فهرس الكتاب

الصفحة 4038 من 11127

2581 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويسٍ (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَخِي) هو أبو بكرٍ عبد الحميد بن أبي أويس، وقد مرَّ في «العلم» [خ¦120] (عَنْ سُلَيْمَانَ) هو ابنُ بلالٍ، وقد مرَّ في «الإيمان» [خ¦9] ، وقد تابع البخاريُّ حميد بن زنجويه عند أبي نعيمٍ، وإسماعيل القاضي عند أبي عَوَانة، فروياهُ عن إسماعيل حدَّثني سليمان بن بلالٍ، فحذف الواسطة بين إسماعيل وسليمان، وهو أخو إسماعيل.

(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنَّ حِزْبَيْنِ) تثنية حزب، وهي الطَّائفة، ويجمعُ على أحزابٍ (فَحِزْبٌ فِيهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ) أمَّا عائشة فهي الصِّدِّيقة بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنهما. وحفصة هي بنت عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما. وصفيَّة بنت حييِّ بن أخطب الخيبريَّة. وسودة هي بنتُ زمعة العامريَّة.

(وَالْحِزْبُ الآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ) هي بنت أبي أميَّة (وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وهي الأربعة زينب بنت جحش الأسديَّة، وميمونة بنت الحارث الهلاليَّة،

ج 12 ص 30

وأمُّ حبيبة رملة بنت أبي سُفيان الأمويَّة، وجويرية بنت الحارث المصطلقيَّة الخزاعيَّة، دون زينب بنت خزيمة أمُّ المساكين. قال ابن سعدٍ ماتت زينب بنت خزيمة قبل أن يتزوَّج النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمَّ سلمة، أسكن أمَّ سلمة بيتها لمَّا دخل بها.

(وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ عَلِمُوا حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَإِذَا كَانَتْ عِنْدَ أَحَدِهِمْ هَدِيَّةٌ يُرِيدُ أَنْ يُهْدِيَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بَعَثَ صَاحِبُ الْهَدِيَّةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، فَكَلَّمَ حِزْبُ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقُلْنَ لَهَا كَلِّمِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَلِّمُ النَّاسَ) يجوز بالجزم والميم مكسورة لالتقاء السَّاكنين، ويجوز الرَّفع.

(فَيَقُولُ) تفسير لقوله (( يكلِّم ) ) (مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً فَلْيُهدِهَا إِلَيْهِ) وفي رواية الكشميهنيِّ بلا ضميرٍ (حَيْثُ كَانَ مِنْ نِسَائِهِ، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِمَا قُلْنَ) أي بالَّذي قلنه (فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًا، فَسَأَلْنَهَا. فَقَالَتْ مَا قَالَ لِي شَيْئًا. فَقُلْنَ لَهَا كَلِّميْهِ، قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (فَكَلَّمَتْهُ حِينَ دَارَ إِلَيْهَا) أي يوم كونه صلى الله عليه وسلم في دار أمِّ سلمة رضي الله عنها (فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًا، فَسَأَلْنَهَا. فَقَالَتْ مَا قَالَ لِي شَيْئًا. فَقُلْنَ لَهَا كَلِّمِيهِ حَتَّى يُكَلِّمَكِ. فَدَارَ إِلَيْهَا فَكَلَّمَتْهُ) أي أمُّ سلمة رضي الله عنها (فَقَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (لَهَا) أي لأمِّ سلمة رضي الله عنها (لاَ تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ) كلمة في هنا للتَّعليل، كما في قوله تعالى {فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} [يوسف 32] ، وفي الحديث (( أنَّ امرأة دخلت النَّار في هرَّة حبستها ) ).

(فَإِنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي، وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ إِلاَّ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (فَقَالَتْ) أي أمُّ سلمة رضي الله عنها(أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَذَاكَ

ج 12 ص 31

يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّهُنَّ)أي إنَّ نساء النَّبي صلى الله عليه وسلم اللَّاتي هنَّ حزب أمِّ سلمة رضي الله عنهنَّ (دَعَوْنَ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية الكشميهنيِّ وروى ابن سعدٍ من مرسل عليِّ بن الحسين أنَّ الَّتي خاطبتها بذلك منهنَّ زينب بنت جحشٍ، وأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم سألها (( أرسلتكِ زينب ) )، قالت زينب وغيرها، قال (( أهيَ الَّتي وليت ذلك؟ ) )قالت نعم.

(فَأَرْسَلْنَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ) أي فاطمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم (إِنَّ نِسَاءَكَ يُنَاشِدْنَكَ اللَّهَ) أي يسألنَك بالله (الْعَدْلَ) هكذا في رواية الأصيليِّ، وفي رواية غيره ؛ أي يطلبنَ منك العدل (فِي بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) والمراد به التَّسوية بينهنَّ في كلِّ شيءٍ من المحبَّة وغيرها، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ.

وقال الكرمانيُّ ومعناه التَّسوية بينهنَّ في محبَّة القلب؛ لأنَّه كان يسوِّي بينهنَّ في الأفعال المقدورة، وأجمعوا على أنَّ محبَّتهنَّ لا تكليف فيها، ولا يلزمه التَّسوية فيها؛ لأنَّه لا قدرة عليها، وإنَّما يؤمر بالعدل في الأفعال، حتَّى اختلفوا في أنَّه هل كان يلزمه القسم بين الزَّوجات أو لا؟.

وفي رواية مسلمٍ عن ابن شهابٍ أخبرني محمد بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ، عن عائشة قالت أرسلت أزواج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنت عليه وهو مضطجعٌ معي في مرطي، فأذن لها، فقالت يا رسول الله! إنَّ أزواجك أرسلنَني يسألنَك العدلَ في بنت أبي قُحافة وأنا ساكتة، قالت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ألستِ تحبِّين ما أحبُّ؟ ) )فقالت بلى، قال (( فأحبِّي هذه ) )قالت فقامت فاطمةُ حين سمعتْ ذلك من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقلنَ لها ما نراكِ أغنيتِ عنَّا من شيءٍ، فارجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 12 ص 32

فقولي له إنَّ أزواجك ينشدنَك العدلَ في بنت أبي قُحافة، فقالتْ فاطمة رضي الله عنها والله لا أكلِّمه فيها أبدًا.

قالت عائشة رضي الله عنها فأرسل أزواج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحشٍ زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهي الَّتي كانت تساميني منهنَّ في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم أر امرأةً قطُّ خيرًا في الدِّين من زينب، وأتقى لله، وأصدقُ حديثًا، وأوصل للرَّحم، وأعظم صدقةً، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الَّذي تصدَّق به، وتقرَّبُ به إلى الله تعالى، ما عدا سَوْرَة من حِدَّة كانت فيها، تُسْرع منها الفَيْنة، قالت فاستأذنتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع عائشةَ في مِرْطها على الحال الَّذي دخلت فاطمة رضي الله عنها وهو بها، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت يا رسول الله! إنَّ أزواجك أرسلنَني يسألنَك العدل في بنت أبي قُحافة، قالت ثمَّ وقعت بي، فاستطالت عليَّ، وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرقبُ طرفه هل يأذنُ لي فيها؟ قالت فلم تبرح زينب حتَّى عرفتُ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أَن أنتصرَ، قالت فلمَّا وقعت بها لم أنشبها حتَّى أنحيتها غلبةً، قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبسَّم (( إنَّها بنت أبي بكر رضي الله عنه ) ).

وحديث مسلم هذا كالشَّرح لحديث البخاريِّ فلذا سُقته بكماله، وسأفسِّر بعض ما فيه إن شاء الله تعالى.

(فَكَلَّمَتْهُ) أي فاطمة [بنت] رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (يَا بُنَيَّةُ) تصغير إشفاقٍ (أَلاَ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ فَقَالَتْ بَلَى) زاد مسلم في الرِّواية المتقدِّمة قال فقامت فاطمة رضي الله عنها حين سمعتْ ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَرَجَعَتْ إِلَيْهِنَّ فَأَخْبَرَتْهُنَّ) زاد مسلم (( فقلنَ لها ما نراكِ أغنيتِ عنَّا من شيءٍ ) )(فَقُلْنَ ارْجِعِي

ج 12 ص 33

إِلَيْهِ. فَأَبَتْ أَنْ تَرْجِعَ)وفي رواية مسلمٍ (( فقالت والله لا أكلِّمه فيها أبدًا ) ) (فَأَرْسَلْنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ) زاد مسلم (( وهي الَّتي كانت تُسَاميني منهنَّ في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ). وفيه ثناء عائشة رضي الله عنها عليها بالصَّدقة، وذكرها بالحدِّة الَّتي تسرع منها الرَّجعة (فَأَتَتْهُ) أي فأتت زينب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي مرسل عليِّ بن الحسين فذهبت زينب حتَّى استأذنت، فقال ائذنوا لها، فقالت حسبُك إذا بَرَقَت إليك بنت أبي قُحافة ذِرَاعيها.

(فَأَغْلَظَتْ) أي في كلامها، وفي رواية مسلمٍ (( ثمَّ وقعت بي فاستطالت ) )، وفي مرسل عليِّ بن الحسين (( فوقعت بعائشةَ ونالت منها ) ).

(وَقَالَتْ إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ اللَّهَ الْعَدْلَ فِي بِنْتِ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ) بضم القاف وتخفيف الحاء المهملة وبالفاء، هي كنية والد أبي بكرٍ رضي الله عنه، واسمه عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تميم بن مرَّة بن لؤيِّ بن غالبٍ، واسم أبي بكر رضي الله عنه عبد الله، يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرَّة بن كعب.

(فَرَفَعَتْ صَوْتَهَا حَتَّى تَنَاوَلَتْ) أي تعرضت (عَائِشَةَ وَهْيَ قَاعِدَةٌ) جملةٌ حاليَّةٌ؛ أي عائشة رضي الله عنها قاعدةٌ (فَسَبَّتْهَا حَتَّى إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَنْظُرُ إِلَى عَائِشَةَ هَلْ تَكَلَّمُ) وفي رواية مسلمٍ (( وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها ) )قالت فلم تبرح زينب حتَّى عرفت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصرَ.

وفي هذا جواز العمل بما يُفهم من القَرائن، لكن روى النَّسائيُّ وابن ماجه مختصرًا من طريق عبد الله البهيِّ، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت دخلت عليَّ زينبُ بنت جحشٍ فسبَّتني، فردعها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فأبت، فقال سبِّيها، فسببتها حتَّى جفَّ ريقها في فمها، انتهى.

ويحتمل أن تكون هذه قصَّةٌ أخرى.

(قَالَ) أي الرَّاوي(فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تَرُدُّ عَلَى زَيْنَبَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا

ج 12 ص 34

حَتَّى أَسْكَتَتْهَا)وفي رواية مسلمٍ (( فلما وقعت بها لم أنشبها أن أنحيتها غلبةً ) )، ولابن سعدٍ (( فلم أنشبها أن أفحمتُها ) ).

(قَالَتْ فَنَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ إِنَّهَا بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ) أي إنها شريفةٌ عاقلةٌ عارفةٌ كأبيها، وقيل معناه أجود فهمًا وأدقُّ نظرًا منها.

وفيه الاعتبار بالأصل في مثل هذه الأشياء.

وفيه لطيفةٌ أخرى وهي أنَّه صلى الله عليه وسلم نسبها إلى أبيها في معرض المدح، ونُسبت فيما تقدَّم إلى أبي قحافة لما أرادت النَّيل منها؛ ليخرج أبو بكرٍ من الوسط إذ ذاك، ولئلَّا يهيِّج ذكره المحبَّة.

وقوله في رواية مسلمٍ (( تساميني ) )بالسين المهملة؛ أي تُضاهيني في المنزلة من السُّموِّ، وهو الارتفاع.

وقوله (( ما عدا سَوْرَة من حدَّة ) )بالحاء المهملة، وهي العجلة بالغضبِ، ويروى (( من حدٍّ ) )بدون الهاء، وهو شدَّة الخلق. وصحَّف صاحب «التحرير» فروى سودة _ بالدال _ وجعلها بنت زَمَعة، وهو ظاهرُ الغلط، ومعنى كلامها أنَّها كاملة الأوصاف إلَّا في شدَّة خلقٍ بسرعة غضبٍ، ومع ذلك يسرع زوالها عنها.

وقوله (( لم أنشبها ) )أي لم أُهملها (( حتَّى أنحيتها ) )بالنون والحاء المهملة؛ أي قصدتها بالمعارضة، ويُروى (( حين أنحيت عليها ) ). ورجَّح القاضي هذه الرِّواية وما تمَّ [1] موضع ترجيحٍ، ويروى (( أثخنتها ) )بالثاء المثلثة والخاء المعجمة وبالنون؛ أي قطعتُها وغلبتها.

وقوله (( وتبسَّم ) )جملةٌ وقعت حالًا. هذا وفي رواية النَّسائي (( فرأيت وجهه يتهلَّل ) )، هذا وكأنَّه صلى الله عليه وسلم أشار بقوله (( إنَّها بنت أبي بكرٍ ) )إلى أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه كان عالمًا بمناقب مضر ومثالبها، فلا يُستغرب من بنته تلقي ذلك عنه، ومَن يشابه أباه فما ظَلم.

وفي هذا الحديث منقبةٌ ظاهرةٌ لعائشة رضي الله عنها.

وفيه أنَّه لا حرج على الرَّجل في إيثار بعض نسائه بالتُّحف، وإنَّما اللَّازم العدل في المبيت والنَّفقة، ونحو ذلك من الأمور اللَّازمة، كذا قرَّره ابن بطَّالٍ عن المهلَّب.

وتعقَّبه ابن المنيِّر بأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، وإنَّما فعله الذين أهدوا له وهم باختيارهم في ذلك، وإنَّما لم يمنعهم النَّبيُّ

ج 12 ص 35

صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه ليس من كمال الأخلاق التَّعرُّض لمثل هذا؛ لِما فيه من التَّعرُّض لطلب الهديَّة، على أن حال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يشعر بأنَّه كان يشركهنَّ في ذلك، ولم تقع المنافسة إلَّا لكون العطيَّة تصل إليهنَّ من بيت عائشة رضي الله عنها.

وفيه تحرِّي النَّاس بالهدايا في أوقات المسرَّة ومواضعها، ليزيد ذلك في سرور المهدى إليه.

وفيه تنافسُ الضَّرائر وتغايرهنَّ على الرَّجل.

وفيه أنَّ الرَّجل يسعه السُّكوت بين نسائه إذا تناظرنَ في ذلك، ولا يميل مع بعضٍ على بعضٍ، كما سكت صلى الله عليه وسلم حين تقاولتْ زينب وعائشةُ رضي الله عنهما، ولكن قال في الآخر إنَّها بنت أبي بكرٍ.

وفيه إشارةٌ إلى التَّفضيل بالعزِّ والشَّرف.

وفيه جواز التَّشكي والتَّرسُّل في ذلك.

وفيه ما كان عليه أزواجُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من مهابته والحياء منه حتَّى راسلنه بأعزِّ النَّاس عنده فاطمة رضي الله عنها.

وفيه سرعة فهمهنَّ ورجوعهنَّ إلى الحقِّ، والوقوف عنده.

وفيه إدلالُ زينب بنت جحشٍ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لكونها كانت بنت عمَّته، كانت أمُّها أميمة _ بالتصغير _ بنت عبد المطَّلب.

وقال الدَّاوديُّ فيه عذر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لزينب. قال ابن التَّين ولا أدري مِن أين أخذه. وقال الحافظ العسقلانيُّ كأنَّه أخذه من مخاطبتها للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بطلب العدل مع علمها بأنه أعدل النَّاس، لكن غلبت عليها الغيرةُ فلم يؤاخذها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بإطلاق ذلك، وإنَّما خصَّ زينب بالذِّكر؛ لأنَّ فاطمة رضي الله عنها كانت حاملةً رسالةً خاصَّة بخلاف زينب، فإنَّها شريكتهنَّ في ذلك بل رأسهنَّ؛ لأنَّها هي التي تولَّت إرسال فاطمة رضي الله عنها أوَّلًا، ثمَّ سارت بنفسها، واستدلَّ به على أنَّ القسم كان واجبًا عليه صلى الله عليه وسلم. وسيأتي البحث في ذلك في كتب النِّكاح إن شاء الله تعالى لعله كذا [خ¦5212] [خ¦5217] .

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ. ورجال الإسناد كلُّهم مدنيُّون، وفيه رواية الأخ عن الأخ، ورواية الابنِ عن الأب.

ج 12 ص 36

(قَالَ الْبُخَارِيُّ) لمَّا تصرَّف الرُّواة في هذا الحديث بالزِّيادة والنَّقص حتَّى أنَّ منهم مَن جعله ثلاثة أحاديث، قال البخاري (الْكَلاَمُ الأَخِيرُ قِصَّةُ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أي إرسال أزواج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم [2] إليه (يُذْكَرُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ رَجُلٍ) وهو مجهولٌ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن الحارثِ بن هشامٍ المخزوميِّ يُروى بلا واسطةٍ عن عائشة رضي الله عنها؛ يعني أنَّه اختلف فيه على هشام بن عروة، فرواهُ سليمان بن بلالٍ، عنه، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها في جملة الحديث الأوَّل، ورواه عنه غيره بهذا الإسنادِ الأخير.

وقال الكِرماني الرَّجل المجهولُ مذكورٌ على طريق الشَّهادة والمتابعة، فيُحتمل فيها ما لا يحتمل في الأصول.

(وَقَالَ أَبُو مَرْوَانَ) هو يحيى بن أبي زكريَّا الغسانيُّ، سكن واسطًا، مات سنة تسعين ومائةٍ، وقال الكِرماني وقيل إنَّه محمد بن عثمان العثماني، وهو وهمٌ. وقال العينيُّ هذا أيضًا يُكنى أبا مروان، لكنَّه لم يدرك هشام بن عروة، وإنَّما يَروي عنه بواسطةٍ.

(عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ. وَعَنْ هِشَامٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَرَجُلٍ مِنَ الْمَوَالِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) المخزوميِّ، أنَّه قال (قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) يعني أنَّ أبا مروان فصل بين الحديثين في روايته عن هشامٍ، فجعل الأوَّل وهو التَّحرِّي كما قال حمَّاد بن زيد عن هشامٍ، وجعل الثَّاني وهو قصَّة فاطمة عن هشامٍ عن رجل من قريش ورجلٍ من الموالي عن محمد بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام عن عائشة رضي الله عنها.

وروي عن هشام أيضًا بطريقٍ آخر رواه حمَّاد بن سلمة، عنه، عن عوف بن الحارث، عن أُخته رُميثة، عن أمِّ سلمة رضي الله عنها أنَّ نساء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قلنَ لها إنَّ النَّاس يتحرَّون بهداياهم يوم عائشة رضي الله عنها. الحديث أخرجه أحمد.

[1] في كتاب عمدة القاري (( ثم ) ).

[2] قوله (( فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت