فهرس الكتاب

الصفحة 405 من 11127

237 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن أبي موسى المروزي المعروف بمَرْدُوْيَه بفتح الميم وسكون الراء وضم المهملة وسكون الواو وفتح المثناة التحتية، توفي سنة خمس وثلاثين ومائتين، هكذا قاله الحاكم أبو عبد الله، والكلاباذي، والإمام أبو نصر حامد بن محمود بن علي الفزاري في كتابه (( مختصر البخاري ) )، وذكر الدارقطني أنه أحمد بن محمد بن عدي يعرف بشَبَّويَهْ. وهو مات سنة تسع وعشرين أو ثلاثين ومائتين روى عنه أبو داود.

(قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن المبارك (قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون المهملة، وبالراء هو ابن راشد، وقد تقدما في الوحي [خ¦6] (عَنْ هَمَّامِ) بتشديد الميم مع فتح الهاء (بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر الموحدة المشددة، وقد سبق ذكره في باب حسن إسلام المرء [خ¦42] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد ما بين مروزي وبصري ويماني، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الجهاد أيضًا [خ¦2803] ، وكذا مسلم.

(عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

ج 2 ص 334

قَالَ) إنه قال (كُلُّ كَلْمٍ) بفتح الكاف وسكون اللام، هو الجَرْح، من كَلَمَه يكْلِمُه كلمًا من باب ضَرَبَ يضْرِبُ، والجمع كُلُوم وكلام، ورجل كليم ومكلوم؛ أي مجروح (يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ) بضم الياء وسكون الكاف وفتح اللام؛ أي يُكْلم به محذوف الجار، وأوصل المجرور إلى الفعل، والمسلم نائب عن الفاعل؛ أي كل جرح يجرحه المسلم، وفي رواية .

(فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قيد يخرج به ما يصيب المسلم في غير سبيل الله، وفي رواية المؤلِّف في الجهاد [خ¦2803] من طريق الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله ) )وفيه إشارة إلى أن ذلك إنما يحصل لمن خلصت نيته (يَكُونُ) أي الكَلْم، وفي رواية بالمثناة الفوقية؛ أي الكلمة كما في رواية ذكرت.

(يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا) أي كهيئة الكلمة فتأنيث الضمير باعتبار الكلمة لا باعتبار إرادة الجراحة، كما قاله الحافظ العسقلاني؛ لأن الكَلْمَ والكلمة مصدران، والجراحة اسم لا يعبَّر به المصدر (إِذْ) بسكون الذال، وفي بعض النسخ وجميع نسخ مسلم وهي هاهنا لمجرد الظرفية، إذ هو بمعنى إذ، وقد يتعارضان؛ أي حين (طُعِنَتْ) أو هي لاستحضار صورة الطعن، إذ الاستحضار كما يكون بصريح لفظ المضارع كما في قوله تعالى {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا} [فاطر 9] يكون أيضًا بما في معنى المضارع، كما في ما نحن فيه، وإنما أنَّث قوله طعنت، مع أن المطعون هو المسلم؛ لأن أصله طعن بها فحذف الجار، ثمَّ أوصل الضمير المجرور إلى الفعل (تَفَجَّرُ) بتشديد الجيم؛ لأن أصله تتفجر كما في قوله تعالى {نَارًا تَلَظَّى} [الليل 14] .

وقال الكِرماني تفجُر بضم الجيم من الثلاثي، وبفتح الجيم المشددة وحذف التاء الأولى.

وقال محمود العيني أشار بهذا إلى جواز الوجهين فيه، ولكنه مبني على الرواية.

(دَمًا) نصبٌ على التمييز (واللَّوْنُ) وفي رواية بدون الواو (لَوْنُ الدَّمِ) والحكمة في كون دم الشهيد يأتي يوم القيامة على هيئته أنه يشهد لصاحبه بفضله، وعلى ظالمه بفعله (وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْك) العَرْف بفتح العين المهملة وسكون الراء، وفي آخره فاء، هو الرائحة الطيبة والمنتنة أيضًا، والمِسك بكسر الميم، هو معرَّبُ مُشْك بضم الميم وبالشين المعجمة، ويُروى منكَّرًا، وكذا يُروى

ج 2 ص 335

وإنما كان كذلك لينتشر في أهل الموقف ويظهر فضله لهم، ولهذا لا يغسل دم الشهيد في المعركة، ولا هو يُغسَّل، خلافًا لسعيد بن المسيَّب والحسن.

وقوله (( عرف المِسك ) )لا يستلزم أن يكون مسكًا حقيقة، بل يجعل الله شيئًا يشبه هذا، ولا كون لونه دمًا، يستلزم أن يكون دمًا نجسًا حقيقة، بل على ما قيل، ويجوز أن يحوله الله إلى مسك حقيقة، لقدرته على كل شيء، كما أنه يُحوِّل أعمال بني آدم من الحسنات والسيئات إلى جَسدٍ ليُوزن في الميزان الذي ينصبه يوم القيامة، والله أعلم.

اعلم أن الشراح ذكروا في مطابقة هذا الحديث للترجمة أوجهًا كثيرة كلها بعيدة

منها ما قاله الكرماني من أن وجْهَ مناسبة هذا الحديث للترجمة من جهة المسك، فإن أصله دم انعقد وفَضْلَة نجسة من الغزال فيقتضي أن يكون نَجِسًا كسائر الدماء وكسائر الفضلات، فأراد البخاري أن يبين طهارته وفضيلته بمدح النبي صلى الله عليه وسلم له كما بيَّن طهارة عظم الفيل بالأثر، فظهرت المناسبة غاية الظهور، وإن استشكله القوم غاية الاستشكال. انتهى.

وتعقَّبه محمودُ العيني بأنه لم تظهر المناسبة بهذا الوجه أصلًا، فضلًا عن ظهورها غاية الظهور، واستشكال القوم باقٍ بعدُ، ولهذا قال الإسماعيلي إيراد المصنف لهذا الحديث في هذا الباب لا وجه له؛ لأنه لا يدخل في طهارة الدم ولا نجاسته، وإنما ورد في فضل المطعون في سبيل الله.

وقال الحافظ العسقلاني وأجيب بأن مقصود المصنف بإيراده تأكيد مذهبه في أن الماء لا يتنجس بمجرد الملاقاة ما لم يتغير، فاستدل بهذا الحديث على أن تَبَدُّلَ الصفة تؤثر في الموصوف، فكما أن تغيرُّ صفةِ الدم بالرائحة إلى طيب المسك أخرجه من النجاسة إلى الطهارة، فكذلك تغير صفة الماء إذا تغير بالنجاسة يخرجه من صفة الطهارة إلى النجاسة، فإذا لم يوجد التغير لم توجد النجاسة.

وقال محمود العيني هذا القائل أخذه من كلام الكِرماني فإنه نقله في (( شرحه ) )عن بعضهم.

أقول نعم، وقد أشار إلى أنه كلام غيره بقوله وأجيب، ولم يَعزُه [1] إلى نفسه حتى يُقال فيه ذلك.

ثمَّ قال الحافظ العسقلاني وتعقب بأن الغرض إثبات انحصار التنجس بالتغير، وما ذكر يدل على أن التنجس يحصل بالتغير وهو وفاق، لا أنه لا يحصل إلا به؛ وهو موضع النزاع.

وقال محمود

ج 2 ص 336

العيني هذا أيضًا مأخوذ من كلام الكرماني إلا أنه سبكه في صورة غير ظاهرة، وقول الكرماني هكذا فنقول للبخاري لا يلزم من وجود الشيء عند الشيء أن لا يوجد عند عدمه لجواز مقتضٍ آخر، ولا يلزم من كونه خرج بالتغير إلى النجاسة أن لا يخرج إلا به؛ لاحتمال وصف آخر يخرج به عن الطهارة بمجرد الملاقاة. انتهى. حاصل هذا أنه وارد على قولهم إن مقصود البخاري من إيراده هذا الحديث تأكيد مذهبه في أن الماء لا يتنجس بمجرد الملاقاة.

ومنها ما قاله ابن بطال أنه إنما ذكر البخاري هذا الحديث من باب نجاسة الماء؛ لأنه لم يجد حديثًا صحيح السند في الماء، فاستدل على حكم المائع بحكم الدم المائع، وهو المعنى الجامع بينهما. انتهى، وفيه ما فيه.

ومنها ما قاله ابن رشيد وهو أن مراده أن انتقال الدم إلى الرائحة الطيبة هو الذي نقله من حالة الذم إلى حالة المدح، فحصل من هذا تغليب وصف واحد وهو الرائحة إلى وصفين وهما الطعم واللون، فيستنبط منه أنه متى تغير أحد الأوصاف الثلاثة بصلاح أو فساد تبعه الوصفان الباقيان. انتهى.

وفيه أنه يلزم منه إذا تغير وصف واحد بالنجاسة أن لا يؤثر حتى يوجد الوصفان الآخران، وليس كذلك، فإن هذا لم ينقل إلا عن ربيعة، وهو غير صحيح، ومنها ما قاله ابن المنير لما تغيرت صفته إلى صفة طاهر بطل حكم النجاسة فيه. انتهى، ولا محصل له في وجه المناسبة.

ومنها ما قاله القشيري إنما ذكره البخاري ليستدل به على أن الماء إذا تغير ريحه بشيء طيب لا يسلب اسم الماء، كما أن الدم لم ينتقل عن اسم الدم مع تغير رائحته إلى رائحة المسك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمّى الخارج من جرح الشهيد دمًا، وإن كان ريحه ريح المسك، فما دام الاسم واقعًا على المسمى فالحكم تابع له، وفيه أنه لا يلزم من كونه لم يسلب اسم الماء أن لا يكون موصوفًا بصفة تمنع من استعماله مع بقاء اسم الماء.

والحاصل أنه لم يذكر أحد منهم وجهًا صحيحًا ظاهرًا لإيراد هذا الحديث في هذا الباب؛ لأن هذا الحديث في بيان فضل الشهيد، وهو من أمور الآخرة، والحكم في الماء بالطهارة والنجاسة من أمور الدنيا، وكيف يلتئم هذا بذاك، ورعاية المناسبة في مثل هذه الأشياء بأدنى وجه يُلْمَح فيه كافية، والتَّكَلُّيفات بالوجوه البعيدة غير مستملحة.

ويمكن أن يقال وجه المناسبة في هذا أنه لما كان

ج 2 ص 337

مبنى الأمر في الماء التغير بوقوع النجاسة، وأنه يخرج عن كونه صالحًا للاستعمال لتغير صفته التي خُلِقَ عليها أورد له نظيرًا بتغير دم الشهيد، فإنَّ مطلق الدم نجس، ولكنه تغير بواسطة الشهادة في سبيل الله، ولهذا لا يُغْسَلُ عنه دمُه؛ ليظهر شرفه يوم القيامة لأهل الموقف بانتقال صفته المذمومة إلى الصفة الممدوحة؛ حيث صار انتشاره كرائحة المسك، وهذا المقدار كاف في المقام، والله أعلم بحقيقة المرام.

[1] في هامش الأصل (( من العزو ) ). منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت