لشدة البرد إذا لم يجد غيره، وله أمثال كثيرة في الشرع، والجواب المقنع في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم عَرَفَ بِنُورِ الوحي شفاءهم بذلك، والاستشفاء بالحرام جائز عند التَّيقن بحصول الشفاء به كتناول الميتة عند المَخْمَصة، والخمر عند العطش، وإسباغة اللقمة، وإنما لا يباح ما لا يُستيقن حصول الشفاء به.

وقال ابن حزم صح يقينًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بذلك على سبيل التداوي من السقم الذي كان أصابهم، وأنهم صحت أجسامهم بذلك، وقد قال عز وجل {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام 119] فما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه من المآكل والمشارب.

وقال شمس الأئمة حديث أنس رضي الله عنه قد رواه قتادة عنه «أنه رخَّص لهم في شرب ألبان الإبل» ، ولم يذكر الأبوال، وإنما ذكره في رواية حميد الطويل عنه، والحديث حكاية حال، فإذا دار بين أن يكون حجة أو لا يكون حجة سقط الاحتجاج به

ج 2 ص 318

ثمَّ نقول خصَّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك؛ لأنه عرف بطريق الوحي أن شفاءهم فيه، ولا يوجد مثله في زماننا، وهو كما خصَّ الزبير رضي الله عنه بلبس الحرير لحكَّة كانت به أو للقمل، فإنه كان كثير العمل، أو لأنهم كانوا كفارًا في علم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عَلِمَ بطريق الوحي أنهم يموتون على الردة، ولا يبعد أن يكون شفاء الكافرين بالنجس. انتهى.

فإن قيل هل لأبوال الإبل تأثير في الاستشفاء حتى أمرهم عليه السلام بذلك؟.

فالجواب أنه قد كانت إبله عليه السلام ترعى الشيح والقيصوم، وأبوالُ الإبل التي ترعى ذلك وألبانُها تدخل في علاج نوعٍ من أنواعِ الاستشفاء، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنها شفاء، وعرف أيضًا مرضهم بأنه الذي تزيله هذه الأبوال، فأمرهم لذلك، ولا يوجد هذا في زماننا، ولو فرضنا أن أحدًا عرف مرض شخص بقوة العلم، وعرف أنه لا يزيله إلا تناول المُحرَّم، يباح له حينئذ تناوله كما يباح شرب الخمر عند العطش الشديد، وتناول الميتة عند المخمصة، ولا يقال لو كانت أبوال الإبل محرمة الشرب لما جاز التداوي بها؛ لما روى أبو داود من حديث أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم (( إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حُرِّم عليها ) )؛ لأنه يقال هو محمول على حالة الاختيار، وأما حالة الاضطرار فلا يكون حرامًا كالميتة للمضطر كما ذكر، فلا يرد أيضًا ما روي عن سويد بن طارق أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه، ثمَّ سأله فنهاه فقال يا نبي الله إنها دواء، فقال (( لا، ولكنها داء ) )فإنه محمول على حالة الاختيار أيضًا.

وما أجاب به الحافظ العسقلاني عنه بأن ذلك خاص بالخمر ويلتحق به غيرها من المسكرات [2] ، فقد تعقَّبه محمود العيني بأنه دعوى خصوصية بلا دليل لا تسمع، فإن قيل روي عن ابن عمر رضي الله عنهما كانت الكلاب تبول وتُقْبِل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشُّون شيئًا، وروي عن جابر والبراء رضي الله عنهما مرفوعًا (( ما أُكِلَ لحمُه فلا بأس ببوله ) )، وكذا حديث ابن مسعود رضي الله عنه الآتي ذكره في باب إذا أُلقِيَ على ظهر المصلي قذرٌ وجيفة لم تفسد عليه صلاته [خ¦240] .

والحديث الصحيح الذي ورد في غزوة تبوك (( فكان الرجل ينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كَبِدِه ) ).

فالجواب أن يقال أما حديث ابن عمر رضي الله عنهما فغيرُ مُسنَد؛ لأنه ليس فيه أنه عليه السلام عَلِم بذلك، وأما حديث جابر والبراء رضي الله عنهما فرواه الدارقطني وضعَّفه،

ج 2 ص 319

وأما حديث ابن مسعود رضي الله عنه؛ فإنه كان بمكة قبل ورود الحكم بتحريم النجو والدم، وقال ابن حزم هو منسوخ بلا شك، وأما حديث غزوة تبوك فقد قيل إنه كان للتداوي، وقال ابن خزيمة لو كان الفَرْث إذا عصره نجسًا لم يَجُزْ للمرء أن يجعله على كبده.

(فَلَمَّا صَحُّوا) من ذلك الداء، وفي رواية وهيب ، وفي رواية الإسماعيلي من رواية ثابت (قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر (صلى الله عليه وسلم وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ) من الاستياق، وهو السوق، والنَعَم بفتحتين واحد الأنعام، وهي الأموال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل، وفي بعض النسخ (فَجَاءَ الْخَبَرُ) عنهم، وفي رواية وهيب، عن أيوب [خ¦3018] بالخاء المعجمة، وهو على فعيل بمعنى فاعل؛ أي صرخ بالإعلام بما وقع منهم، وهذا الصارخ هو أحد الراعيين كما ثبت في (( صحيح أبي عوانة ) )من رواية معاوية بن قرة، عن أنس (( فقتلوا أحد الراعيين، وجاء الآخر قد جَزِع فقال قد قتلوا أصحابي وذهبوا بالإبل ) )، واسم راعي النبي صلى الله عليه وسلم المقتول هو يسار، بياء تحتانية ثمَّ مهملة خفيفة، كذا ذكره ابن إسحاق في المغازي، ورواه الطبراني موصولًا من حديث سلمة بن الأكوع بإسناد صالح قال «كان للنبي صلى الله عليه وسلم غلام يقال له يسار» .

وزاد ابن إسحاق (( أصابه في غزوة بني ثعلبة ) )قال سلمة فرآه يحسن الصلاة فأعتَقَه وبعثه في لقاح له بالحَرَّة فكان بها، فذكر قصة العرنيين وأنهم قتلوه، ولم أقف على تسمية الراعي الآتي بالخبر، والظاهر أنه راعي إبل الصدقة، ولم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعي النبي صلى الله عليه وسلم وفي ذكره بالإفراد، وكذا لمسلم لكن عنده من رواية عبد العزيز بن صهيب، عن أنس «ثمَّ مالوا على الرعاة فقتلوهم» بصيغة الجمع، ونحوه لابن حبان من [3] رواية يحيى بن سعيد، عن أنس، فيحتمل أن إبل الصدقة كان لها رعاة، فقُتِل بعضهم مع راعي اللَّقاح فاقتصر بعض الرواة على راعي النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر بعضهم معه غيره، ويحتمل أن يكون بعض الرواة ذكره بالمعنى؛ فتجوز في الإتيان بصيغة الجمع.

قال الحافظ العسقلاني وهذا أرجح؛ لأن أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار، والله أعلم.

(فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (فِي آثَارِهِمْ) أي وراءهم، وزاد في رواية الأوزاعي (( الطلب ) )، وفي حديث سلمة بن الأكوع (( خيلًا من المسلمين أميرهم كُرز بن جابر الفِهْري ) )، وكذا ذكره ابن إسحاق والأكثرون، وكُرْز بضم الكاف وسكون الراء، وفي آخره زاي معجمة، وللنسائي من رواية الأوزاعي (( فبعث في طلبهم قافة ) )وهو جمع قائف، ولمسلم من رواية معاوية بن قرة، عن أنس (( أنهم شباب من الأنصار قريب من عشرين رجلًا، وبعث معهم قائفًا يقتفي آثارهم ) ).

قال العسقلاني ولم أقف على اسم هذا القائف ولا على اسم واحد من العشرين، لكن في (( مغازي الواقدي ) )أن السرية كانت عشرين رجلًا، ولم يقل (من الأنصار) بل سمي منهم جماعة من المهاجرين منهم بريدة بن الخصيب، وسلمة بن الأكوع الأسلميان، وجندب ورافع ابنا مكيث الجُهنيَّان، وأبو ذر وبلال بن الحارث وعبد الله بن عمرو بن عوف المُزَنيَّان وغيرهم، والواقدي لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف؟ لكن يحتمل أن يكون من لم يسمِّه الواقدي من الأنصار فأطلق الأنصار تغليبًا، أو قيل للجميع [4]

ج 2 ص 320

أنصار بالمعنى الأعم، وفي مغازي موسى بن عقبة أن أميرَ هذه السرية سعيدُ بن زيد بزيادة الياء، والذي ذكره غيره سعد بسكون العين ابن زيد الأشهلي، وهذا أنصاري فيحتمل أنه كان رأس الأنصار وكان كُرْز أمير الجماعة، وروى الطبري [5] وغيره من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في آثارهم، لكن إسناده ضعيف، والمعروف أن جريرًا تأخر إسلامه عن هذا الوقت بمدة، والله أعلم.

(فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ) إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهم أسارى (فَقَطَعَ) عليه السلام (أَيْدِيَهُمْ) جمع يد، فإما أن يُراد بها أقل الجمع وهو اثنان كما هو عند بعضهم؛ لأن لكل منهم يدين، وإما أن يراد التوزيع عليهم بأن يقطع من كل واحد منهم يد واحدة، والجمع في مقابلة الجمع يفيد التوزيع، وإسناد الفعل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مجاز يشهد له ما ثبت في رواية ، وفي أخرى .

