22 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو إسماعيل بن أبي أويس بن عبد الله الأصبحي المدني، ابن أخت الإمام مالك، سمع خاله وأباه وأخاه عبد المجيد وإبراهيم بن سعد وسليمان بن بلال وآخرين، وروى عنه الدَّارمي والبخاري ومسلم وغيرهم من الحفاظ. وروى مسلم عن رجل عنه أيضًا، وروى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، ولم يخرج له النسائي؛ لأنَّه ضعَّفه. وقال أبو حاتم كان مغفَّلًا. وقال يحيى ابن مَعين هو ووالده ضعيفان، وعنه يسرقان الحديث. وعنه إسماعيل صدوق ضعيف العقل ليس بذاك، يعني أنَّه لا يحسن الحديث، ولا يعرف أن يؤدِّيه. وعنه مختلط يكذب ليس بشيءٍ، وعنه لا بأس به، وكذا قال أحمد.
وقال الحاكم عِبتُ على البخاري، وعلى مسلم إخراجهما حديثه، وقد احتجا به معًا.
قال محمود العيني وقد أخرج هذا الحديث البخاري عن غيره أيضًا، فاللِّين الذي فيه انجبر إِذَنْ، مات في سنة ست، ويقال في رجب سنة سبع وعشرين ومائتين.
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) أي ابن أنس، وهو خاله (عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى) بن عُمارة، ووقع في خط النووي في (( شرحه ) ) (( عثمان ) )بدل عمارة، وهو تحريف.
(الْمَازِنِيِّ) الأنصاري المدني، روى عن أبيه، وعن غيره من التابعين، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري وغيره من التابعين وغيرهم، وثَّقه أبو حاتم والنسائي، روى له الشيوخ الستة، توفي سنة أربعين ومائة.
(عَنْ أَبِيهِ) يحيى الأنصاري المازني المدني سمع أبا سعيد وعبد الله بن زيد وعنه ابنه والزهري وغيرهما، روى له الجماعة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وقد أخرج متنه المؤلف في (( صفة الجنة ) )أيضًا [خ¦6560] ، وأخرجه مسلم أيضًا في (( الإيمان ) )، ووقع هذا الحديث للبخاري عاليًا برجل على مسلم. وأخرجه النسائي أيضًا، وهو هاهنا قطعة من حديث طويل يأتي إن شاء الله تعالى.
(عَنِ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ يَدْخُلُ) يُعبَّر بالمضارع الخال عن علامة الاستقبال المتمخض للحال لتحقق وقوع الإدخال (أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ) أي فيها؛ لأنها محدودة نحو دخلت الدار، وللدَّارقطني (( يُدْخِل الله ) ) (وَ) يدخل (أَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ) أي بعد دخولهم في النار (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى) وفي رواية ؛ أي يقول للملائكة (أَخْرِجُوا) من الإخراج، وقيل يجوز أن يكون من الخروج، فعلى هذا يكون من منادى حُذف حرف النداء منه، فافهم. وزِيدَ في رواية .
(مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ) زيادة على أصل التَّوحيد، كما سيجيء تحقيقه (مِثْقَالُ) هو كالمقدار لفظًا ومعنى مفعال من الثقل (حَبَّةٍ)
ج 1 ص 223
واحدة الحبِّ المأكول من الحنطة ونحوها (مِنْ خَرْدَلٍ) وهو نبات معروف يشبه الشيء القليل البليغ في القلَّة بذلك، واحدته خردلةٌ، وهو متعلِّق بمحذوف؛ أي حاصلة منه.
(مِنْ إِيمَانٍ) أي حاصل منه، ونكَّر الإيمان؛ ليفيد التَّقليل؛ لأنَّ المقام يقتضيه، والقلَّة هنا باعتبار انتفاء الزِّيادة على ما يكفي، لا لأنَّ الإيمان ببعض ما يجب به الإيمان كافٍ؛ لأنَّه علم من عرف الشَّرع أنَّ المراد من الإيمان هو الحقيقة المعهودة عرِّف أو نكِّر، وفي رواية بالتعريف.
ثمَّ المراد من هذا الكلام هو التَّمثيل؛ لأنَّ الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن أو الكيل، لكن ما يشكل من المعقول قد يرد إلى عيار المحسوس؛ ليُفهم، ويشبه به ليُعلم.
والتَّحقيق فيه أنَّه يجعل عمل العبد وهو عرض في جسم على مقدار العمل عنده تعالى، ثمَّ يُوزَن، ويدلُّ عليه ما جاء مبينًا، وهو قوله عليه السلام (( وكان في قلبه من الخير ما يزن برة ) ).
وقال إمام الحرمين الوزن للصحف المشتملة على الأعمال يزنُها الله على قدر أجور الأعمال، وما يتعلَّق بها من ثوابها وعقابها، وجاء به الشَّرع وليس في العقل ما يُحيله.
ويقال للوزن معنيان أحدهما هذا. والآخر أنَّه يمثَّل الأعمال بجواهر فتجعل في كفَّة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفَّة السيئات جواهر سود مظلمة. وحكى الزَّجاج وغيره من المفسِّرين من أهل السُّنَّة أنَّه إنَّما يُوزن خواتيم العمل، فإن كان خاتمة عمله خيرًا جُوزي بخير، ومن كان خاتمة عمله شرًا جُوزي بشر.
ثمَّ اعلم أنَّ المراد بحبة الخردل ما زاد من الأعمال على أصل التَّوحيد. وقد جاء في (( الصحيح ) )بيان ذلك؛ ففي رواية فيه (( أخرجوا من قال لا إله إلا الله، وعمل من الخير ما يزن كذا ) )، ثم بعد هذا يخرج منها من لم يعمل خيرًا قط غير التوحيد.
وقال القاضي هذا هو الصَّحيح؛ لأنَّ معنى الخير هنا أمر زائد على الإيمان؛ لأنَّ مجرَّده لا يتجزَّئ، وإنما يتحزَّئ الأمر الزائد عليه، وهي الأعمال الصَّالحة من ذِكرٍ خَفيٍّ، أو شفقة على مسكين، أو خوف من الله، ونيَّة صادقة في عمل وشبهه.
وذكر القاضي عن قوم أن المعنى في قوله (( من إيمان ) )، ومن خير؛ أي من اليقين إلَّا أنه قال المراد ثواب الإيمان الَّذي هو التَّصديق وبه يقع التَّفاضل فإن أتبعه بالعمل عَظُم ثوابه، وإن كان على خلاف ذلك نقص ثوابه. فإن قلتَ كيف يعلمون ما كان في قلوبهم من الدنيا
ج 1 ص 224
من الإيمان؟.
يُجاب بأنَّهم يعلمونهم بعلامات كما يعلمون أنَّهم من أهل التَّوحيد كذلك.
وقد استنبط الإمام الغزالي من قوله (( أخرجوا من النار من كان في قلبه…إلى آخره ) )نجاة من أيقن بالإيمان، وحال بينه وبين النُّطق به الموت. قال وأمَّا من قدر على النُّطق ولم يفعل حتى مات مع إيقانه بالإيمان بقلبه، فيحتمل أن يكون امتناعه منه بمنزلةِ امتناعه عن الصَّلاة فلا يخلَّد في النار، ويحتملُ خلافه.
ورجَّح غيره الثاني فيحتاج إلى تأويلِ قوله (( في قلبه ) )فيقدَّر فيه محذوف تقديره منضمًا إلى النُّطق به مع القدرة عليه، ومنشأ الاحتمالين الخلاف في أنَّ التَّلفظ بالإيمان شطر فلا يتمُّ إلَّا به وهو مذهب جماعة من العلماء، واختاره الإمام شمس الأئمة وفخر الإسلام، أو شرط لإجراء الأحكام الدُّنيوية فقط وهو مذهب جمهور المحققين، وهو مختار الشيخ أبي منصور، والنُّصوص معاضدة لذلك، كما قاله المحقِّق التفتازاني.
(فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا) أي من النَّار، حال كونهم (قَدِ اسْوَدُّوا) أي صاروا سودًا كالحمم من تأثير النَّار (فَيُلْقَوْنَ) بضم المثناة التحتية على صيغة المجهول (فِي نَهَرِ الْحَيَا) بالقصر، هو المطر (أَوِ الْحَيَاةِ) وهو النَّهر الذي يُحيي من انغمس فيه، وفي رواية الأَصيلي بالمد، ولا وجه له، كما نبَّه عليه القاضي، وذلك؛ لأنَّ الحياء الممدود الذي بمعنى الخجل لا يناسب الحياة، وأمَّا المقصور الذي بمعنى المطر وبه يحصل النبات، فهو أَليَق بمعنى الحياة.
(شَكَّ مَالِكٌ) وفي رواية ، بصيغة المضارع، وهذه الجملة معترضة؛ لبيان من شك (فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ) بكسر المهملة، بزر العشب، وجمعه حِبَب، كقِربَة وقِرَب، فيكون التَّعريف للجنس، ويحتمل أن يكون للعهد والمراد البقلة الحمقاء؛ لأنَّ شأنها أن تنبتَ سريعًا على جانب السَّيل، فيُتلِفها السَّيل، ثم تنبت فيتلفها، ولهذا سمِّيت بالحمقاء؛ لأنها لا تمييز لها في اختيار المنبت.
وقال الجوهري الحِبة _ بالكسر _ بزور الصحراء مما ليس بقوت. وقال أبو حنيفة الدِّينوري الحَبَّة جمع بزور النبات، واحدتها حَبَّة _ بالفتح _. وأما الحَبُّ فهو الحنطة والشَّعير واحدتها حَبَّة _ بالفتح أيضًا _، وإنما افترقا في الجمع.
(فِي جَانِبِ السَّيْلِ) وفي بعض الروايات وهو ما يحمله السَّيل من طين ونحوه، وفي رواية وُهيب (( حمأة السيل ) )وهو ماء تغير لونه من الطِّين، ومعناهما واحد.
قيل فإذا اتَّفق فيه حبَّة واستقرَّت على شطِّ مجرى السَّيل تنبت في يوم وليلة، وهي أسرع نابتة نباتًا، ذكره محيي السنَّة.
(أَلَمْ تَرَ) خطاب لكلِّ من تتأتى عنه الرؤية (أَنَّهَا تَخْرُجُ) حال كونها (صَفْرَاءَ)
ج 1 ص 225
والصُّفرة لكونها من أحسن الألوان الرياحين تسر النَّاظرين، وسيِّد رياحين أهل الجنَّة الحناء، وهو أصفر.
(مُلْتَوِيَةً) أي منعطفة منثنية، وذلك أيضًا يزيد الرَّياحين حسنًا وهو اهتزازه وتميِّله؛ ففيه تشبيه من وجوهٍ متعدِّدة من حيث الإسراع، ومن حيث الضَّعف ومن حيث الطَّراوة والحسن.
والمعنى من كان في قلبهِ أقلَّ قدر من الإيمان يخرج من ذلك الماء نضرًا حسنًا منبسطًا متبخترًا كخروج هذه الرَّيحانة من جانب السَّيل صفراء متميِّلة.
ولا يخفى عليك أنَّه يؤيد كون اللام في الحبَّة للجنس؛ لأنَّ بقلة الحمقاء ليست صفراء إلَّا أن يقصد به مجرَّد الطَّراوة والحسن.
وفي الحديث فوائد
منها أنَّ فيه حجة لأهل السُّنَّة على المرجئة حيث عُلِم منه دخول طائفة من عصاة المؤمنين النار، ومذهبهم أنَّه لا يضرُّ مع الإيمان معصية فلا يدخل العاصي النار. ومنها أنَّ فيه حجَّة على المعتزلة حيث دلَّ على عدم وجود تخليد العاصي في النَّار. ومنها أنَّ فيه دليلًا على تفاضل أهل الإيمان في الأعمال. ومنها ما قيل أنَّ الأعمال من الإيمان؛ لقوله عليه السلام (( خردل من إيمان ) )والمراد ما زاد على أصل التَّوحيد. وفيه نظر كما لا يخفى.
(قَالَ وُهَيْبٌ) هذا من باب تعليقات المؤلِّف رحمه الله تعالى، ولكنَّه أخرجه مسندًا في كتاب الرِّقاق [خ¦6560] عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن عَمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، ولكنَّه قال (( من خردل من إيمان ) )كرواية مالك. وقد اعترض بهذا على البخاري، ولا يرد عليه؛ لأنَّ أبا بكر بن أبي شيبة أخرج هذا الحديث في (( مسنده ) )عن عفَّان بن مسلم، عن وُهيب، فقال (( من خردل من خير ) )كما علَّقه المؤلِّف. ووُهيب هذا هو ابن خالد بن عجلان أبو بكر الباهلي البصري، روى عن هشام بن عروة وأيوب وسهيل وعمرو بن يحيى وغيرهم. وروى عنه القطان وابن مهدي وأبو داود الطيالسي، وخلقٌ كثير، اتُّفِقَ على توثيقه، وقال ابنُ سعد كان ثقة كثير الحديث حجَّة، وقد سُجن، فذهب بصره، وكان يُمْلي من حفظه. وقال ابنُ مهدي كان من أبصر أصحابهِ بالحديث والرِّجال، وهو في درجة مالك في أنهما يرويان عن عمرو، مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة، سنةَ خمس وستين ومائة.
روى له الجماعة.
(حَدَّثَنَا عَمْرٌو) المذكور سابقًا أخبر وُهيب بلفظ التحديث، بخلاف مالك، فإنه أتى بلفظة عن، وهي محمولة على الاتصال إذا لم يكن المُعنعِن مدلسًا، ومالك غير مدلِّس (الْحَيَاةِ) بالجر على الحكاية، يعني أن وُهيبًا وافق مالكًا في روايته لهذا الحديث عن عَمرو بن يحيى بسنده، وجزم بقوله (( في نهر الحياة ) )ولم يشك، كما شكَّ مالك رحمه الله تعالى.
ج 1 ص 226
(وَقَالَ) وُهيب أيضًا في روايته (( مثقال حبة من ) ) (خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ) بدل من إيمان، فخالف مالكًا أيضًا في هذه اللَّفظة.