فهرس الكتاب

الصفحة 4147 من 11127

2653 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضم الميم وكسر النون، أبو عبد الرَّحمن الزَّاهد المروزي، وهو من أفراده، وقد مرَّ في الوضوء [خ¦195] ، أنَّه (سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ) بن حازم الأزديِّ أبا العبَّاس (وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ) المكِّي الجُدِّي _ بضم الجيم وتشديد الدال المهملة _ أبا عبد الله مولى بني عبد الدَّار القرشي، وهو من أفراده (قَالاَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج الواسطي سكن البصرة (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بصيغة التصغير (ابْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ) وهو بصري، وفي رواية محمَّد بن جعفر التي

ج 12 ص 206

تأتي في الأدب [خ¦5977] عن شعبة أيضًا (( سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه ) ).

(سُئِلَ النَّبِيُّ) ويروى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْكَبَائِرِ) وفي رواية بهز عن شعبة عند أحمد زيادة (( أو ذكرها ) )، وفي رواية محمَّد ابن جعفر (( ذكر الكبائر، أو سئل عنها ) ).

والكبائر جمع كبيرة وهي الفعلة القبيحة من الذُّنوب المنهيِّ عنها شرعًا العظيم أمرها كالقتل والزنا، والفرار من الزَّحف وغير ذلك، وهي من الصِّفات الغالبة، يعني صار اسمًا لهذه الفعلة القبيحة، وهي في الأصل صفة، والتَّقدير الفعلة القبيحة، أو الخصلة القبيحة، قيل الكبيرة كلُّ معصية، وقيل كلُّ ذنب قرن بنار، أو لعنة أو غضب أو عذاب.

والصَّحيح أنَّ الكبيرة أمرٌ نسبي، فكلُّ ذنبٍ فوقه ذنب فهو بالنِّسبة إليه كبيرةٌ، وبالنِّسبة إلى ما تحته صغيرة، واختلفوا في الكبائر، وهاهنا ذكر أربعة كما سيأتي وليس فيها أنَّها أربعٌ فقط، فقيل هي سبع كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( اجتنبوا السَّبع الموبقات وهي الإشراك بالله، وقتل النَّفس التي حرمَّ الله إلَّا بالحقِّ، والسِّحر، وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم، والتَّولي يوم الزَّحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ) )وهو في آخر كتاب الوصايا [خ¦2766] .

وقيل تسع، رواه الحاكم في حديث طويلٍ، فذكر السَّبعة المذكورة، وزاد عليها (( عقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام ) ).

وعن أبي طالب المكِّي أنَّه قال الكبائر سبع عشرة قال جمعتها من جملة الأخبار، وجملة ما اجتمع من قول ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم وغيرهم الشِّرك بالله، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمته، والأمن من مكره، وشهادة الزُّور، وقذف المحصنات، واليمين الغموس، والسِّحر، وشرب الخمر، والمسكر، وأكل مال اليتيم ظلمًا، وأكل الرِّبا، والزِّنا، واللواطة، والقتل،

ج 12 ص 207

والسَّرقة، والفرار من الزَّحف، وعقوق الوالدين. انتهى.

وقال رجلٌ لابن عباس رضي الله عنهما الكبائر سبع؟ فقال هي إلى سبعمائة.

هذا وكأنَّ المراد هنا بالكبائر أكبر الكبائر كما في حديث أبي بكرة رضي الله عنه الذي يليه، وكذا وقع في بعض «الأطراف» عن شعبة، وليس القصد حصر الكبائر فيما ذكر.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ) مرفوعٌ على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتَّقدير الكبائر الإشراك بالله، وما بعده عطف عليه، ووجه تخصيص هذه الأربعة بالذكر أنَّها أكبر الكبائر، والشِّرك بالله أعظمها.

(وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) العقوق من العقِّ، وهو القطع. وذكر الأزهريُّ أنَّه يقال عق والده يعُقه _ بضم العين _ عقًا وعقوقًا، إذا قطعه، والعاق اسم فاعل، ويجمع على عَقَقَه بفتح الحروف كلها، وعُقُق بضم العين والقاف.

وقال صاحب «المحكم» رجلٌ عُقُق وعُقُوق وعَقٌّ وعَاقٌّ بمعنى واحد، والعاق هو الذي شقَّ عصا الطَّاعة لوالديه.

وقال النَّووي هذا قول أهل اللُّغة، وأمَّا حقيقة العقوق المحرَّم شرعًا فقلَّ من ضبطه.

وقد قال الشَّيخ الإمام أبو محمد بن عبد السَّلام لم أقف في عقوق الوالدين وفيما يختصَّان به من العقوق على ضابطٍ أعتمد عليه، فإنهَّ لا يجب طاعتهما في كلِّ ما يأمران به، ولا ينهيان عنه باتَّفاق العلماء، وقد حرَّم على الولد الجهاد بغير إذنهما؛ لما يشقُّ عليهما من توقع قتله، أو قطع عضو من أعضائه، ولشدَّة تفجُّعهما على ذلك.

وقد ألحق بذلك كل سفرٍ يخافان فيه على نفسه أو عضو من أعضائه، وقال الشَّيخ أبو عمرو بن الصلاح في «فتاويه» العقوق المحرَّم كل فعلٍ يتأذَّى به الوالدان تأذيًا ليس بالهيِّن مع كونه ليس من الأفعال الواجبة، قال وربَّما قيل طاعة الوالدين واجبةٌ في كلِّ ما ليس بمعصيةٍ، ومخالفة أمرهما في ذلك عقوق

ج 12 ص 208

وقد أوجب كثيرٌ من العلماء طاعتهما في الشُّبهات.

وليس قول من قال من علمائنا يجوز له السَّفر في طلب العلم، وفي التِّجارة بغير إذنهما مخالفًا لذلك، فإنَّ هذا كلامٌ مطلق، وفي ذلك بيان لتقييد ذلك المطلق.

(وَقَتْلُ النَّفْسِ) يعني بغير حقٍّ، ويكفي فيه الوعيد قوله تعالى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء 93] الآية (وَشَهَادَةُ الزُّورِ) قد مرَّ تفسير الزُّور في أول الباب، وقد روي عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه أنَّه قال عدلت شهادة الزُّور الإشراك بالله.

وقرأ عبد الله (( واجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ) )واختلف في شاهد الزُّور إذا تاب، فقال مالكٌ تقبل توبته وشهادته كشارب الخمر، وعن عبد الملك لا تقبل كالزنديق، وقال أشهب إن أقرَّ بذلك لم تقبل توبته أبدًا، وعند أبي حنيفة إذا ظهرت توبته يجب قبول شهادته إذا أتى ذلك مرَّة يظهر في مثلها توبته، وهو قول الشَّافعي وأبي ثور.

وقال ابنُ المنذر وقول أبي حنيفة ومن تبعه أصحُّ، وقال ابنُ القاسم بلغني عن مالكٍ أنَّه لا تقبل شهادته أبدًا، وإن تاب وحسنت توبته.

واختلف هل يؤدَّب إذا أقر فعن شريح أنَّه كان يبعث بشاهد الزُّور إلى قومه أو إلى سوقه إنَّا قد زيَّفنا شهادة هذا، ويكتب اسمه عنده ويضربه خفقات وينزع عمامته عن رأسه. وعن الجعد بن ذكوان أنَّ شريحًا ضرب شاهد زورٍ عشرين سوطًا. وعن عمر بن عبد العزيز أنَّه اتَّهم قومًا على هلال رمضان، فضربهم سبعين سوطًا وأبطل شهادتهم. وعن الزُّهري شاهد الزُّور يعزر. وقال الحسن يضرب ما دون الأربعين خمسة وثلاثين، سبعة وثلاثين سوطًا.

وفي كتاب «القضاء» لأبي عُبيد بن سلام عن معمر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ردَّ شهادة رجلٍ في كذبة كذبها.

وذكره أبو سعيد النَّقاش بإسناده إلى عكرمة عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه

ج 12 ص 209

بلفظ كذبة واحدة كذبها.

وفي «الأشراف» كان سَوَّار يأمر به يُلَبَّبُ بثوبه، ويقول لبعض أعوانه اذهبوا به إلى مسجد الجامع، فدوروا به على الخلق، وهو ينادي من رآني فلا يشهد بزورٍ.

وكان النُّعمان يرى أن يبعث به إلى سوقه إن كان سوقيًا أو إلى مسجد قومه ويقول القاضي يقرئكم السَّلام، يقول إنَّا وجدنا هذا شاهد زورٍ فاحذروه وحذَّروه النَّاس، ولا يرى عليه تعزيرًا.

وعن مالكٍ أرى أن يفضح ويعلن به ويوقف، وأرى أن يضرب ويُسَارَ به، وقال أحمد وإسحاق يقام للنَّاس ويؤدَّب، وقال أبو ثور يعاقب، وقال الشَّافعي يعزَّر، ولا يبلغ بالتَّعزير أربعين سوطًا، ويشهر بأمره.

وعن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أنَّه حبسه يومًا وخلَّى عنه، وعن ابن أبي ليلى يضرب خمسة وسبعين سوطًا، ولا يبعث به. وعن الأوزاعي إذا كانا اثنين وشهدا على طلاق ففرق بينهما، ثمَّ أكذبا أنفسهما أنَّهما يضربان مائة، ويغرمان للزَّوج الصَّداق. وعن القاسم وسالم شاهد الزُّور يحبس ويخفق سبع خفقاتٍ بعد العصر، وينادى عليه. وعن عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة أنَّه أمر بحلق أنصاف رؤوسهم، وتسخَّم وجوههم، ويطاف بهم في الأسواق. وعند أبي حنيفة يبعث به إلى محلَّته أو سوقه، فيقال لهم إنَّا وجدنا هذا شاهد زورٍ فاحذروه، فلا يضرب ولا يحبس. وعند أبي يوسف ومحمد يضرب ويحبس إن لم يحدث توبةً؛ لأنَّه ارتكب محظورًا فيعزر.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.

والحديث أخرجه المؤلِّف في «الأدب» [خ¦5977] و «الديات» أيضًا [خ¦6871] ، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان» ، والتِّرمذي في «البيوع» و «التَّفسير» ، والنَّسائي في «القضاء» و «القصاص» و «التفسير» .

(تَابَعَهُ) أي تابع وهب بن جرير (غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر (وَأَبُو عَامِرٍ) عبد الملك العقدي (وَبَهْزٌ) بفتح الموحدة وسكون الهاء وآخره زاي، هو ابن أسد العمي (وَعَبْدُ الصَّمَدِ) هو ابن عبد الوارث، وهؤلاء بصريون.

ج 12 ص 210

(عَنْ شُعْبَةَ) أمَّا رواية أبي عامر العقدي؛ فقد وصلها أبو سعيد النَّقاش في كتاب «الشهود» ، وابن منده في كتاب «الإيمان» من طريقه عن شعبة بلفظ (( أكبر الكبائر الإشراك بالله ) )الحديث.

وكذلك أخرجه المؤلِّف في «الديات» [خ¦6871] عن عمرو بن عوف عن شعبة بلفظ (( أكبر الكبائر ) )، وأمَّا رواية بهز بن أسد فأخرجهما أحمد عنه.

وأمَّا رواية عبد الصَّمد؛ فوصلها المؤلِّف في «الديات» [خ¦6871] ، وأمَّا متابعة غندر فلم أظفر بمن أخرجها، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت