235 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابن أبي أويس، وقد تقدم في باب تفاضل أهل الإيمان [خ¦22] (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) هو إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، وزاد في رواية الأصيلي (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بتصغير الابن، وتكبير الأب، وزاد ابن عساكر (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (عَنْ مَيْمُونَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها، ورجال هذا الإسناد الستة مدنيون، وفيه رواية صحابي عن صحابية، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الذبائح أيضًا [خ¦5540] ، وهو مما انفرد به عن مسلم، وأخرجه أبو داود، والترمذي وقالا حسن صحيح، وأخرجه النسائي أيضًا.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية ابن عساكر (صلى الله عليه وسلم سُئِلَ) على البناء للمفعول، ويحتمل أن يكون السائل ميمونة رضي الله عنها، وقد وقع في رواية يحيى القطان وجويرية، عن مالك في هذا الحديث (( أن ميمونة استفتت ) )رواه الدارقطني وغيره (عَنْ فَأْرَةٍ)
ج 2 ص 330
بهمزة ساكنة، وجمعها فأر، بالهمز أيضًا (سَقَطَتْ من سَمْنٍ) أي جامد، كما في رواية عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، أخرجه النسائي، وللمؤلف في الذبائح [خ¦5538] من رواية ابن عيينة عن ابن شهاب (( فماتت ) ) (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَلْقُوهَا) أي ارموا الفأرة (وَمَا حَوْلَهَا) من السَّمن، ويُعلم منه أنَّ السَّمن كان جامدًا، كما صرَّح به في الرواية الأخرى؛ لأن المائع لا حولَ له، أو الكلُّ حوله لنفوذه إليه.
(وَكُلُوا سَمْنَكُمْ البَاقِي) ويستنبط من هذا الحديث أن السمن الجامد إذا وقعت فيه فأرة أو نحوها تُطرح الفأرة، ويؤخذ ما حولها من السَّمن، ويُرمى به، ولكنْ إذا تحقَّق أن شيئًا منها لم يصل إلى شيءٍ خارجٍ عما حولها، والباقي يؤكل، ويقاس عليه العسل والدبس إذا كانا جامدين، وكذا نحوهما، وأما المائع؛ فقد اختلفوا فيه؛ فذهب الجمهور إلى أنه ينجس كله قليلًا كان أو كثيرًا، وقد شذَّ قومٌ فجعلوا المائع كالماء ولا يعتبر بذلك.
وسلك داود بن علي في ذلك مسلكهم إلا في السمن الجامد والذائب، فإنه تَبِع ظاهر هذا الحديث، وخالف معناه في العسل والخل وسائر المائعات فجعلها كلَّها في لحوق النجاسة إياها مُعْتَبَرَة بما ظهر فيها، فشذ أيضًا، ويلزمه أن لا يتعدى الفأرة كما لا يتعدى السمن.
قال أبو عمرو اختلف العلماء في الاستصباح به بعد إجماعهم على نجاسته؛ فقالت طائفة من العلماء لا يُستصبح به ولا ينتفع بشيء منه، وممن قال ذلك الحسن بن صالح وأحمد بن حنبل، محتجين بالرواية المذكورة «وإن كان مائعًا فلا تقربوه» وبعموم النهي عن الميتة في الكتاب العزيز.
وقال آخرون يجوز الاستصباح به والانتفاع في كل شيء إلا الأكل والبيع وهو قول مالك والشافعي وأصحابهما والثوري، أما الأكل فمُجمَع على تحريمه إلا الشذوذ الذي ذكرناه، وأما الاستصباح فرُوي عن علي رضي الله عنه وابن عمر رضي الله عنهما أنهما أجازا ذلك، ومن حجتهم في تحريم بيعه قوله صلى الله عليه وسلم (( لعن الله اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم فباعوها، وأكلوا ثمنها إن الله إذا حرَّم أكلَ شيء حرَّم ثمنه ) )، وقال آخرون يُنتفع به ويجوز بيعه ولا يؤكل، وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه والليث بن سعد رحمهم الله، وقد روي عن أبي موسى الأشعري والقاسم وسالم محتجين بالرواية الأخرى، وإن كان مائعًا فاستصبحوا به وانتفعوا، والبيع من باب الانتفاع.
وأما قوله في حديث عبد الرزاق «وإن كان مائعًا فلا تقربوه» ، فيحتمل أن يراد به الأكل، وقد أجرى عليه السلام
ج 2 ص 331
التحريم في شحوم الميتة من كل وجه، ومنع الانتفاع بها، وقد أباح في السمن، تقع فيه الميتة، الانتفاع به [1] ، فدل على جواز وجوه الانتفاع بشيء منها غير الأكل، ومن جهة النظر أن شحوم الميتة محرمة العين والذات، وأما الزيت ونحوه، تقع فيه الميتة، فإنما ينجس بالمجاورة، وما ينجس بالمجاورة فبيعه جائز، كالثوب تصيبه النجاسة من الدم وغيره، وأما قوله عليه السلام (( إن الله إذا حرم أكْلَ شيءٍ حرَّم ثمنه ) )، فإنما خرج على لحوم الميتة التي حرم أكلها ولم يبح الانتفاع بشيء منها وكذلك الخمر، وأجاز عبد الله بن نافع غسلُ الزيت وشبهه يقع فيه الميتة، وروي ذلك عن مالك أيضًا، وصفته أنه يعمد إلى ثلاث أوانٍ أو أكثر فيجعل الزيت النجس في واحدة منها حتى يكون نصفها أو نحوه، ثمَّ يصب عليه الماء حتى يمتلئ، ثمَّ يؤخذ الزيت من على الماء، ثمَّ يجعل في آخر ويعمل به كذلك، ثمَّ في آخر، وهو قول ليس لقائله سلف ولا تَسكُن إليه النفس.
قال محمود العيني هذا مما لا ينعصر بالعصر، وفيه خلاف بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، فقال أبو يوسف يطهر ما لا ينعصر بالعصر بغسله ثلاثًا، وتجفيفه في كل مرة، وذلك كالحنطة والخزفة الجديدة والحصير والسكين المُمَوَّه بالماء النجس، واللحم المغلي بالماء النجس، فالطريق فيه أن يغسل الحنطة ثلاثًا وتجفف في كل مرة وكذلك الحصير، ويغسل الخزف حتى لا يبقى له بعد ذلك طعم ولا لون ولا ريح، ويموه السكين بالماء الطاهر ثلاث مرات، ويطبخ اللحم ثلاث مرات، ويجفف في كل مرة، ويبرد من الطبخ، وأما العسل واللبن ونحوهما إذا مات فيها الفأرة أو نحوها يجعل في الإناء ويصب فيه الماء، ويطبخ حتى يعود إلى ما كان، هكذا يفعل ثلاثًا.
وقال محمد ما لا ينعصر بالعصر لا يطهر أبدًا، وقد روي عن عطاء قوله تفرَّد به، روى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء قال ذكروا أنه يدهن به السفن ولا يمس ذلك، ولكن يؤخذ بعود. فقلت يدهن به غير السفن؟ قال لم أعلم، قلتُ وأين يدهن به السفن؟ قال ظهورها ولا يدهن بطونها، قلت فلا بد أن يمس قال يغسل يديه مِن مسِّه، وقد روي عن جابر المنعُ من الدّهن به، وعن سحنون أن موتها في الزيت الكثير غير ضار، وليس الزيت كالماء.
ج 2 ص 332
وعن عبد الملك إذا وقعت فأرة أو دجاجة في زيت أو بئر، فإن لم يتغير طعمه ولا ريحه أزيل ذلك عنه ولم يتنجس، وإن ماتت فيه تنجس وإن كثر، ووقع في كلام ابن العربي أن الفأرة عند مالك طاهرة خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، ولا نعلم عندنا خلافًا في طهارتها في حال حياتها.
[1] (( وقد أباح في السمن تقع فيه الميتة الانتفاع به ) )ليس في (خ) .