فهرس الكتاب

الصفحة 4111 من 11127

2630 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (وَإِسْمَاعِيْلُ) هو ابنُ أبي أويس، ابن أخت مالك بن أنس كلاهما (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (قَالَ نِعْمَ الصَّدَقَة) يعني أنَّهما رويا عن مالك بلفظ وهذا هو المشهورُ عن مالك، وكذا رواه شعيبٌ عن أبي الزِّناد، كما سيأتي في «الأشربة» [خ¦5608] .

وقال ابن التِّين من روى (( نعم الصدقة ) )روى بالمعنى؛ لأنَّ المنحة العطية، والصدقة أيضًا عطيَّة. وتعقَّبه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّه لا تلازم بينهما فكلُّ صدقةٍ عطيَّة، وليس كلُّ عطيَّةٍ صدقة، وإطلاق الصَّدقة على المنيحة مجازٌ، ولو كانت المنيحة صدقة لما حلت للنَّبي صلى الله عليه وسلم، بل هي من جنسِ الهدية والهبة.

وقال العينيُّ أراد ابنُ التين بقوله روى بالمعنى، المعنى اللُّغوي، ولا فرق في اللُّغة بين العطيَّة والمنيحة، والصَّدقة والهبة والهدية؛ لأنَّ معنى العطيَّة موجودٌ في الكلِّ بحسب اللُّغة، وإنَّما الفرق بينهما في العُرف ألا ترى أنَّه لو تصدَّق على غنيٍّ تكون هبة، ولو وهبَ لفقيرٍ تكون صدقة، انتهى. ولا يذهبُ عليك ما فيه من المقال، والله أعلم بحقيقة الحال.

وقال ابن بطَّال المنيحة تمليك المنافع، لا تمليك الرِّقاب، والسُّنَّة أن يردَّ المنيحة إلى أهلها إذا استغنى عنها، كما ردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمِّ أنسٍ، ولما فتح الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم غنائم خيبر ردَّ المهاجرون إلى الأنصار مَنائحهم وثمارهم، كما سيجيء إن شاء الله تعالى.

ومطابقةُ الحديث للترجمة من حيث إنَّه صلى الله عليه وسلم ذكر المنيحة بالمدح، ولا يمدح صلى الله عليه وسلم شيئًا إلَّا وفيه فضل.

(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوْسُفَ) التِّنِّيسيُّ،

ج 12 ص 135

قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ) هو عبد الله بن وهب المصريُّ، قال (حَدَّثَنَا يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزُّهري (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ، وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ) كذا في رواية الجميع، وفي رواية الأصيليِّ وكريمة ، وثبت لفظ شيء، في رواية مسلم عن حرملة وأبي الظَّاهر بن السَّرح، عن ابن وهب. وقال الكرمانيُّ يعني وليس بأيديهم مالٌ، والأوَّل أعمُّ.

(وَكَانَتِ الأَنْصَارُ أَهْلَ الأَرْضِ وَالْعَقَارِ، فَقَاسَمَهُمُ الأَنْصَارُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ، وَيَكْفُوهُمُ الْعَمَلَ وَالمؤونَةَ) جواب لما بالفاء. فإن قيل ظاهرهُ يغاير حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي مضى في «المزارعة» [خ¦2325] (( قالت الأنصار للنَّبي صلى الله عليه وسلم اقسم بيننا وبين إخواننا النَّخيل، قال لا ) ).

فالجواب أنَّه لا مغايرة بينهما؛ لأنَّ المنفيَّ هناك مُقاسمة الأصول، والمراد هنا مُقاسمة الثِّمار حيث وردَ في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المذكور قالوا فيكفوننا المؤنة ونشركهم في الثَّمر.

وزعم الداوديُّ أنَّ المراد من قوله (( فقاسمهُم هنا ) )أي حالفهم وجعلهم من القَسَم _ بفتحتين _ لا من القسْم _ بسكون السين _. وأقرَّه ابنُ التِّين، وفيه نظرٌ لا يخفى، وقد تقدَّم التعقُّب على ذلك في المُزَارعة.

(وَكَانَتْ أُمُّهُ) أي أم أنس (أُمُّ أَنَسٍ) بدل ممَّا قبله (أُمُّ سُلَيْمٍ) بضم السين المهملة، بدلٌ منه، أو عطف بيانٍ له. وفي رواية مسلم وكانت أمُّ أنس بن مالكٍ، وهي تدعى أمُّ سليم، وكانت أم عبد الله بن أبي طلحة (كَانَتْ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) كانت تأكيد لكانت الأولى، وكان عبد الله أخًا لأنس بن مالك لأمِّه، وأمُّ سليم رضي الله عنها اسمها سهلة، أو مُليكة بنتُ ملحان الأنصاريَّة.

والَّذي يظهر أنَّ قائل ذلك هو الزُّهري الرَّاوي عن أنس لكن بقيَّة السِّياق يقتضِي أنَّه من رواية الزُّهري عن أنس رضي الله عنه، فيحمل على التَّجريد، وهو أن ينتزعَ من أمرٍ ذي صفة أمرٌ آخر مثل الأمر الأول في تلك الصِّفة، وإنَّما يفعل ذلك مبالغةً في كمال الصِّفة في الأمر الأول

ج 12 ص 136

والتَّجريد على أقسامٍ منها مخاطبة الإنسان نفسه كأنَّه ينتزعُ من نفسه شخصًا فيُخاطبه، والتَّجريد هنا من هذا القسم.

(فَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمُّ أَنَسٍ) أي كانت أمُّ أنسٍ أعطت (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِذَاقًا) بكسر العين المهملة وبذال معجمة خفيفة، جمع عَذْق _ بفتح فسكون _ كحبل وحبال، والعذق النَّخلة، وقيل إنَّما يقال لها ذلك إذا كان حملها موجودًا، والمراد أنَّها وهبت للنَّبي صلى الله عليه وسلم ثمرها.

(فَأَعْطَاهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ أَيْمَنَ) بالنصب مفعول أعطى (مَوْلاَتَهُ أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ) واسم أمِّ أيمن بَرَكَة _ بالباء الموحدة والراء والكاف المفتوحات _ وكنِّيت به؛ لأنَّها كانت أولًا تحت عُبيد مصغَّر عبد الحبشي، فولدت له أيمن.

وفي «صحيح مسلم» أنَّها كانت وصيفةً لعبدِ الله بن عبد المطلب، وكانت من الحبشةِ، فلمَّا ولدتْ آمنة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانت أمُّ أيمن تحضنه حتَّى كبرَ عليه الصلاة والسلام فأعتقها وزوَّجها مولاه زيد بن حارثة.

وقال العينيُّ فولدتْ منه أسامةَ، وكان أسود أفطسَ، توفِّي في آخر أيَّام معاوية سنة ثمان أو تسع وخمسين، ومات النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشرين سنة، فأسامة وأيمن إخوان لأمٍّ واستشهد أيمن يوم حنين، وكان صلى الله عليه وسلم يقول (( بركة أمي بعد أمِّي ) )وماتت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر.

(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) هو الزُّهري، وهو موصولٌ بالإسناد المذكور وكذا هو عند مسلم (فَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قَتْلِ أَهْلِ خَيْبَرَ، فَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ، رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ) جمع منيحة (الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ، فَرَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُمِّهِ) أي إلى أمِّ أنسٍ، وهي أمُّ سُليم المذكورة (عِذَاقَهَا، فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّ أَيْمَنَ مَكَانَهُنَّ) أي بدلهنَّ (مِنْ حَائِطِهِ) أي من بستانه (وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ) بفتح الشين

ج 12 ص 137

المعجمة وكسر الموحدة الأولى، هو ابنُ سعيد، أبو عبد الله البصري، روى عنه البُخاري في «مناقب عثمان رضي الله عنه» [خ¦3696] ، وفي «الاستقراض» مفردًا [خ¦2389] ، وفي غير موضعٍ مقرونًا إسناده بإسنادٍ آخر، وهو من أفراده.

(أَخْبَرَنَا أَبِي) شبيبُ بن سعيد (عَنْ يُونُسَ) أي ابن يزيد (بِهَذَا) أي بهذا الحديث متنًا وإسنادًا (وَقَالَ مَكَانَهُنَّ مِنْ خَالِصِهِ) أي من خالص ماله؛ يعني أنَّه وافق ابن وهبٍ في السِّياق إلَّا في قوله (( من حائطه ) )فقال (( هو من خالصه ) )مكان من حائطه.

قال ابن التين المعنى واحدٌ؛ لأنَّ حائطه صار له خالصًا، وقال الحافظ العسقلانيُّ لكن لفظ «خالصه» أصرحُ في الاختصاص من حائطه.

وطريق أحمد بن شبيب هذه وصلها البرقانيُّ عنه في المصافحة.

ومطابقةُ الحديث للترجمة تؤخذ من قوله فقاسمهم الأنصار إلى قوله قال ابنُ شهابٍ.

والحديثُ أخرجه مسلمٌ في «المغازي» وزاد في آخر الحديث قوله (( قال ابن شهاب وكان من شأن أمِّ أيمن أنَّها كانت وصيفةً لعبد الله بن عبد المطلب ... ) )إلى آخر القصَّة، وأخرجه النسائيُّ في «المناقب» .

وسيأتي في «المغازي» إن شاء الله تعالى ذكر سبب إعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمِّ أيمن بدل العذاق [خ¦4120] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت