2586 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنيسيُّ، وهو من أفراده، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريُّ (عَنْ حُمَيْدِ) بضم الحاء المهملة (ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ رضي الله عنه، وقد مرَّ في «الإيمان» [خ¦37] (وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) الأنصاريِّ، ذكره ابن حبَّان في «الثقات التابعين» ، وقال العجليُّ هو تابعيٌّ ثقةٌ، روى له الجماعة إلَّا أبا داود (أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) ضدُّ النَّذير، ابن سعدٍ بن ثعلبة بن الجُلَاس _ بضم الجيم وتخفيف اللام _ الأنصاريِّ الخزرجيِّ، وأبوه بشير من البدريِّين.
قيل إنَّه أوَّل مَن بايع أبا بكر رضي الله عنه من الأنصار بالخلافة، وقتل يوم عين التَّمر مع خالد بن الوليد رضي الله عنه سنة اثنتي عشرةَ، بعد انصرافه من اليَمامة، وقيل عاش إلى خلافة عمر رضي الله عنه، كذا وقع لأكثر أصحاب الزهريِّ عن النُّعمان بن بشيرٍ. وأخرجه النَّسائيُّ من طريق الأوزاعيِّ، عن ابن شهابٍ أنَّ محمد بن النُّعمان، وحميد بن عبد الرَّحمن حدَّثاه عن بشير بن سعدٍ، فجعله من مسند بشيرٍ فشذَّ بذلك، والمحفوظ أنَّه عنهما عن النُّعمان بن بشيرٍ. وقد روى هذا الحديث عن النُّعمان عددٌ كثيرٌ من التَّابعين، منهم عروة بن الزُّبير عند مسلم وأبي داود والنَّسائي. وأبو الضُّحى عند النَّسائيِّ وابن حبَّان وأحمد والطَّحَّاوي. والمفضَّل بن المهلَّب عند أحمد وأبي داود والنَّسائي. وعبد الله بن عتبة بن مسعودٍ عند أحمد. وعون بن عبد الله
ج 12 ص 46
عند أبي عَوانة. والشَّعبي في «الصحيحين» [خ¦2650] وأبي داود وأحمد والنَّسائي وابن ماجه وابن حبَّان وغيرهم، ورواه عن الشَّعبيِّ عددٌ كثيرٌ أيضًا.
(أَنَّ أَبَاهُ) هو بشر بن سعدٍ (أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي نَحَلْتُ) بفتح النون والمهملة، يقال نحلته أَنحله نُحلًا _بضم النون_؛ أي أعطيته، ونحلت للمرأة مهرها أَنحلها نِحلة _ بكسر النون _، هكذا اقتصر في النِّحلة على الكسر، وحكى بعضهم فيها الوجهين الضَّم والكسر، والنُّحلى _ بالضَّم _ على وزن فُعْلى العطيَّة. وقال الحافظ العسقلانيُّ النِّحْلة _ بكسر النون وسكون المهملة _ العطية بغير عوضٍ.
(ابْنِي هَذَا غُلاَمًا فَقَالَ أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ) وفي رواية ابن حبَّان زيادة هي قوله (( ألك ولدٌ سواه؟ ) )قال نعم. وفي روايةٍ لمسلم (( أكلَّ بنيك ) )ولا منافاة بينهما؛ لأنَّ لفظ الولد يشمل ما لو كانوا ذكورًا، أو إناثًا وذكورًا، وأمَّا لفظ البنين فإن كانوا ذكورًا فظاهرٌ، وإن كانوا إناثًا وذكورًا فعلى سبيل التَّغليب. ولم يذكر ابن سعدٍ لبشير والد النُّعمان ولدًا غير النُّعمان، وذكر له بنتًا اسمها أُبَية _ بالموحدة مصغَّرًا _، والهمزة في قوله (( أكلَّ ولدك ) )للاستفهام على سبيل الاستخبار، وكلَّ منصوب بقوله نحلت.
(قَالَ لاَ) وفي رواية ابن حيَّان عند مسلمٍ (( أكلهم وهبت له مثل هذا؟ ) )قال لا، قال لا أشهد على جورٍ (قَالَ) أي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (فَارْجِعْهُ) أي ارجع واردد ما نحلتَه لابنكَ، وفي بعض الرِّوايات (( فاردده ) )، وفي روايةٍ (( فردَّه ) )، وفي روايةٍ (( فرجع فردَّ عطيَّته ) )، وفي روايةٍ (( اتَّقوا الله واعدلوا بين أولادكم ) )، وفي روايةٍ (( قاربوا بين أولادِكم ) ).
وقوله (( قاربوا ) )روي بالباء الموحدة وبالنون. واحتجَّ بهذا الحديث جماعةٌ على أنَّ مَن نحلَ بعض بنيه دون بعضٍ، فعليه أن يرجعَ حتَّى يعدلَ بين أولاده، وبه صرَّح البخاريُّ، وهو قولُ طاوس، والثَّوري، وأحمد، وإسحاق، وقال به بعض المالكيَّة، ثمَّ المشهور عن هؤلاء أنَّها باطلةٌ.
وعن أحمد تصحُّ ويجب عليه أن يرجعَ، وعنه يجوز التَّفاضل إن كان له سببٌ؛
ج 12 ص 47
كاحتياج الولد لزمانته، أو دينه، أو نحو ذلك دونَ الباقين. وقال أبو يوسف يجب التَّسوية إن قصد بالتَّفضيل الإضرار، وذهب الجمهور إلى أنَّ التَّسوية مستحبَّةٌ، فإن فضَّل بعضًا صحَّ وكره، وحملوا الأمر على النَّدب، والنَّهي على التَّنزيه.
ثمَّ اختلفوا في صفة التَّسوية فقال محمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وبعض الشَّافعيَّة، والمالكيَّة العدل أن يعطى الذَّكر حظَّين كالميراث، واحتجُّوا بأنَّه حظَّها من ذلك المال لو أبقاه الواهب في يده حتَّى مات.
وقال غيرهم لا يفرَّق بين الذَّكر والأنثى، وظاهر الأمر بالتَّسوية يشهد لهم، واستأنسوا بحديثٍ أخرجه سعيد بن منصورٍ، والبيهقيُّ من طريقه عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا (( سوُّوا بين أولادكُم في العطيَّة، فلو كنت مفضِّلًا أحدًا لفضَّلت النِّساء ) ).
وستأتي الأجوبة من طرف مَن حمل الأمر بالتَّسوية على النَّدب عن حديث النُّعمان بن بشير رضي الله عنهما في الباب الآتي إن شاء الله تعالى.
ورجال إسناد هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، إلَّا شيخ البخاريِّ فإنَّه في الأصل من دمشق، وسكن تنِّيس، وفيه رواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّين عن الصَّحابة، وفيه رواية الابن عن الأب.
وقد أخرج متنه المؤلِّف في «الشَّهادات» أيضًا [خ¦2650] ، وأخرجه مسلم في «الفرائض» ، والتِّرمذيُّ في «الأحكام» ، والنَّسائيُّ في «النِّحل» ، وابن ماجه في «الأحكام» ، وأبو داود في «البيوع» .
ومطابقته للتَّرجمة أظهر من أن يَخفى.