(وَأَرْجُلَهُمْ) أي {مِنْ خِلَافٍ} [الأعراف 124] كما في آية المائدة المُنْزَلة في هذه القضية، كما رواه ابنا جرير وحاتم وغيرهما.

وفي (( طبقات ابن سعد ) )أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثرهم كُرْز بن جابر الفهري ومعه عشرون فارسًا وكان العرنيون ثمانية، وكانت اللِّقاح ترعى بذي الجَدر، ناحية قباء، قريبًا من عَيْر، على ستة أميال من المدينة، فلما عَدَوا على اللِّقاح أدركهم يسار، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه نفر، فقاتلهم، فقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، ففعل بهم النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فأنزل عليه {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة 33] الآية، فلم يَسْمُل بعد ذلك عينًا. انتهى.

(وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ) بضم السين وتخفيف الميم وتشديدها؛ أي كحلت بمسامير محمية، وفي رواية مسلم (( سملت ) )باللام موضع الراء، يقال (( سُمِلَتْ عينُه ) )بصيغة المجهول ثلاثًا إذا فُقِئتْ بحديدةٍ مُحْماة، وقيل هما بمعنى واحد، وقال الخطابي السَّمل فَقءُ العين بأيِّ شيءٍ كان.

قال أبو ذؤيب الهذلي

~والعَينُ بَعدَهُم كَأنَّ حِدَاقَها سُمِلَت بِشَوكٍ فهيَ عُورٌ تَدمَعُ

ولم تختلف روايات البخاري كلها بالراء، وعنده من رواية وهيب، عن أيوب، ومن رواية الأوزاعي، عن يحيى كلاهما، عن أبي قلابة (( ثمَّ أمر بمسامير فأحميت فكحَّلهم

ج 2 ص 321

بها )) وإنما فعله بهم قصاصًا؛ لأنهم سمَلوا عين الراعي، وليس من المُثْلة المنهي عنها؛ لما عند مسلم من حديث سليمان التيمي، عن أنس رضي الله عنه (( إنما سَمَل النبي صلى الله عليه وسلم أعيُنَهم؛ لأنهم سَمَلوا أعين الرعاة ) )، مال إليه جماعة، منهم ابن الجوزي، أو إنما سمر أعينهم بمسامير محمية، وقد نهى عن التعذيب بالنار، قبل نزول الحدود، وآية المحاربة، والنهي عن المُثْلة، فهو منسوخ، قال ابن شاهين عقيب حديث عمران بن الحصين في النهي عن المُثْلة هذا الحديث ينسخ كل مسألة، وتعقَّبه ابن الجوزي بأن ادعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ.

وأجاب عنه الحافظ العسقلاني بأنه يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد [خ¦3016] من حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه، وقصةُ العرنيين قبل إسلام أبي هريرة، وقد حضر الإذن، ثمَّ النهي.

وروى قتادة عن ابن سيرين أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود، وعند موسى بن عقبة في المغازي وذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة، وإلى هذا مال البخاري، وحكاه إمام الحرمين في (( النهاية ) )عن الشافعي رحمه الله، وقيل النهي عن المثلة نهي تنزيه لا نهي تحريم.

(وَأُلْقُوا) بضم الهمزة والقاف على البناء للمجهول (فِي الْحَرَّةِ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء، وهي الأرض ذات الحجارة السود، والمراد من الحرَّة هذه حرة بظاهر مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم بها حجارة سود كثيرة، كأنها أحرقت بالنار، وكان بها الوقعة المشهورة أيام يزيد بن معاوية (يَسْتَسْقُونَ) بفتح أوله؛ أي يطلبون السقي من الاستسقاء وهو طلب السقي وطلب السقيا أيضًا وهو المطر (فَلاَ يُسْقَوْنَ) بضم أوله وفتح القاف، وزاد وُهيب [خ¦3018] والأوزاعي [خ¦6802] (( حتى ماتوا ) )، وفي رواية يحيى بن سعيد [خ¦1501] (( يعضون الحجارة ) )، وفي رواية أبي رجاء [خ¦6899] (( ثمَّ نبذهم في الشمس حتى ماتوا ) ).

وفي الطب [خ¦5685] من رواية ثابت قال أنس (( فرأيت رجلًا منهم يَكْدِم الأرض بلسانه حتى يموت ) )، ولأبي عوانة (( يعض الأرض ليَجِدَ من بَرْدِها مما يجد من الحر والشدة ) )، والمنع من السقي، مع كون الإجماع على سقي من وجب قتله إذا استسقى؛ لئلا يجتمع عليه عذابان إما لأنه ليس بأمره عليه السلام على ما قاله القاضي عياض، وفيه نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك، وسكوته كاف في ثبوت الحكم، وإما لأنه نهى عن سقيهم لارتدادهم، ففي رواية مسلم والترمذي (( أنهم ارتدوا عن الإسلام ) )وحينئذٍ فلا حرمة لهم كالكلب العقور، ويدل عليه أن من ليس معه ماء إلا لطهارته ليس له أن يسقيه المرتد ويتيمم، بل يستعمله ولو مات المرتد عطشًا، على ما قاله النَّووي.

وقال الخطابي إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بهم ذلك؛ لأنه أراد بهم الموت بذلك، وفيه نظر لا يخفى، وقيل إن الحكمة في تعطيشهم؛ لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بالعطش على من عطَّش آل بيته فقال (( عطَّش الله من عطَّش آل محمد ) )في قصة رواها النسائي، فيحتمل أن يكونوا في تلك الليلة منعوا إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يراح به إلى النبي صلى الله عليه وسلم من لقاحه في كل ليلة كما ذكره ابن سعد، والله أعلم.

هذا وزعم الواقدي أنهم صُلِبوا، والروايات الصحيحة ترده، لكن عند أبي عوانة من رواية ابن عقيل،

ج 2 ص 322

عن أنس رضي الله عنه «فصَلَبَ اثنين وقَطَعَ اثنين وسَمَل اثنين» ، كذا ذكر ستة فقط، فإن كان محفوظًا فعقوبتهم كانت موزعة.

(قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ) عبد الله (فَهَؤُلاَءِ) العرنيون والعكليون (سَرَقُوا) بفتح الراء؛ لأن أخذهم اللقاح سرقة؛ لكونه من حرزٍ بالحافظ (وَقَتَلُوا) الراعي (وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) كذا في رواية سعيد، عن قتادة، عن أنس في «المغازي» [خ¦4192] ، وكذا في رواية وهيب عن أيوب في «الجهاد» [خ¦3018] ، وقد روى مسلم في (( صحيحه ) )، وكذا الترمذي (( أنهم ارتدوا عن الإسلام ) ).

(وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) لما ثبت عند أحمد من رواية حميد، عن أنس في أصل الحديث «وهربوا محاربين» ، ثمَّ إن قول أبي قلابة هذا إن كان داخلًا في قول أيوب بأن يكون مقولًا له يكون داخلًا تحت الإسناد، وإن كان مقول البخاري يكون تعليقًا منه.

ومن فوائد هذا الحديث قدوم الوفود والغرباء على الإمام، ونظره في مصالحهم، وأمره لهم بما يناسب حالهم وإصلاح أبدانهم، ومنها جواز التطبب وطب كل جسد بما اعتاده، ومنها قتل الجماعة بالواحد سواء قتلوه غيلة أو حِرَابة إن قلنا إن قتلهم كان قَصَاصًا، ومنها شرعية المماثلة في القَصاص وليس ذلك من المُثْلة المنهي عنها، ومنها ثبوت حكم المحاربة في الصحراء فإنه عليه السلام بعث في طلبهم لما بَلَغَه فِعْلُهم بالراعي، وأما في الأمصار والقرى ففيه خلاف، فنفاه أبو حنيفة، وأثبته مالك والشافعي، ومنها جواز عقوبة المحاربين وهو موافق لقوله تعالى {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة 33] الآية، وهل كلمة فيها للتخيير أو للتنويع فيه قولان، ومنها قتل المرتد من غير استتابة، وفي كونها واجبة أو مستحبة خلاف مشهور، وقيل هؤلاء حاربوا والمرتد إذا حارب لا يستتاب؛ لأنه يجب [6] قتله، فلا معنى للاستتابة.

[1] قوله (( وأما شربهم لبن لقاح النبي صلى الله عليه وسلم فبإذنه الشريف ) )ليس في (خ) .

[2] في هامش الأصل وقال الحافظ العسقلاني والفرق بين المسكر وغيره من النجاسات أن الحد يثبت باستعماله في حالة الاختيار دون غيره، ولأن شربه يجر إلى مفاسد كثيرة، ولأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن من الخمر شفاء فجاء الشرع بخلاف معتقدهم، قاله الطحاوي بمعناه، وأما أبوال الإبل فقد روى ابن المنذر عن ابن عباس مرفوعًا (( إن في أبوال الإبل شفاء للذَرِبة بطونهم ) )والذرَب فساد المعدة فلا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه. منه.

[3] قوله (( من رواية عبد العزيز ... إلى قوله لابن حبان ) )ليس في (خ) .

[4] (( للجميع ) )ليست في (خ) .

[5] في (خ) (( الطبراني ) ).

[6] في (خ) (( لا يجب ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت