2639 - (حَدَّثَنِي) وفي رواية (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المعروف بالمسندي، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها قالت (جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ) بكسر الراء وتخفيف الفاء وبالمهملة (الْقُرَظِيِّ) من بني قريظة، وقال ابن عبد البر هو رفاعة بن رفاعة، وهو أحد العشرة الذين نزلت فيهم {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ} [القصص 51] الآية كما رواه
ج 12 ص 159
الطَّبراني في «معجمه» ، وابن مردويه في «تفسيره» من حديث رفاعة بإسنادٍ صحيحٍ. وأمَّا اسم المرأة فلم يقع في رواية البخاري، ولا في رواية غيره من مسلم والتِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه. وقد سمَّاها مالك في روايته تميمة بنت وهب.
وقال ابن عبد البر في «الاستيعاب» ولا أعلم لها غير قصَّتها مع رفاعة بن سموأل، وكذا قال الطَّبراني في «المعجم الكبير» لها ذكر في قصَّة رفاعة، ولا حديث لها.
(إِلَى رَسُولِ اللَّهِ) ويروى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاَقِي) بالباء الموحدة المفتوحة وتشديد المثناة الفوقية؛ أي قطع قطعًا كليًّا بتحصيل البينونة الكبرى، هكذا رواية الجمهور بتَّ من الثُّلاثي المجرَّد. وفي رواية النَّسائي فأبتَّ طلاقي من المزيد فيه، وهي لغةٌ ضعيفةٌ.
وقال الجوهريُّ حكاية عن الأصمعي لا يقال تبت. وقال الفرَّاء هما لغتان، ويقال بتَّه يَبُتُّه _ بضم الباء _ في المضارع، وحكي يبِتُّه، بالكسر. قال الجوهري وهو شاذٌّ.
وفي رواية أبي نعيم من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما كانت أميَّة بنت الحارث عند عبد الرَّحمن بن الزُّبير فطلَّقها ثلاثًا. الحديث وهنا صرَّح بالثَّلاث.
وفي رواية للبخاري على ما يأتي إن شاء الله تعالى [خ¦6084] أنَّ رفاعة طلَّقني آخر ثلاث تطليقات، فبان منه أنَّ الثَّلاث كانت متفرِّقات، وأنَّ المراد بقوله هنا فبتَّ طلاقي، هي الطَّلقة الثَّالثة التي تحصل بها البينونة الكبرى.
(فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ) بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة، ابن باطا _ بالموحدة والمهملة بلا مد ولا همز _، وقيل باطيا، من بني قريظة. وأمَّا ما قاله أبو نُعيم وأبو منده في كتابيهما «معرفة الصحابة» من أنَّه من الأنصار من الأوس، ونسباه أنَّه عبد الرَّحمن بن الزُّبير بن زيد بن أميَّة بن زيد بن مالك بن عوف بن عَمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، فغير جيِّد، كما قاله العيني. وقيل اسم المرأة سُهيمة، وقيل الغُمَيصاء، وقيل الرُّميصاء.
(إِنَّمَا مَعَهُ
ج 12 ص 160
مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ) بضم الهاء وسكون الدال، وهي طرفه الذي لم ينسج، شبَّهوها بهدب العين، وهو شعرُ الجفن. وقال الكرماني هي ما عليه من الخمل، كأنَّها عنت العُنَّة. وفي رواية لمسلم (( فأخذت هدبة من جلبابها، فتبسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )، وفيه فجاء ابن الزُّبير ومعه ابنان له من غيرها فقالت والله ما لي إليه من ذنب، إلَّا أنَّ ما معه ليس بأغنى عنِّي من هذه، وأخذت هدبة من ثوبها، فقال كذبت يا رسول الله إنِّي لأنفضها نفض الأديم، ولكنَّها ناشزة، تريد رفاعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( فإن كان ذلك لم تحلِّي له، أو لم تصلحِي له حتَّى يذوقَ عُسيلتك ) ).
وفي «تهذيب الأزهري» قال النَّبي صلى الله عليه وسلم لامرأة سألت عن زوج تزوَّجته لترجع إلى زوجها الأوَّل فلم ينتشرْ ذكره للإيلاج (( لا حتَّى تذوقي عُسيلته ) ).
وفي «المصنف» عن عامر قال قال علي رضي الله عنه لا تحلُّ له حتَّى يهزَّها هزيزَ البكر. وقال أنس رضي الله عنه لا تحل للأوَّل حتَّى يجامعها الثَّاني ويدخل بها. وقال أبو مسعود رضي الله عنه حتَّى يسفسفها به، وكأنَّه من سفسفت الرِّيح التُّراب، إذا أثارته، أو من السَّفسفة، وهي انتحال الدَّقيق ونحوه.
(فَقَالَ أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي) ويروى بالنون، وهي على لغة من يرفع الفعل بعد (أن) حملًا على أختها (ما) كقراءة مجاهد (( لمن أراد أن يتمُّ الرَّضاعة ) )بضم الميم (إِلَى رِفَاعَةَ؟ لاَ، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ) والعُسَيلة _ بضم العين وفتح السين المهملتين _ تصغير العسل، ويقال إنَّ العسل يؤنَّث في بعض اللُّغات، فالعسيلة لذلك، فإنَّ المؤنث يردُّ إليها إذا صغر، كقولك شميسة ويديَّة، وقيل إنَّما أنَّثه لأنه أراد النُّطفة، وضعَّفه النَّووي؛ لأنَّ الإنزال لا يشترط، وإنَّما هي كنايةٌ عن الجماع، شبَّه لذَّته بلذَّة العسل وحلاوتهِ.
وقال الجوهريُّ صغرت العسل بالهاء؛ لأنَّ الغالب على العسل التأنيث قال ويقال إنَّما أنَّث لأنه
ج 12 ص 161
أريد به العسلة، وهي القطعة منه، كما يقال للقطعة من الذَّهب ذهبة.
ويحتمل أن يكون التَّأنيث باعتبار الوقعة الواحدة التي تحلُّ بها للزَّوج الأوَّل، والمراد من العُسيلة هنا كما مرَّ الجماع لا الإنزال، وقد جاء ذلك مرفوعًا من حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( العُسيلة الجماع ) )رواه الدَّارقطني، وفي إسناده أبو عبد الملك القمِّي، يرويه عن ابنِ أبي مُليكة، عن عائشة رضي الله عنها.
وقال ابنُ التِّين يريد الوطء وحلاوة مسلك الفرج في الفرج، ليس الماء. وشَرَطَ الحسن البصري الإنزال وجعلَه حقيقة العسيلة. وقال الجمهورُ بدخول الذَّكر يحصل المراد من العُسيلة، وإنَّما صغَّره إشارة إلى أنَّ القدر القليل هو أقلُّ الذي يحصل به الحل.
(وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَالِسٌ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ) أي ابن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي، يُكنى أبا سعيد، أسلم قديمًا يقال إنَّه أسلم بعد أبي بكر الصِّدّيق فكان ثالثًا أو رابعًا، وقيل كان خامسًا.
وقال ضمرة بن ربيعة كان إسلام خالد مع إسلام أبي بكر رضي الله عنهما، وهاجر إلى الحبشة، وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر، وبعثه على صدقاتِ اليمن، فتوفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو باليمن قتل بمرج الصَّفر في الوقعة به سنة أربع عشرة في خلافة عمر رضي الله عنه، وقيل بل كان قتله في وقعة أجنادين بالشَّام قبل وفاة أبي بكر رضي الله عنه بأربع وعشرين ليلة.
(بِالْباب يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلاَ تَسْمَعُ إِلَى هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ) ورواه الدَّاودي (( ما تهجر به ) )من الهجر؛ يعني تأتي بالكلام القبيح (عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كأنَّه استعظم لفظها بذلك.
ويستفاد من الحديث أنَّ الرَّجل إذا أراد أن يعيدَ مطلَّقته بالثَّلاث فلا بدَّ من زوج آخر يتزوَّج بها، ويدخل عليها، وأجمعت الأمَّة على أنَّ الدُّخول شرط الحلِّ للأوَّل، ولم يخالف في ذلك إلَّا سعيد بن المسيَّب والخوارج والشِّيعة وداود الظَّاهري وبشر المريسي، وذلك اختلاف لا خلاف؛ لعدم
ج 12 ص 162
استنادهم إلى دليل، ولهذا لو قضى به القاضي لا ينفذُ، والشَّرط الإيلاجُ لا الإنزال، وشذَّ الحسن البصري في اشتراط الإنزال كما مرَّ.
ومنه ما قاله المهلَّب من جواز الشَّهادة لغير الحاضر من وراء الباب والسَّتر؛ لأنَّ خالدًا سمع قول المرأة، وهو من وراء الباب، ثمَّ أنكرهُ عليها بحضرة النَّبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه، ولم ينكر عليه، وبه تطابق التَّرجمة.
وحاصله أنَّ خالدًا أنكر على امرأةِ رفاعة ما تلفَّظت به عند النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وكان إنكارُ خالد عليها؛ لاعتماده على سماع صوتها، وهذا هو حاصلُ ما يقعُ من شهادة السَّمع؛ لأنَّ خالدًا مثل المختفي عنها، ومنه أيضًا إنكار الهجر في القول إلَّا أن يكون في حقٍّ لابدَّ له من البيان عند الحاكم.
والحديث أخرجه مسلم في «النِّكاح» ، والتِّرمذي «فيه أيضًا» ، والنَّسائي «فيه» وفي «الطَّلاق» ، وابن ماجه في «النِّكاح» ، ولما أخرجه التِّرمذي قال وفي الباب عن ابن عمر وأنس رضي الله عنهم.
فأمَّا حديث ابن عمر رضي الله عنهما فأخرجه النَّسائي وابن ماجه عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في الرَّجل تكون له المرأة، ثم يطلِّقها، ثم يتزوَّجها رجلٌ فيطلقها قبل أن يدخلَ بها، فترجع إلى زوجها الأوَّل قال (( لا حتَّى يذوق العسيلة ) ).
وأمَّا حديث أنس رضي الله عنه فرواه البيهقي من رواية محمَّد بن دينار، عن يحيى بن زيد الهنائي قال سألت أنس بن مالك رضي الله عنه عن رجل تزوَّج امرأة كان قد طلَّقها زوجها _أحسبه قال ثلاثًا _فلم يدخل بها الثَّاني فقال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( لا تحل له حتَّى يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته ) ).
وفي الباب أيضًا حديث الغميصاء أو الرُّميصاء، رواه الطَّبراني في «الكبير» بإسنادٍ صحيحٍ من رواية حمَّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
ج 12 ص 163
عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للغميصاء (( لا حتَّى يذوق من عسيلتك، وتذوقي من عسيلته ) ).
وروى النَّسائي بسندٍ جيدٍ عن عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ الغميصاء، أو الرُّميصاء أتت النَّبي صلى الله عليه وسلم تشتكي زوجها، وأنَّه لا يصل إليها، فلم يلبث أن جاء زوجها فقال يا رسول الله إنَّها كاذبة وهو يصل إليها، ولكنَّها تريد أن ترجع إلى زوجها الأوَّل فقال (( ليس ذلك له حتَّى تذوق عسيلته ) ).
هذا وقد روى بكر بن معروف، عن مقاتل بن حبَّان في قوله تعالى {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة 230] نزلت في عائشة بنت عبد الرَّحمن بن عتيك البصري كانت تحت رفاعة _ يعني ابن وهب _ وهو ابن عمِّها، فتزوَّجها ابن الزُّبير، ثمَّ طلقها فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله، إنَّ زوجي طلَّقني قبل أن يمسَّني، أفأرجع إلى ابن عمي فقال (( لا حتَّى يكون مس ) )فلبثت ما شاء الله، ثم أتتْ، فقالت يا رسول الله إنَّ زوجي الذي كان تزوَّجني بعد زوجي الأوَّل كان مسَّني، فقال صلى الله عليه وسلم (( كذبت بقولكِ الأوَّل فلن أصدِّقك في الآخر ) )فلبثت، فلمَّا قبض صلى الله عليه وسلم أتت أبا بكر رضي الله عنه فقالت أرجع إلى زوجي الأوَّل، فإن الآخر قد مسَّني، فقال لها أبو بكر رضي الله عنه قد عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لك، فلا ترجعي إليه، فلمَّا قبض أبو بكر رضي الله عنه جاءت عمر رضي الله عنه فقال إن أتيتني بعد مرَّتك هذه لأرجمنَّك.