2657 - (حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ يَحْيَى) بن زِياد _ بكسر الزاي وتخفيف الياء _، أبو الخطَّاب البصري، مات سنة أربع وخمسين ومائتين، قال (حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ) على وزن فعلان من الورود أبو صالح البصري، مات سنة أربع وثمانين ومائة.
قال (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختياني (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبِيَةٌ) جمع قباء (فَقَالَ لِي أَبِي مَخْرَمَةُ انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ عَسَى أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا، فَقَامَ أَبِي عَلَى الْباب، فَتَكَلَّمَ، فَعَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ قَبَاءٌ، وَهُوَ يُرِيهِ مَحَاسِنَهُ، وَهُوَ يَقُولَ خَبَأْتُ هَذَا لَكَ، خَبَأْتُ هَذَا لَكَ) والحديث قد مضى في كتاب الهبة، في باب كيف يقبض العبد والمتاع [خ¦2599] .
ومقصود البخاري منه قوله فعرف النَّبي صلى الله عليه وسلم صوته. .. إلى آخره، فإنَّ فيه أنَّه اعتمد صوته قبل أن يرى شخصه، ثمَّ مقصوده من هذه التَّرجمة ومن الأحاديث التي أورد فيها بيان جواز شهادة الأعمى.
وقال الإسماعيلي ليس في أحاديث الباب دَلالة على قبول شهادة الأعمى مطلقًا؛ لأنَّ نكاح الأعمى يتعلَّق بنفسه؛ لأنَّه في زوجته وأمته، وليس لغيره فيه مدخل، وأمَّا قصَّة عبَّاد ومخرمة ففي شيء يتعلَّق بهما لا يتعلَّق بغيرهما.
وأمَّا التَّأذين فقد قال في بقيَّة الحديث كان لا يؤذن حتَّى يقال له أصبحت، فالاعتماد على الجمع
ج 12 ص 220
الذين يخبرونه بالوقت.
قال وأمَّا ما ذكره الزُّهري في حقِّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما فهو تهويل لا تقوم به حجَّة؛ لأنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما كان أفقه من أن يشهدَ فيما لا تجوز فيه شهادته، فإنَّه لو شهد لأبيه أو ابنه أو مملوكه؛ لما قبلت شهادته، وقد أعاذهُ الله من ذلك.
هذا وقال صاحب «التَّلويح» وفيه نظرٌ من حيث إنَّ الجماعة الذين ذكرهم البخاري أجازوا شهادة الأعمى، فهو دليل البخاري. انتهى.
وقال ابن حزم شهادة الأعمى مقبولة كالصَّحيح، روي ذلك عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وصحَّ عن الزُّهري وعطاء والقاسم والشَّعبي وشريح وابن سيرين والحكم بن عتيبة وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري وابن جريج، وهو أحد قولي إيَّاس بن معاوية، وأحد قولي ابن أبي ليلى، وهو قول مالك واللَّيث وأحمد وإسحاق وأبي سليمان. وقالت طائفة تجوز شهادته فيما عرف قبل العمى، ولا يجوز فيما عرف بعد العمى، وهو أحدُ قولي الحسن، وأحدُ قولي ابن أبي ليلى، وهو قول أبي يوسف والشَّافعي وأصحابه.
وقال طائفة تجوز في الشَّيء اليسير، روي ذلك عن النَّخعي. وقالت طائفة لا تقبلُ في شيء أصلًا إلَّا في الأنساب، وهو قول زفر. وعند أبي حنيفة لا تقبل في شيء أصلًا.
وفي «التوضيح» محصِّلنا فيه على ستَّة مذاهب المنع المطلق، والجواز المطلق، والجواز فيما طريقه الصَّوت دون البصر، والفرق بين ما علمه قبل العمى وبين ما لم يعلمه، والجواز في اليسير، والجواز في الأنساب خاصَّة. انتهى.
واحتجَّ من لم يجز شهادة الأعمى بأنَّ العقود لا تجوز الشَّهادة عليها إلَّا باليقين، والأعمى لا يتيقَّن الصَّوت؛ لجواز شبهه بصوت غيره. وأجازَ المجيزون بأنَّ محلَّ القبول عندهم إذا تحقَّق الصَّوت، ووجدت القرائن الدَّالة لذلك، وأمَّا عند الاشتباه فلا يقول به أحدٌ، ومن ذلك جواز نكاح الأعمى زوجته، وهو لا يعرفها إلَّا بصوتها، لكنَّه يتكرَّر عليه سماع صوتها حتَّى يقعَ له العلم بأنَّها
ج 12 ص 221
هي، وإلَّا فمتى احتمل احتمالًا قويًّا أنَّها غيرها لم يجزْ له الإقدام عليها.