2651 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياس، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، قال (حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ) بالجيم والراء، نصر بن عمران الضَّبعي، وقد مرَّ في أواخر كتاب الإيمان [خ¦53] (قَالَ سَمِعْتُ زَهْدَمَ) بفتح الزاي وسكون الهاء وفتح الدال المهملة (ابْنَ مُضَرِّبٍ) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء، الجرمي البصري (قَالَ سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ) رضي الله عنه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُكُمْ) أي أكثركم أجرًا وثوابًا (قَرْنِي) قال ابنُ الأنباري المعنى خيرُ النَّاس أهل قرني، فحذف المضاف، وقد يسمَّى أهل العصر قرنًا؛ لاقترانهم في الوجودِ.
وقال القرطبيُّ هو بسكون الراء من النَّاس أهل زمان واحدٍ، وقال ابن التِّين معنى قوله (( قرني ) )أصحابي من رآهُ أو سمع كلامه، وقيل القرن أهل عصرٍ متقاربة أسنانهم.
وقال الخطَّابي واشتقَّ لهم هذا الاسم من الاقتران في الأمر الذي يجمعهم، وقيل إنَّه لا يكون قرنًا حتَّى يكونوا في زمن نبيٍّ، أو رئيسٍ يجمعهم على ملَّة أو رأي أو مذهبٍ.
قال ابن التِّين سواءٌ قلَّت المدَّة أو كثرت، وقيل القرن ثمانون سنة، وقيل أربعون، وقيل مائة سنة، قال ابن عَدِيس قال ثعلب هذا هو الاختيار. وقال ابن التِّين وقيل من عشرين إلى مائة وعشرين، وقيل ستون، وقال الجوهري ثلاثون سنةً، وقال ابنُ سيده هو مقدار التَّوسط في أعمار أهل الزَّمان، فهو في كلِّ قومٍ على مقدار أعمارهم.
قال وهو الأمة تأتي بعد الأمة،
ج 12 ص 198
قيل مدَّته عشر سنين، وفي «الموعب» وقيل عشرون سنة، وقيل سبعون، وقال ابنُ الأعرابيِّ القرن الوقت من الزَّمان. وفي «التهذيب» لأنَّه مقرن أمَّة بأمة، وعالمًا بعالم.
(ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) من ولِيه يلِيه _ بالكسر _ فيهما من الولي، وهو الدُّنو والقرب؛ أي يجيئون بعدهم (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، قَالَ عِمْرَانُ) هو موصولٌ بالإسناد المذكور، وهو بقيَّة حديث عمران بن حصين رضي الله عنه (لاَ أَدْرِي، أَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الهمزة فيه للاستفهام (بَعْدُ) مبني على الضم منوي الإضافة، وفي رواية (قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية النَّسفي وابن شبَّويه .
قال الكرمانيُّ فلعلَّه منصوب كتب بغير ألف على اللغة الرَّفعية، أو ضمير الشَّأن محذوفٌ على ضعفٍ، وفيه بحثٌ.
(يَخُونُونَ) بالخاء المعجمة، من الخيانة، قال الحافظُ العسقلاني كذا في جميع الرِّوايات التي اتَّصلت لنا بالخاء المعجمة والواو، وزعم ابنُ حزم أنَّه وقع في نسخته بسكون المهملة وكسر الراء بعدها موحدة، قال فإن كان محفوظًا فهو من قولهم حربه يحربه، إذا أخذ ماله وتركَه بلا شيءٍ، ورجل محروبٌ أي مسلوبُ المال.
(وَلاَ يُؤْتَمَنُونَ) أي لا يثق النَّاس بهم، ولا يعتقدونهم أُمَناء؛ أي تكون لهم خيانةٌ ظاهرةٌ بحيث لا يبقى للنَّاس اعتمادٌ عليهم (وَيَشْهَدُونَ وَلاَ يُسْتَشْهَدُونَ) يحتمل أن يرادَ يتحمَّلون الشَّهادة بدون التَّحميل، أو يؤدُّون الشَّهادة بدون طلب الأداء، والثَّاني أقرب، وقال الكرمانيُّ فإن قلت بعض الشَّهادات يجب أو يستحبُّ الأداء قبل الطَّلب.
قلت حذف المفعول به يدلُّ على إرادةِ العموم، فالمذمومُ عدم التَّخصيص، وذلك البعض مثل ما فيه حقٌّ مؤكَّد لله تعالى المسمَّى بشهادة الحسبة غير مرادٍ بدليلٍ خارجي.
وقال ابنُ الجوزي إن قيل كيف جاز الجمع بين قوله
ج 12 ص 199
(( يشهدون ولا يستشهدون ) )وبين قوله في حديث زيد بن خالد رواه مسلم (( ألا أخبركُم بخير الشُّهداء الذي يأتي بالشَّهادة قبل أن يسألها؟ ) ).
فالجواب أنَّ التِّرمذي ذكر عن بعض أهل العلم أنَّ المراد الذي يشهد ولا يستشهد شاهد الزُّور. واحتجَّ بحديث عمر رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( ثمَّ يفشُو الكذب حتَّى يشهدَ الرَّجل ولا يُستشهد ) ).
والمراد بحديث زيد بن خالد الشَّاهد على الشَّيء فيؤدِّي شهادته، ولا يمتنع من إقامتها.
وقال الخطَّابي ويحتمل أن يريد الشَّهادة على المغيب من أمرِ الخلق، فيشهد على قومٍ أنَّهم من أهل النَّار، ولآخرين بغير ذلك على مذهب أهل الأهواء، وقيل إنَّما هذا في الرَّجل تكون عنده الشَّهادة، وقد نسيها صاحب الحقِّ، أو ترك أطفالًا ولهم على النَّاس حقوق ولا علم للوصيِّ بها، فيجيءُ من عنده الشَّهادة، فيبذلُ شهادته لهم بذلك، فيُحيي حقَّهم، فيحمد بتلك الشَّهادة قبل السُّؤال في مثل هذا.
وهذا أحسنُ الأجوبة، وبه أجاب يحيى بن سعيد شيخ البخاريِّ ومالك وغيرهما.
وقال ابن بطَّال والشَّهادة المذمومة لم يرد بها الشَّهادة على الحقوق إنَّما أريد بها الشَّهادة في الإيمان، يدلُّ عليه قول النَّخعي في آخر الحديث الآتي (( وكانوا يضربوننا على الشَّهادة ) )فدلَّ هذا من قول إبراهيم النَّخعي أنَّ الشَّهادة المذموم عليها صاحبها هي قول الرَّجل أشهد بالله ما كان كذا على كذا، على معنى الحلف، فكره ذلك كما كره الإكثار من الحلف، واليمين قد تسمَّى شهادةً، كما قال تعالى {فشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ} [النور 6] ، وهذا جواب الطَّحاوي.
وهذه الأقوال أقوال الذين جمعوا بين حديثي عمران وزيد رضي الله عنهما.
هذا وقال الحافظ العسقلانيُّ اختلف العلماء في التَّرجيح بينهما، فجنحَ ابن عبد البرِّ إلى ترجيح حديث زيد بن خالدٍ؛ لكونه من رواية أهلِ المدينة، فقدَّمه على رواية أهل العراق، وبالغ فيه حتَّى زعم أنَّ حديث عمران هذا لا أصل له.
وجنح غيره إلى ترجيحِ حديث عمران؛ لاتِّفاق صاحبي «الصحيح» عليه، وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد بن خالد، والله تعالى أعلم.
تنبيه قد جمع بينهما بعضهم بأنَّ المراد بحديث زيد بن خالد شهادة الحسبة، وهي ما لا يتعلَّق بحقوق الآدميين
ج 12 ص 200
المختصَّة بهم محضًا، ويدخل في الحسبة ما يتعلَّق بحقِّ الله تعالى، أو فيه شائبة منه كالعَتَاق والوقف والوصيَّة العامة والعدَّة والطَّلاق والحدود ونحو ذلك.
والحاصل أنَّ المراد بحديث عمران بن حصين رضي الله عنه الشَّهادة في حقوق الآدميين، والمراد بحديث زيد بن خالد رضي الله عنه الشَّهادة في حقوقِ الله تعالى.
وقد جمع بينهما بعضهم بأنَّ حديث زيد بن خالد رضي الله عنه محمولٌ على المبالغة في الإجابة إلى الأداء، فيكون لشدَّة استعداده لها كالذي أدَّاها قبل أن يسألها، كما يقال في وصف الجواد إنَّه ليعطي قبل الطَّلب؛ أي يعطي سريعًا عقب السُّؤال من غير توقف.
وهذه الأجوبة مبنيَّة على أنَّ الأصل في أداء الشَّهادة عند الحاكم أن لا يكون إلَّا بعد الطَّلب من صاحب الحقِّ، فيخصُّ ذمَّ من شهد قبل أن يستشهدَ بمن ذكر، وذهب بعضُهم إلى جواز أداء الشَّهادة قبل السُّؤال على ظاهر عموم حديث زيد بن خالدٍ رضي الله عنه، وتأوَّلوا حديث عمران رضي الله عنه بتأويلاتٍ
أحدها أنَّه محمولٌ على شهادة الزور، كما مرَّ.
وثانيها أنَّ المراد بها الشَّهادة في الحلف، كما مرَّ أيضًا.
وثالثها أنَّ المراد بها الشَّهادة على الغيب من أمر النَّاس، وقد مرَّ ذلك أيضًا.
ورابعها أنَّ المراد به من ينتصب شاهدًا، وليس من أهل الشَّهادة.
وخامسها أنَّ المراد به التَّسارع إلى الشَّهادة، وصاحبها عالم بها قبل أن يسألَه، والله تعالى أعلم.
ثمَّ قوله (( يشهدون ولا يستشهدون ) )قد استدلَّ به على أنَّ من سمعَ رجلًا يقول لفلان عندي كذا، فلا يسوغُ له أن يشهدَ عليه بذلك إلَّا إذا استشهد، وهذا بخلاف من رأى رجلًا يقتل رجلًا أو يغصب ماله، فإنَّه يجوز له أن يشهدَ بذلك، وإن لم يستشهده.
(وَيَنْذِرُونَ) بفتح أوله وبكسر الذال المعجمة وبضمها (وَلاَ يَفُونَ) من الوفاء، يقال وفى يفي، وأصله يوفي حذفت الواو؛ لوقوعها بين ياء وكسرة،
ج 12 ص 201
وأصل يفون يوفيون، فأعلَّ إعلال غازون ورامون.
(وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ) بكسر السين المهملة وفتح الميم وبالنون، معناه أنَّهم يحبون التَّوسع في المآكل والمشارب، وهي أسباب السِّمن.
قال المهلَّب معناه ليس لهم إلَّا كثرة الأكل، فلا رغبة لهم في الآخرة؛ لغلبةِ شهوات الدُّنيا عليهم. وقال ابن التِّين المراد به ذم محبَّته وتعاطيه، لا من يُخْلَق كذلك، وقيل المراد يظهر فيهم كثرة المال، وقيل المراد أنَّهم يتسمَّنون؛ أي يتكثَّرون بما ليس فيهم، ويدَّعون ما ليس لهم من الشَّرف، ويحتمل أن يكون جميع ذلك مرادًا.
وقد رواه التِّرمذي من طريق هلال بن يساف عن عمران بن حصين رضي الله عنه بلفظ (( ثمَّ يجيء قومٌ فيتسمَّنون ويحبُّون السَّمن ) ).
ومطابقته للتَّرجمة تؤخذ من قوله (( ويشهدون ولا يستشهدون ) )لأنَّ الشَّهادة قبل الاستشهاد فيه معنى الجور.
والحديث أخرجه المؤلِّف في «فضل الصحابة» [خ¦3650] و «الرقاق» [خ¦6428] و «النذور» أيضًا [خ¦6695] ، وأخرجه مسلمٌ في «الفضائل» ، والنَّسائي في النذور.