فهرس الكتاب

الصفحة 4048 من 11127

2587 - (حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ) بن حفصٍ بن عبيد الله الثَّقفيُّ قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين المهملة، الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ حُصَيْنٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، هو ابنُ عبد الرَّحمن السُّلميِّ (عَنْ عَامِرٍ) هو ابن شراحيل الشَّعبي، أنَّه قال (سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) جملةٌ حاليَّةٌ، وكذا قوله (يَقُولُ أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً) وكان العطيَّة غلامًا، صرَّح به مسلم في رواية هشام بن عروةَ عن أبيه، قال حدَّثنا النُّعمان بن بشير، قال وقد أعطاه أبوه غلامًا، فقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (( ما هذا الغلام؟ ) )فقال أعطانيهِ أبي، قال (( فكل إخوته أعطيَته كما أعطيتَ هذا؟ ) )

ج 12 ص 48

قال لا، قال (( فردَّه ) )، وكذا صرَّح به في حديث جابر رضي الله عنه رواه مسلم عنه، قال قالت امرأةُ بشيرٍ إنْحَلِ ابني غلامَك، وأشهد لي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن قيل روى ابن حبَّان من رواية ابن حَرِيز _ بفتح الحاء وكسر الراء وفي آخره زاي _ على وزن كَريم، والطَّبرانيُّ أيضًا عن الشَّعبيِّ أنَّ النُّعمان رضي الله عنه خطب بالكوفة، فقال إنَّ والدي بشير بن سعدٍ أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال إن عمرة بنت رواحة نفست بغلامٍ وإنِّي سمَّيته النُّعمان، وإنَّها أبت أن تربِّيه حتَّى جعلت له حديقةً من أفضل مالٍ هو لي، وإنَّها قالت أشهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيه قوله صلى الله عليه وسلم (( لا أشهدُ على جورٍ ) ).

قلت وفَّق ابن حبَّان بين الرِّوايتين بالحمل على واقعتين

إحداهما عند ولادة النُّعمان، وكانت العطيَّة حديقةً. والأخرى بعد أن كبر النُّعمان، وكانت العطيَّة عبدًا.

قال الحافظ العسقلانيُّ وهو جمعٌ لا بأس به، إلَّا أنَّه يعكِّر عليه أنَّه يبعد أن ينسى بشير بن سعدٍ مع جلالته الحكم في المسألة حتَّى يعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستشهد على العطيَّة الثَّانية بعد أن قال له في الأُولى (( لا أشهد على جورٍ ) ).

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا بُعْدَ في ذلك أصلًا، فإنَّ الإنسان من شأنه النِّسيان، وهموم أحوال الدُّنيا، وغموم أحوال الآخرة تنسي أيَّ نسيانٍ، والنِّسيان غالبٌ حتَّى قيل إنَّ الإنسان مأخوذٌ من النِّسيان.

هذا وجوَّز ابن حبَّان أن يكون بشير ظنَّ نسخ الحكم، وقال غيره يحتمل أن يكون حملُ الأمر الأوَّل على كراهة التَّنزيه، أو ظنَّ أنَّه لا يلزم من الامتناع في الحديقة الامتناع في العبد؛ لأنَّ ثمن الحديقة في الأغلب أكثرُ من ثمن العبد.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وقد ظهر لي وجهٌ آخر في الجمع، وهو أنَّ عمرة لمَّا امتنعت من تربيته إلَّا أن يهب له شيئًا يخصُّه به، وَهَبَهُ الحديقة المذكورة تطييبًا لخاطرها، ثمَّ بدا له فارتجعها؛ لأنَّه لم يقبضها منه أحدٌ غيره، فعاودته عمرة في ذلك فمطلها سنةً أو سنتين، ثمَّ طابت نفسه أن يهبَ له بدل الحديقة غلامًا ورضيت عمرة بذلك، إلَّا أنَّها خشيت أن يرتجعه أيضًا، فقالت له أشهد على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، تُريد بذلك تثبُّت العطيَّة، وأن تأمن

ج 12 ص 49

من رجوعهِ فيها، ويكون مجيئه للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم للإشهاد مرَّةً واحدةً وهي الأخيرة.

