فهرس الكتاب

الصفحة 4062 من 11127

2597 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عبد الله، أبو جعفر الجعفيُّ البخاريُّ المعروف بالمسنديِّ، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) بضم الحاء المهملة، عبد الرَّحمن، وقيل المنذر، وقيل غير ذلك (السَّاعِدِيِّ) الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ) بفتح الهمزة وسكون الزاي، وفي آخره دال مهملة، هو الأزد بن الغوث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، يقال له الأزد _ بالزاي _، والأسد _ بالسين _، وذكر في

ج 12 ص 72

كتاب الزَّكاة بالسين [خ¦1500] .

(يُقَالُ لَهُ ابْنُ الأُتْبِيَّةِ) بضم الهمزة وسكون التاء المثناة الفوقية وكسر الباء الموحدة، وفتح المثناة التحتية المشددة، ويقال اللُّتْبِية _ بضم اللام وسكون التاء وفتحها وكسر الباء الموحدة _، وفيه أربعة أقوالٍ، وقد مرَّت في كتاب «الزَّكاة» [خ¦1500] . وقال الكرمانيُّ والأصحُّ أنه باللَّام وسكون الفوقانيَّة، وأنَّه نسبة إلى بني لتب قبيلةٌ معروفةٌ.

وقال الرشاطيُّ قيَّده شيخنا أبو عليٍّ الغسانيُّ بضم اللام وإسكان التاء، وقال أبو بكر بن دريدٍ بنو لُتْب بطنٌ من العرب، منهم ابن اللُّتبية رجلٌ من الأزد له صحبةٌ، واللَّتب الاشتداد وهو اللُّصوق أيضًا.

(عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ) أي من مال الصَّدقة.

(شَيْئًا إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ) جملةٌ حاليةٌ (عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا) يحمله على رقبته (لَهُ رُغَاءٌ) بضم الراء صوت ذوات الخفِّ، يقال رَغَا يَرْغو رُغَاء وأرغيته أنا (أَوْ بَقَرَةً) يحملها على رقبتهِ (لَهَا خُوَارٌ) بضم الخاء المعجمة صوت البقرِ، يقال خَار يَخُور خَورًا. وقال ابن التِّين هو بالخاء والجيم، وفي «المطالع» المعنى واحدٌ إلَّا أنَّه بالخاء يستعمل في الظِّباء والشَّاة، وبالجيم للبقر والنَّاس.

(أَوْ شَاةً تَيْعَرُ) يقال يَعَرَت العَنْز تَيْعِر _ بالكسر _ يُعارًا _ بالضم _ أي صاحَت. وقال ابن الأثير وأكثر ما يُقال لصوت المعزِ. وقال الجوهريُّ تيعِر، بالكسر. وقال غيره بفتحها أيضًا، ثمَّ قوله (( له رغاء ) )جملةٌ وقعت حالًا من جوابٍ محذوفٍ مقدَّر وهو قوله (( يحمله على رقبته ) )، ويجوز أن تكون صفة؛ لقوله بعيرًا، وكذا قوله لها خوارٌ، وقوله تيعر، والله أعلم.

(ثُمَّ رَفَعَ) صلى الله عليه وسلم (بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ) بضم العين المهملة وسكون الفاء وهي البياض الَّذي فيه شيءٌ كلون الأرض، وشاة عفراء يعلو بياضها حمرةً، وقيل هي بياضٌ ليس بناصعٍ، ويقال هي

ج 12 ص 73

بضم المهملة وفتحها، والفاء ساكنة ويجوز فتحها (اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلاَثًا) أي قاله ثلاثًا. قال العينيُّ هل بلغت؛ أي قد بلغت، أو هو استفهامٌ تقريريٌّ، والتَّكرير للتأكيد؛ ليسمع مَن لم يسمع، وليبلِّغ الشَّاهد الغائب.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تؤخذ من معنى الحديث؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أنكر على عامله أخذه الهديَّة؛ لأنَّها هديَّة تُهدى لأجل علَّةٍ.

وقال الحافظ العسقلانيُّ ووجه دخول الحديثين في التَّرجمة ظاهرٌ، أمَّا حديث الصَّعب فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بيَّن العلَّة في عدم قبوله هديَّته بكونه كان مُحْرِمًا، والمُحْرِم لا يأكل ما صِيْدَ لأجله، واستنبط منه المهلب ردَّ هديَّة من كان ماله حرامًا، أو عرف بالظُّلم.

وأمَّا حديث أبي حميدٍ؛ فلأنَّه صلى الله عليه وسلم عاب على ابن اللُّتْبية قبول الهديَّة الَّتي أهديت له؛ لكونه كان عاملًا، وأفاد بقوله (( فهلَّا جلس في بيت أمه ) )أنَّه لو أهدي إليه في تلك الحالة لم تكره؛ لأنَّها كانت لغير ريبةٍ.

وقال ابن بطَّالٍ وفيه أنَّ هدايا العمَّال تجعل في بيت المال، وأنَّه ليس لهم منها شيءٌ إلَّا أن يستأذنوا الإمام في ذلك؛ كما جاء في قصَّة معاذٍ رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم طيَّب لهم الهديَّة، فأنفذها أبو بكر رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفيه كراهية قبول هديَّة طالب العناية، ويدخل في معنى ذلك كراهية هديَّة المداين والمقارض، وكل من هديته بسبب علَّةٍ.

والحديث أخرجه المؤلِّف في أواخر كتاب «الزَّكاة» ، في باب قول الله تعالى {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} [التوبة 60] [خ¦1500] ، وفي «الأحكام» [خ¦7174] و «النُّذور» [خ¦6636] ، و «ترك الحيل» [خ¦6979] .

وأخرجه مسلمُ في «المغازي» ، وأبو داود في «الخراج» .

تكملةٌ قال الفقيه أبو اللَّيث إذا أهدى إليك إنسانٌ بهديَّة، فإن لم يكن الَّذي أهدى إليك ظالمًا، ولا يكون ماله حرامًا، فالأفضل أن تقبل هديَّته وتكافئه بأفضل منها أو مثلها، فإن عجزت عن المكافأة بالمال فكافئه بالدُّعاء وحسن الثَّناء، روي عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( من

ج 12 ص 74

لم يشكر النَّاس لم يشكر الله )) .

وروي عن ابن عمرٍ رضي الله عنهما، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( من أهدى إليكم معروفًا فكافؤوه فإن لم تجدوا فادعوا له بخير حتَّى تعلموا أنَّكم قد كافأتموه ) ).

وروي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( أجيبوا الدَّاعين، ولا تردُّوا الهديَّة ) )، وروى جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( أشكر النَّاس لله أشكرهم لعباده، ومن لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ) ).

وروي عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( من أُدِّيَ إليه خيرٌ فليجزه، ومن عجزَ عن جزائه فليثن عليه، ومَن لم يثن له فقد كفر النِّعمة ) ).

وروى ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال (( مَن أهديت له هديَّةٌ وعنده قومٌ فهم شركاؤه فيه ) ).

قال الفقيه تكلَّم النَّاس في تأويل هذا الحديث، قال بعضهم الخبرُ على ظاهره؛ كلُّ من أهدى له فجلساؤه شركاؤهُ، وقال بعضهم الخبر على وجه الاستحبابِ؛ يُستحب له أن يشاركهم على وجه الكرم والمروءة، فإن لم يفعل فلا يُجبر عليه.

وروي عن أبي يوسف القاضي أنَّه أُهدي إليه شيءٌ، فرووا بعض أصحابه هذا الحديث، فقال إنَّ الحديث في الفاكهة ونحوها، وذكر الفقيه أبو جعفر عن أبي القاسم أحمد بن جمٍّ أنَّه أهدي إليه هديَّةٌ فذكر له هذا الحديث، فقال إنَّهم شركاؤه في السُّرور لا في الهديَّة، ثمَّ قال الخبر في مثل أصحاب الصُّفَّة والخانقاهات، وأمَّا إذا كان فقيهًا من الفقهاء واختصَّ بهديَّةٍ فلا شركة فيها لأصحابه، إلَّا أن يشركهم فيها كرمًا وجودًا منه.

وأمَّا الأخذ من السُّلطان والأمراء، فاختلف النَّاس في أخذ الجائزة والأوراد من السُّلطان، قال بعضهم يجوز أخذه ما لم يعلم أنَّه يعطيه من حرامٍ، وقال بعضهم لا يجوز، أمَّا من أجازه فقد ذهب إلى ما روي عن عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، أنَّه قال إنَّ للسُّلطان نصيبًا من الحلال والحرام، فما أعطاك فخذْه، فإنَّما يعطي من الحلال.

وروى عمر رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( من أعطي إليه شيءٌ من غير مسألةٍ فليأخذه، فإنَّما هو رزقٌ رزقه الله ) ). وروى الأعمش عن إبراهيم أنَّه لم ير بأسًا؛ يعني بالأخذ

ج 12 ص 75

من الأمراء. وعن حبيب بن أبي ثابتٍ قال رأيت هدايا المختار يأتي ابن عمر وابن عبَّاسٍ رضي الله عنهم؛ فيقبلان.

وعن الحسن أنَّه كان يأخذُ هدايا الأمراء. وروى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة عن حمَّاد، عن إبراهيم النَّخعي أنَّه خرج إلى زهير بن عبد الله الأزديِّ وكان عاملًا على حلوان يطلب جائزته، قال محمد وبه نأخذ؛ ما لم نعرف شيئًا حرامًا بعينه، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله.

وأمَّا من كرهه فذهب إلى ما روى حبيب بن أبي ثابتٍ قال أرسل أميرٌ من الأمراء إلى أبي ذرٍّ رضي الله عنه بمالٍ، فقال أبو ذرٍّ أَكلُّ المسلمين أرسل إليهم مثل هذا؟ قالوا لا، فقال ردُّوه، ثمَّ قال {كَلَّا إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى} [1] .

وروي عن عثمان بن عفَّان رضي الله عنه أنَّه مرَّ بأبي ذرٍّ وهو نائمٌ على حائط المسجد، فقال لغلامه خُذ هذه الدَّنانير واقعد هاهنا حتَّى يستيقظ هذا الرَّجل فادفع إليه هذه الدَّنانير، فإن قبلها منك فأنت حرٌّ، فلمَّا استيقظ أبو ذرٍّ أعطاه فأبى أن يقبل، فقال الغلام خذها فإنَّ فيها فكاك رقبتي من الرِّقِّ.

وروي عن أبي وائلٍ أنَّه قال درهمٌ من تجارةٍ أحبُّ إليَّ من عشرة آلاف درهم من عطايا.

وروى عبد المنعم عن أبيه، عن وهبِ بن منبِّهٍ، قال جاء رجلٌ إلى أبي الدَّرداء، فقال يا أبا الدَّرداء إنَّ فلانًا شتمني وظلمني، فقال له أبو الدَّرداء إن كنت صادقًا فلا تمرُّ بك الأيَّام حتى يعاقبه الله تعالى، فما مرَّ عليه الأيَّام حتى دخل على أميرٍ فأجازه بعشرة آلاف درهمٍ، فأرسل أبو الدَّرداء رسولًا إلى صاحبه، فقال صدقت يا أخي قد عاقبه الله تعالى عقوبةً عظيمةً، فقال يا أبا الدَّرداء! أَوَيعدُّ ذلك عقوبة؟ قال والله لو جلد على ظهري عشرة آلاف سوطٍ كنت أرجى له من إجازة عشرة آلاف درهمٍ.

قال الفقيه أبو اللَّيث قبول الجائزة عندنا على وجهين، فإن كان الأمير أو السُّلطان غالب أمواله الرَّشوة والأخذ بغير حقٍّ فلا يجوز قبول جائزته، إلَّا أن يعلم أنَّ الَّذي بعث إليه من حلالٍ، وإن كان الأمير غالب أمواله ميراثٌ ورثه من حلالٍ، أو تجارةٍ، أو كسبٍ اكتسبه فلا بأس أن يقبلَ، ما لم يعلم

ج 12 ص 76

أنَّ الذي بعث إليه من حرامٍ، وتركه أفضل في الوجهين جميعًا.

[1] {كلا} ردع للمجرم عن الودادة، ودلالته على أن الافتداء لا ينجيه {إنها} الضمير للنار، أو مبهم يفسره {لظى} وهو خبر أو بدل أو للقصة، ولظى مبتدأ خبره {نزاعة للشوى} وهو اللَّهب الخالص، وقيل علم للنار منقول عن اللظى بمعنى اللَّهب، وقرأ حفص عن عاصم {نزاعة} بالنصب على الاختصاص أو الحال المؤكدة أو المنتقلة على أن لظى بمعنى متلظية، والشوى الأطراف، أو جمع شواة، وهي جلدة الرأس. قاضي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت