2561 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أي ابنُ سعيد، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابنُ سعد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ بَرِيرَةَ) بفتح الموحدة بوزن فعيلة، من البرير وهو ثمرُ الأراك، وقيل كأنَّها فعيلة من البرِّ بمعنى مفعولة كمبرورة، أو بمعنى فاعلة
ج 11 ص 612
كرحيمة هكذا وجَّهه القرطبي، والأوَّل أولى؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم غَيَّر اسم جويرية وكان اسمها برَّة، وقال لا تزكُّوا أنفسكم، فلو كانت بريرة من البرِّ لشاركتها في ذلك، وكانت بريرةُ لناسٍ من الأنصار، كما وقع عند أبي نُعيم، وقيل لناس من بني هلال، قاله ابن عبد البرِّ، ويمكن الجمع، وكانت تخدم عائشة رضي الله عنها قبل أن تعتق، كما سيأتي في حديث الإفك [خ¦2637] [خ¦2661] ، وعاشت إلى خلافة معاوية رضي الله عنها، وتفرَّست في عبد الملك بن مروان أن يلي الخلافة فبشَّرته بذلك، وروى ذلك هو عنها.
(جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ) رضي الله عنها (ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ) المراد به هنا السَّادة، والأهل في الأصل الآل، وفي الشَّرع من يلزم نفقته على الأصح عند الشَّافعية (فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ وَلاَؤُكِ لِي فَعَلْتُ) جواب قوله «فإن أحبُّوا» ، هكذا في هذه الرِّواية، وهي نظير رواية مالك عن هشام بن عروة الآتية في «الشُّروط» [خ¦2168] بلفظ (( إنَّ أحبَّ أهلك أن أعدَّها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت ) ).
وظاهره أنَّ عائشة رضي الله عنها طلبت أن يكون الولاء لها إذا بذلت جميع مال الكتابة، ولم يقع ذلك إذ لو وقع لكان اللَّوم على عائشة رضي الله عنها بطلبها ولاء من أعتق غيرها.
وقد رواه أبو أسامة عن هشام بلفظ يزيل الإشكال فقال بعد قوله «أن أعدها لهم عدَّة واحدة وأعتقك، ويكون ولاؤك لي فعلت» . وكذلك رواه وهيب عن هشام فعُرِف بذلك أنَّها أرادت أن تشتريها شراءً صحيحًا ثمَّ تعتقها، إذ العتق فرع ثبوت الملك.
ويؤيِّده قوله في بقيَّة حديث الزُّهري في هذا الباب فقال صلى الله عليه وسلم (( ابتاعي فأعتقي ) )وهو تفسير قوله في رواية مالك عن هشام «خذيها» [خ¦2168] .
ويوضِّح ذلك أيضًا في طريق أيمن الآتية دخلت عليَّ بريرة وهي مكاتبة فقالت اشتريني وأعتقيني قالت نعم [خ¦2565] . وقوله في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أرادت عائشةُ أن تشتريَ جارية فتعتقها. وبهذا يتَّجه الإنكار على موالي بَريرة
ج 11 ص 613
إذ وافقوا عائشة على بيعها، ثمَّ أرادوا أن يشترطوا أن يكون الولاء لهم. ويؤيِّده قوله في رواية أيمن المذكور قالت لا يبيعوني حتَّى يشترطوا ولائي لهم [خ¦2565] . وفي رواية الأسود الآتية في «الفرائض» [خ¦6754] عن عائشة رضي الله عنها (( اشتريتُ بريرة لأعتقها فاشترط أهلها ولاؤها ) ). وسيأتي قريبًا في «الهبة» [خ¦2578] من طريق القاسم، عن عائشة رضي الله عنها أنَّها أرادت أن تشتري بريرة، وأنَّهم اشترطوا ولاءها.
(فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأَهْلِهَا فَأَبَوْا) أي امتنعوا عن كون الولاء لعائشة رضي الله عنها (وَقَالُوا إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ) من الحِسبة _ بكسر المهملة _؛ أي تحتسب الأجر والثَّواب عند الله، ولا يكون لها ولاء (فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ لَنَا وَلاَؤُكِ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فسألني فأخبرته كما في رواية. وفي رواية مالك عن هشام فجاءت من عندهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ فقالت إنِّي عرضت عليهم فأبوا، فسمع النَّبي صلى الله عليه وسلم [خ¦2168] .
وفي رواية أيمن الآتية فسمع بذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم أو بلغه [خ¦2565] . زاد في «الشُّروط» من هذا الوجه [خ¦2726] فقال (( ما شأن بَريرة؟ ) ). ولمسلم من رواية أبي أسامة، ولابن خزيمة من رواية حمَّاد بن سلمة كلاهما عن هشام فجاءتني بَريرة والنَّبي صلى الله عليه وسلم جالس فقالت لي فيما بيني وبينها ما ردُّ أهلها، فقلت لاها اللهِ إذًا، ورفعت صوتي وانتهرتها، فسمع ذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم فسألني فأخبرته. لفظ ابن خُزيمة.
(فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي) هو كقوله في حديث عمر رضي الله عنهما «لا يمنعك ذلك» ، [خ¦2168] وليس في ذلك شيء من الإشكال الذي وقع في رواية هشام الآتية في الباب الذي يليه، (فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، قَالَ) أي الرَّاوي (ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا بَالُ أُنَاسٍ) بهمزة مضمومة؛ أي ما شأنهم(يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ،
ج 11 ص 614
مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وَإِنْ اشْتَرَطَ)كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره (مِائَةَ مَرَّةٍ) وفي رواية المستملي ، وكذا هو في رواية هشام وأيمن.
قال النَّووي معنى قوله (( وإن اشترط مائة شرط ) )أنَّه لو شرط مائة مرَّة توكيدًا فهو باطل. ويؤيِّده قوله في الرِّواية الأخيرة (( وإن شرط مائة مرَّة ) )، وإنَّما حمله على التَّأكيد؛ لأنَّ العموم في قوله «كل شرط» ، وفي قوله «من اشترط شرطًا» دالٌّ على بطلان جميع الشُّروط المذكورة فلا حاجة إلى تقييدها بالمائة، فإنَّها لو زادت عليها كان الحكم كذلك لما دلَّت عليه الصِّيغة.
نعم الطَّريق الأخيرة من رواية أيمن عن عائشة رضي الله عنها بلفظ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( الولاء لمن أعتق، وإن اشترطوا مائة شرط ) )، وإن احتمل التَّأكيد لكنَّه ظاهر في أنَّ المراد به التعدُّد، وذكر المائة على سبيل المبالغة.
وقال القرطبي قوله (( ولو كان مائة شرط ) )خرج مخرج التَّكثير؛ يعني أنَّ الشُّروط الغير المشروعة باطلة ولو كثرت. وسيأتي التَّنصيص على ذلك في «كتاب الشُّروط» إن شاء الله تعالى [خ¦2726] .
(شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ) ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله ) ).