وغاية ما فيه أنَّ بعض الرُّواة حفظ ما لم يحفظ بعض، أو كان النُّعمان رضي الله عنه نقص بعض القصَّة تارةً، ونقص بعضها أُخرى، فسمع كلٌّ ما رواه فاقتصر عليه، والله تعالى أعلم.

(فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ) بفتح الراء، ابن ثعلبة الخزرجيَّة أخت عبد الله بن رَواحة الصَّحابيُّ المشهور.

ووقع عند أبي داود من طريق عون بن عبد الله أنَّها بنت عبد الله بن رواحة، والصَّحيح هو الأوَّل، ولذلك ذكرها ابن سعدٍ وغيره، وقالوا كانت ممَّن بايع النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم من النِّساء.

(لاَ أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من الإشهاد (فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) وسيأتي في «الشَّهادات» من طريق أبي حيَّان عن الشَّعبيِّ سبب سؤال إشهاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولفظه عن النُّعمان [خ¦2650] قال سألت أمِّي أبي بعض الموهبة لي من ماله. زاد مسلم والنَّسائيُّ من هذا الوجه (( فالْتَوى بها سنَةً ) )؛ أي مَطَلها، ثمَّ بدا له. وفي رواية ابن حبَّان من هذا الوجه بعد حولين، ويجمع بينهما بأنَّ المدَّة كانت سنةً وشيئًا، فجبر الكسر تارةً، وألغى أخرى، قال (( ثمَّ بدا له فوهبها لي، فقالت لا أرضى حتَّى تشهد النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، قال فأخذ بيدي وأنا يومئذٍ غلام ) ). ولمسلمٍ من طريق داود بن أبي هندٍ عن الشَّعبي، عن النُّعمان انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويجمع بينهما بأنَّه أخذ بيده فمشى معه بعض الطَّريق، وحمله في بعضها لصغر سنِّه، أو عبَّر عن استتباعه إيَّاه بالحمل.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ لاَ، قَالَ فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ) وفي رواية مسلم من طريق إسماعيل بن أبي خالدٍ عن الشَّعبيِّ، فقال (( ألك بنون سواه؟ ) )، قال نعم، قال (( فكلَّهم أعطيتَ مثل هذا؟ ) )، قال لا. وفي رواية ابنِ القاسم

ج 12 ص 50

في «الموطآت» للدَّارقطنيِّ عن مالكٍ، قال لا والله يا رسول الله.

(قَالَ) أي النُّعمان رضي الله عنه (فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ) وفي رواية لمسلمٍ (( فردَّ أبي تلك الصَّدقة ) )، ولمسلمٍ أيضًا من طريق إبراهيم بن سعدٍ، عن ابن شهابٍ، قال (( فاردده ) )وله وللنَّسائي من طريق عروة مثله، وسيأتي في «الشَّهادات» [خ¦2650] ، قال (( لا تشهدني على جورٍ ) ). وفي رواية لمسلمٍ (( فلا تشهدني إذًا فإنِّي لا أشهد على جورٍ ) ). وفي روايةٍ له (( وإنِّي لا أشهد إلَّا على الحقِّ لا أشهد بهذه ) ). ولمسلمٍ أيضًا من رواية المغيرة عن الشَّعبيِّ (( فإنِّي لا أشهد على جورٍ أَشْهد على هذا غيري ) ). وله وللنَّسائيِّ من رواية داود بن أبي هندٍ، قال (( فأشهد على هذا غيري ) ). وفي حديث جابر رضي الله عنه (( فليس يصلح هذا وإنِّي لا أشهد إلَّا على حقٍّ ) ). وفي رواية عروة عند النَّسائيِّ (( فكره أن يشهد له ) ). وفي رواية المغيرة عن الشَّعبيِّ عند مسلم (( اعدلوا بين أولادكم في النِّحل كما تحبُّون أن يعدلوا بينكم في البرِّ ) ). وفي رواية مجالد عن الشَّعبيِّ عند أحمد (( إنَّ لبَنِيك عليك من الحقِّ أن تعدل بينهم، فلا تشهدْني على جورٍ، أيسرك أن يكونوا إليك في البرِّ سواءٌ؟ قال بلى، قال فلا إذًا ) ). ولأبي داود من هذا الوجه (( إنَّ لهم عليك من الحقِّ أن تعدلَ بينهم، كما أنَّ لك عليهم من الحقِّ أن يبرُّوك ) ). وللنَّسائي من طريق أبي الضُّحى (( إلَّا سوَّيت بينهم ) ). وله ولابن حبَّان من هذا الوجه (( سوِّ بينهم ) ).

واختلاف الألفاظ في هذه القصَّة الواحدة يرجع إلى معنى واحد.

وقد تمسَّك به من أوجب التَّسوية في عطيَّة الأولاد، على ما مرَّ في الباب السَّابق. وقد أجاب مَنْ حمل الأمر بالتَّسوية على النَّدب عن حديث النُّعمان رضي الله عنه بأجوبةٍ

الأوَّل أنَّ الموهوب للنُّعمان رضي الله عنه كان جميع مال والده؛ ولذلك منعه، فليست فيه حجَّةٌ على من منع التَّفضيل، حكاه ابنُ عبد البرِّ عن مالكٍ.

وتعقَّبه بأن كثيرًا من طرق حديث النُّعمان صريحٌ بالبعضيَّة.

وقال القرطبي ومن أبعد التَّأويلات أن النَّهي إنَّما يتناول من وهب جميع ماله لبعض ولده، كما ذهب إليه سحنون، وكأنَّه لم يسمع في نفس هذا الحديث أنَّ الموهوب

ج 12 ص 51

كان غلامًا، وأنَّه وهبه له لمَّا سألته الأمُّ الهبة من بعض ماله، قال وهذا يعلم منه على القطع أنَّه كان له مال غيره.

الثَّاني أنَّ العطيَّة المذكورة لم تنجز، وإنَّما جاء بشير رضي الله عنه يستشير النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأشار إليه بأن لا يفعل، فترك، حكاه الطَّحَّاوي. قال الحافظ العسقلانيُّ وفي أكثر طرق حديث الباب ما يأباه.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ هذا كلام من لا إنصاف له، فإنَّه لا يقصد بهذا إلَّا تضعيف ما قاله الطَّحَّاوي، مع أنَّه لم يقل هذا إلَّا بحديث شُعيب يرويه شيخ البخاري عنه، وهو شُعيب بن أبي حمزة فإنَّه رواه حيث قال حدَّثنا فهد، قال حدَّثنا أبو اليمان، قال ثنا شعيب عن الزُّهريِّ، قال حدَّثني حميد بن عبد الرَّحمن، ومحمد بن النُّعمان أنَّهما سمعا النُّعمان بن بشير، يقول نحلني أبي غلامًا ولكنَّه لم ينجِّزه، ثمَّ مشى بي حتَّى إذا أدخلني على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله! إنِّي نحلت ابني غلامًا فإن أذنت أن أجيزه له أجزت. ثمَّ ذكر الحديث.

فهذا ينادي بأعلى صوته أنَّ بشيرًا نحل ابنه غلامًا، ولكنَّه لم ينجِّزه حتَّى استشار النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فلم يأذن له به فتركه.

الثَّالث أنَّ النُّعمان كان كبيرًا، ولم يكن قبض الموهوب فجاز لأبيه الرُّجوع، ذكره الطَّحَّاوي أيضًا.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وهو خلاف ما في أكثر طرق الحديث أيضًا خصوصًا، قوله «فأرجعه» ، فإنَّه يدلُّ على تقدُّم وقوع القبض.

والَّذي تضافرت عليه الرِّوايات أنَّه كان صغيرًا، وكان أبوه قابضًا له لصغره، فأمر بردِّ العطيَّة المذكورة بعد ما كانت في حكم المقبوض.

وتعقَّبه العينيُّ أيضًا بأنَّ هذا أيضًا طعن في كلام الطَّحَّاوي من غير وجه من غير إنصافٍ؛ لأنَّه لم يقل هذا أيضًا إلَّا وقد أخذه من حديث يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن سفيان بن عُيينة شيخ الشَّافعيِّ، عن محمد بن مسلم الزهريِّ، عن محمد بن النُّعمان، وحميد بن عبد الرَّحمن أخبراه أنَّهما سمعا النُّعمان بن بشيرٍ، يقول نحلنِي أبي غلامًا، فأمرتني أمِّي أن أذهب إلى رسول الله

ج 12 ص 52

صلى الله عليه وسلم لأشهده على ذلك. الحديث.

فهذا يدلُّ على أنَّ النُّعمان كان كبيرًا، إذ لو كان صغيرًا كيف كانت تقول أمُّه اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقول هذا القائل أنَّ قوله أرجعه، يدلُّ على تقدُّم وقوع القبض غير مسلمٍ؛ لأنَّه يمكن أن يحمل على أنَّه قال لبشيرٍ ارجع عمَّا قلت بنحل ابنك النُّعمان دون إخوته.

الرَّابع أنَّ قوله أرجعه، دليلٌ على أنَّ الهبة صحيحةٌ، ولو لم تصحَّ الهبة لم يصحَّ الرُّجوع، وإنَّما أمره بالرُّجوع؛ لأنَّ للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده وإن كان الأفضل خلاف ذلك، لكن استحباب التَّسوية رجَّح على ذلك فلذلك أمره به. وفي الاحتجاج بذلك نظرٌ، والَّذي يظهر أنَّ معنى قوله أرجعه، أن لا تمضي الهبة المذكورة، ولا يلزم من ذلك تقدُّم صحِّة الهبة.

الخامس أنَّ قوله (( أشهد على هذا غيري ) )) إذن بالإشهاد على ذلك، وإنَّما امتنع من ذلك لكونه الإمام؛ لأنَّ الإمام ليس من شأنه أن يشهد، وإنَّما من شأنه أن يحكم، حكاه الطَّحَّاوي أيضًا، وارتضاه ابن القصَّار.

وتعقِّب بأنَّه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهدَ أن يمتنع من تحمُّل الشَّهادة، ولا من أدائها إذا تعيَّنت عليه.

وقد صرَّح المحتجُّ بهذا أنَّ الإمام إذا شهد عند بعض نوَّابه جاز، وأمَّا قوله إنَّ قوله (( أشهد ) )صيغة إذْنٍ فليس كذلك، بل هو للتَّوبيخ؛ لما يدلُّ عليه بقيَّة ألفاظ الحديث، وبذلك صرَّح الجمهور في هذا الموضع.

وقال ابن حبَّان قوله (( أشهد ) )صيغة أمرٍ، والمراد به نفي الجواز، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة (( اشترطِي لهم الولاء ) ).

السَّادس التَّمسُّك بقوله (( ألا سوَّيت بينهم ) )على أنَّ المراد بالأمر الاستحباب وبالنَّهي التَّنزيه، وهذا جيِّدٌ لولا ورود تلك الألفاظ الزَّائدة على هذه اللَّفظة، ولا سيِّما أنَّ تلك الرِّواية بعينها وردت بصيغة الأمر أيضًا؛ حيث قال (( سوِّ بينهم ) ).

السَّابع أنَّه وقع عند مسلم عن ابن سيرين ما يدلُّ على أنَّ المحفوظ في حديث النُّعمان (( قاربوا بين أولادكم ) )لا (( سوُّوا ) )، وتعقِّب بأنَّ المخالفين لا يوجبون المقاربة، كما لا يوجبون التَّسوية.

الثَّامن أنَّ التَّشبيه الواقع في التَّسوية بينهم بالتَّسوية بينهم في برِّ الوالدين

ج 12 ص 53

قرينة تدلُّ على أنَّ الأمر للنَّدب، لكن إطلاق الجور على عدم التَّسوية يأبى عنه، وكذا المفهوم من قوله (( لا أشهد إلَّا على حقٍّ ) )، وقد قال في آخر الرِّواية التي وقع التَّشبيه فيها (( فلا إذًا ) ).

التَّاسع أنَّ عمل الخليفتين أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على عدم التَّسوية قرينة ظاهرة في أنَّ الأمر للنَّدب، فأمَّا أبو بكرٍ رضي الله عنه فروى أثره الطَّحَّاوي حدَّثنا يونس، قال ثنا ابن وهب أنَّ مالكًا حدَّثه عن ابن شهابٍ، عن عروة بن الزُّبير، عن عائشة رضي الله عنها زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّها قالت إنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق نحلها جادَّ (1) عشرين وسقًا من ماله بالغابة، فلمَّا حضرته الوفاة، قال والله يا بنيَّة ما من أحدٍ من النَّاس أحب إليَّ غنى بعدي منك، ولا أعزَّ عليَّ فقرًا بعدي منك، وإنِّي كنت نحلتكِ جادَّ عشرين وسقًا، فلو كنت جذذته وأحرزته كان لك، وإنَّما هو اليوم مال الوارث، وإنَّما هما أخواك وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله عزَّ وجلَّ، فقالت عائشة والله يا أبه لو كان كذا وكذا لتَرَكْتُه، إنَّما هي أسماء فمن الأخرى، فقال ذو بطن بنت خارجة؛ أراها جاريةً.

وأخرجه البيهقيُّ أيضًا في «سننه» من حديث شعيب عن الزُّهريِّ، عن عروة بن الزُّبير أنَّ عائشة رضي الله عنها قالت كان أبو بكرٍ رضي الله عنه نحلني جذاذ عشرين وسقًا من ماله، فلمَّا حضرته الوفاة جلس فاحتبى، ثمَّ تشهَّد، ثمَّ قال أمَّا بعد، أي بنيَّة، إنَّ أحبَّ النَّاس إليَّ غنىً بعدي لأنت، وإنِّي كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقًا من مالي فوددت والله لو أنَّكِ كنتِ حُزْتيه واجتذدتيه [1] ، ولكن إنَّما هو اليوم مال الوارث، وإنَّما هما أخواك وأختاك، فقلت يا أبتاه هذه أسماء فمن الأخرى، فقال ذو بطنٍ ابنة خارجة؛ أراه جاريةً، فقلت لو أعطيتني ما هو كذا إلى كذا لرددته إليك.

وأمَّا أثر عمر رضي الله عنه فذكره الطَّحَّاوي أيضًا كما ذكره البيهقيُّ عن الشَّافعيِّ، أنَّه قال إنَّ عمر رضي الله عنه نحل ابنه عاصمًا دون سائر ولده.

وقد فضَّل ابنُ عوفٍ ولد أمِّ كلثوم، أخرج عبدُ الله بن وهب في «مسنده» ، وقال بلغني عن عمرو بن دينارٍ

ج 12 ص 54

أنَّ عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه نحل ابنته من أمِّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيطٍ أربعة آلاف درهمٍ وله ولدٌ من غيرها.

هذا وقد أجاب عروة عن قصَّة عائشة رضي الله عنها أنَّ إخوتها كانوا راضين بذلك، ويُجاب بمثل ذلك عن قصَّة عمر رضي الله عنه، وأمَّا أثر عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه فهو منقطعٌ.

العاشر وهو الجواب القاطع، أنَّ الإجماع انعقد على جواز عطيَّة الرُّجل ماله لغير ولده، فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من مالهِ جاز له أن يخرج بعضهم، ذكره ابن عبد البرِّ.

وقال الحافظ العسقلانيُّ ولا يخفى ضعفه؛ لأنَّه قياسٌ مع وجود النَّصِّ.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه إنَّما يمنع ذلك ابتداء، وأمَّا إذا عمل بالنَّصِّ على وجهٍ من الوجوه، ثمَّ إذا قيس ذلك الوجه إلى وجهٍ آخر، لا يقال إنَّه عمل بالقياس مع وجود النَّصِّ، فافهم.

وزعم بعضهم أنَّ معنى قوله (( لا أشهد على جورٍ ) )أي لا أشهد على ميل الأب لبعض الأولاد دون بعضٍ، وفي هذا نظرٌ لا يخفى، ويردُّه قوله في الرِّواية (( لا أشهد إلَّا على حقٍّ ) ).

وقال ابن التِّين عن الدَّاودي إنَّ بعض المالكيَّة احتجَّ بالإجماع على خلاف ظاهر حديث النُّعمان رضي الله عنه، ثمَّ ردَّه عليه.

واستدلَّ به أيضًا على أنَّ للأب أن يرجعَ فيما وهبه لابنه، وكذلك الأم، وهو قول أكثر الفقهاء، إلَّا أنَّ المالكيَّة فرَّقوا بين الأب والأمِّ، فقالوا للأمِّ أن ترجعَ إن كان الأب حيًّا دون ما إذا مات، وقيَّدوا رجوع الأب بما إذا كان الموهوب له لم يستحدث دينًا أو ينكح، وبذلك قال إسحاق. وقال الشَّافعيُّ للأب الرُّجوع مطلقًا. وقال الكوفيُّون إن كان الموهوب له صغيرًا لم يكن للأب الرُّجوع، وكذا إن كان كبيرًا وقبضها، قالوا وإن كانت الهبة لزوجٍ من زوجةٍ، أو بالعكس، أو لذي رحمٍ لم يجز الرُّجوع في شيءٍ من ذلك، ووافقهم إسحاق في ذي الرَّحم، وقال للزَّوجة أن ترجع بخلاف الزَّوج، والاحتجاج لكلِّ ذلك يطول.

وحجَّة الجمهور في استثناء الأب أنَّ الولد وماله لأبيه، فليس في الحقيقة رجوعًا، وعلى تقدير كونه رجوعًا، فربَّما اقتضته مصلحة التَّأديب، ونحو ذلك.

وسيأتي الكلام على هبة

ج 12 ص 55

الزَّوجين في الباب الآتي، إن شاء الله تعالى.

وفي الحديث من الفوائد

النَّدب إلى التَّآلف بين الإخوة، وترك ما يوقع بينهم الشَّحناء، ويورث العقوق للآباء.

وفيه أنَّ عطيَّة الأب لابنه الصَّغير في حِجَره لا يحتاج إلى قبضٍ فيكفي قبوله له.

وفيه كراهة تحمُّل الشَّهادة فيما ليس بمباحٍ.

وفيه أنَّ الإشهاد فيها يغني عن القبض، كذا قيل، وفيه نظرٌ ظاهرٌ. وقيل إن كانت الهبة ذهبًا أو فضَّةً فلا بدَّ من عزلها وإفرادها.

وفيه أنَّ الإشهاد في الهبة مشروعٌ وليس بواجبٍ. وفيه جواز الميل إلى بعض الأولاد والزَّوجات دون بعضٍ، وإن وجبت التَّسوية بينهم في غير ذلك؛ لأنَّ ذلك أمرٌ قلبيٌّ وليس باختياري.

وفيه أنَّ للإمام الأعظم أن يتحمل الشَّهادة، ويظهر فائدتها إمَّا في الحكم في ذلك بعلمه عند من يجيزه، أو في الأداء عند بعض نوَّابه.

وفيه مشروعيَّة استفسار الحاكم والمفتي عمَّا يحتمل الاستفسار، لقوله (( ألك ولد غيره ) )، فلمَّا قال نعم قال (( أَوَكلهم أعطيت مثله؟ ) )فلمَّا قال لا، قال (( لا أشهد ) )، فيفهم منه أنَّه لو قال نعم لشهد.

وفيه جواز تسمية الهبة صدقةٌ.

وفيه أنَّ للأمِّ كلامًا في مصلحة الولد.

وفيه المبادرة إلى قبول الحقِّ، وأمر الحاكم والمفتي بتقوى الله في كلِّ حالٍ.

وفيه الإشارة إلى سوء عاقبة الحرص والتَّنطُّع، لأنَّ عَمْرة لو رضيتْ بما وهبه زوجها لولده لما رجع فيه، فلمَّا اشتدَّ حرصها في تثبيت ذلك أفضى إلى بطلانهِ.

وقال المهلَّب فيه أنَّ للإمام أن يردَّ الهبة والوصيَّة ممَّن يعرف عنه هربًا عن بعض الورثة، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من معنى الحديث، وهو ظاهرٌ.

وقال الكرمانيُّ قال شارح التَّراجم فإن قيل ليس في الحديث ما يدلُّ على أكل الرَّجل مال ولده.

قلنا إذا جاز للوالد انتزاع ملك ولده الثَّابت بالهبة لغير حاجةٍ فلأن يجوز عند الحاجة أولى.

وشيخ البخاريِّ في هذا الإسناد بصريٌّ، وأبو عوانة واسطيٌّ، وحصين وعامر كوفيَّان، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصَّحابي، والله أعلم.

ج 12 ص 56

[1] كذا في الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت