2654 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد، قال (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة، والمفضَّل بفتح الضاد المعجمة المشددة (قَالَ حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ) بضم الجيم وفتح الراء الأولى، هو سعيد بن إياس الأزدي، وسمَّاه في رواية خالد الحذاء عنه في أوائل الأدب، وقد أخرج البخاري للعباس بن فروخ الجريري أيضًا، لكنَّه إذا أخرج عنه سمَّاه (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) وفي رواية إسماعيل بن علية عن الجريري (( حدَّثنا عبد الرَّحمن ) )وقد علَّقها المؤلف في آخر الباب (عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرة نفيع الثَّقفي أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ) أَلا _ بفتح الهمزة وتخفيف اللام _ للتنبيه جيء بها؛ لتدلَّ على تحقيق ما بعدها، أو الهمزة للاستفهام ولا للنفي؛ أي ألا أخبركم.
(بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلاَثًا) أي قال لهم ألا أنبئكم ثلاث مرَّات، وإنَّما كرَّره تأكيدًا لتنبُّه السَّامع على إحضار فهمه، وكان من عادته صلى الله عليه وسلم إعادة حديثه ثلاثًا ليفهم عنه.
ووهم من قال المراد بذلك عدد الكبائر، وشكَّ فيه شعبة هل قال ذلك ابتداءً أو لمَّا سئل؟، والظَّاهر هو الأول.
(قَالُوا بَلَى) أخبرنا (يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي أكبر الكبائر الإشراك بالله؛ لأنَّه لا ذنب أعظم من الإشراك بالله.
وقال الحافظ العسقلانيُّ يحتمل مطلق الكفر، ويكون تخصيصه بالذِّكر؛ لغلبته في الوجود، ولاسيما في بلاد العرب، ويحتمل أن يراد به خصوصيته، إلَّا أنَّه يرد عليه أنَّ بعض الكفر أعظم قبحًا من الإشراك وهو التَّعطيل؛ لأنَّه نفي مطلق والإشراك
ج 12 ص 211
إثباتٌ مقيد، فيترجَّح الاحتمال الأول.
(وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) وإنَّما ذكر هذا وقول الزُّور مع الإشراك بالله مع أنَّ الشِّرك أكبر الكبائر بلا شك؛ لأنَّهما يشابهانه من حيث إنَّ الأب سبب وجوده ظاهرًا، وهو يربِّيه، فلهذا قرن الله تعالى الإحسان بالوالدين بعبادته وحده في قوله تعالى {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء 36] .
ومن حيث إنَّ شاهد الزُّور يثبت الحق لغير مستحقِّه، فلهذا ذكر الله تعالى الأمر بالاجتناب عن الأوثان مع الاجتناب عن قول الزُّور في قوله تعالى {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج 30] .
(وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا) جملة حالية، هذا يشعر بأنَّه اهتمَّ بذلك حتَّى جلس بعد أن كان متكئًا، ويفيد ذلك تأكيد تحريمه وعظم قبحه. وسبب الاهتمام بذلك كون قول الزُّور، وشهادة الزُّور أسهل وقوعًا على النَّاس، والتَّهاون بها أكثر فإنَّ الإشراك ينبو عليه قلب المسلم، والعقوق يصرف عنه الطَّبع.
وأمَّا الزور فالحوامل عليه كثيرةٌ؛ كالعداوة والحسد والحقد وغير ذلك، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه، وليس ذلك لعظمه بالنِّسبة إلى ما ذكر معه من الإشراك بالله، وإنَّما ذلك لكون مفسدة الزُّور متعدية، ومفسدة الشِّرك قاصرة غالبًا.
(فَقَالَ أَلاَ) للتنبيه (وَقَوْلُ الزُّورِ) وفي رواية خالد عن الجريري (( ألا وقول الزُّور وشهادة الزُّور ) )، وفي رواية ابن علية (( شهادة الزُّور، أو قول الزور ) )، وكذا وقع في «العمدة» لكن بالواو.
قال العينيُّ وقول الزور أعمُّ من أن يكون شهادةً، أو غير شهادة كالكذب، فلأجل ذلك بوَّب عليه التِّرمذي بقوله باب ما جاء في التَّغليظ في الكذب والزُّور ونحوه، ثمَّ روى حديث أنسٍ رضي الله عنه المذكور.
فعلى هذا فالكذب في المعاملات داخلٌ في مسمَّى قول الزُّور، لكن حديث حُزَيم بن قابل الذي رواه أبو داود وابن ماجه من رواية
ج 12 ص 212
حبيب بن النعمان الأسدي، عن حزيم بن قابل قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فلمَّا انصرف قام قائمًا فقال (( عدلت شهادة الزُّور بالإشراك بالله ثلاث مراتٍ، ثمَّ قرأ {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ*حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج 30 - 31] ) ).
يدلُّ على أنَّ المراد بقول الزُّور في آية الحج شهادة الزُّور؛ لأنَّه قال (( عدلت شهادة الزُّور الإشراك بالله، ثمَّ قرأ {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج 30] ) )، فجعل في الحديث قول الزُّور معادلًا للإشراك.
واعلم أنَّ درجات الكذب تتفاوت بحسب المكذوب عليه، وبحسب ما يترتَّب على الكذب من المفاسد، وقد قسم ابن العربي الكذب على أربعة أقسام
أحدها وهو أشدُّها الكذب على الله، قال الله تعالى {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ} [الزمر 32] .
الثَّاني الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو هو، أو نحوه.
الثَّالث الكذب على النَّاس، وهي شهادة الزُّور في إثبات ما ليس بثابتٍ على أحد، أو إسقاط ما هو ثابتٌ.
الرَّابع الكذب للنَّاس، قال ومن أشدِّه الكذب في المعاملات، وهو أحد أركان الفساد الثَّلاثة فيها، وهي الكذب والعيب والغش. والكذب وإن كان محرمًا سواءٌ قلنا كبيرةً أو صغيرةً، فقد يباح عند الحاجة إليه، ويجب في مواضع ذكرها العلماء. انتهى.
وقال ابن دقيق العيد يحتمل أن يكون قوله في رواية خالد (( وشهادة الزُّور ) )بعد قوله (( قول الزُّور ) )من الخاص بعد العام، لكن ينبغي أن يحمل على التَّأكيد، فإنَّا لو حملنا القول على الإطلاق؛ لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقًا كبيرة، وليس كذلك.
قال ولا شكَّ أنَّ مراتب الكذب متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده، ومنه قوله {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء 112] .
(قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ) إنَّما قالوا ذلك شفقةً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكراهةً لما يزعجه، وفيه ما كانوا عليه من كثرة
ج 12 ص 213
الأدب معه صلى الله عليه وسلم والمحبَّة له والشَّفقة عليه.
ومطابقة للتَّرجمة ظاهرة. فإن قلت الحديث لا يتعلَّق بكتمان الشَّهادة، وهو مذكورٌ في التَّرجمة.
فالجواب أنَّه علم منه حكمه قياسًا؛ لأنَّ تحريم شهادة الزُّور؛ لإبطال الحقِّ والكتمان فيه أيضًا إبطالٌ له.
والحديث أخرجه المؤلِّف في «استتابة المرتدين» [خ¦6919] و «الاستئذان» [خ¦6273] و «الأدب» [خ¦5976] ، وأخرجه مسلم في «الإيمان» ، والتِّرمذي في «البر» و «الشَّهادات» و «التَّفسير» .
(وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو المشهور بابن عُلَيَّة، وعُلَيَّة _ بضم العين وفتح اللام وتشديد المثناة التحتية _ اسم أمه مولاة لبني أسد (حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ) هو المذكور آنفًا، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابن أبي بكرة المذكور، وهذا التَّعليق وصله البخاريُّ في «استتابة المرتدين» على ما يجيء إن شاء الله تعالى [خ¦6919] .
خاتمة وفي الحديث انقسام الذُّنوب إلى كبير وأكبر، ويؤخذ منه ثبوت الصَّغائر؛ لأنَّ الكبيرة بالنِّسبة إليها أكبر منها، والاختلاف في ثبوت الصَّغائر مشهورٌ، وأكثر ما تمسَّك به من قال ليس في الذُّنوب صغيرة كونه نظر إلى عظم المخالفة لأمر الله تعالى ونهيه، فالمخالفة بالنِّسبة إلى جلال الله تعالى كبيرة، لكن لمن أثبت الصَّغائر أن يقول وهي بالنِّسبة لما فوقها صغيرة، كما دلَّ عليه حديث الباب، وقد فهم الفرق بين الصَّغيرة والكبيرة من مدارك الشرع.
وسبق في أوائل الصَّلاة ما يكفِّر الخطايا ما لم تكن كبائر، فثبت به أنَّ من الذُّنوب ما يكفر بالطَّاعات، ومنها ما لا يكفر، وذلك هو عين المدعى. ولهذا قال الغزالي إنكار الفرق بين الكبيرة والصَّغيرة لا يليق بالفقيه، ثمَّ إنَّ مراتب كل من الصَّغائر والكبائر تختلف بحسب تفاوت مفاسدها.
وفي الحديث تحريم شهادة الزُّور، وفي معناها كلُّ ما كان زورًا من تعاطي المرء ما ليس له أهلًا، والله تعالى أعلم.