2664 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ) كذا في جميع الأصول (( عبيد الله ) )بالتصغير، وهو أبو قدامة السرخسيُّ، وقد مرَّ في الزكاة [خ¦1415] ، ووقع بخطِّ ابن العلكي الحافظ عبيد بن إسماعيل. وبذلك جزم البيهقيُّ
ج 12 ص 281
في «الخلافيات» ، فأخرج الحديث من طريق محمد بن الحسين الخثعمي، عن عبيد بن إسماعيل.
ثمَّ قال أخرجه البخاريُّ عن عبيد بن إسماعيل، وعبيد بن إسماعيل اسمه في الأصل عبد الله، يكنى أبا محمد الهباري القرشي الكوفي، وهو من مشايخ البخاري، ومن أفراده، وهو معروفٌ بالرواية عن أبي أسامة.
وقد أخرج النسائيُّ هذا الحديث عن أبي قدامة السرخسيِّ فقال عن يحيى بن سعيد القطان بدل أبي أسامة، فهذا يرجِّح ما قال البيهقيُّ.
هذا ويحتمل أن يكون البخاري روى هذا الحديث عنهما جميعًا، فوقع هنا في كثيرٍ من النسخ ، ووقع في بعضها على أنَّ عبيد بن إسماعيل روى أيضًا عن أبي أسامة، والله أعلم.
(حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة، وقد تكرَّر ذكره (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللَّهِ) بالتصغير، هو ابنُ عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (نَافِعٌ) مولى ابن عمر (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) .
وفي هذا الإسناد التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع.
والحديثُ أخرجهُ ابن ماجه في «الحدود» أيضًا.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ) أي في القتال (وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي) بضم أوله من الإجازة؛ يعني لم يثبتني في ديوان المقاتلين، ولم يقدِّر لي رزقًا مثل أرزاق الأجناد، وفي «صحيح ابن حبان» (( فلم يجزني ولم يرني بلغت ) ). وفي رواية ابنِ إدريس وغيره عن عبيد الله عند مسلم (( فاستصغرني ) )وفيه التفاتٌ أو تجريدٌ، إذ كان السِّياق يقتضي أن يقول فلم يجزه، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ.
ولا محصِّل له؛ لأنَّه إمَّا أن يكون من كلام الراوي، أو من كلام ابن عمر رضي الله عنهما نفسه. ويأبى الشقُّ الأول قوله فلم يجزني، وقوله ثمَّ عرضني فأجازني، إلَّا أن يقال الأصل فلم يجزه، ثمَّ عرضه فأجازه، والتكلُّم على سبيل الحكاية نقلًا لكلام ابن عمر رضي الله عنهما بعينه، وفيه بعدٌ لا يخفى.
فالظَّاهر أنَّه من كلام ابن عمر رضي الله عنهما، وأنَّه جرَّد من نفسه أوَّلًا شخصًا، فعبَّر عنه بالغائب، ثمَّ التفت فقال لم يجزني، وأمَّا قول العيني تبعًا للكرماني وجاز في أمثالها وجهان تقول أنا الذي ضربت زيدًا، وأنا الذي ضرب زيدًا، فلا يُطابق ما نحن فيه، فتأمَّل.
ووقع في رواية يحيى القطان عن عبيد الله بن عمر، كما سيأتي في «المغازي» (( فلم يجزه ) ) [خ¦4097] .
وفي رواية مسلم عن ابن نُمير، عن أبيه، عن عبيد الله
ج 12 ص 282
عرضني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ في القتال فلم يجزني.
(ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ، فَأَجَازَنِي) لم يختلف الرُّواة عن عُبيد الله بن عمر في ذلك، وهو الاقتصار على ذكر أُحد والخندق، وكذا أخرجه ابن حبَّان من طريق مالك عن نافع. وأخرجهُ ابن سعد في «الطبقات» عن يزيد بن هارون، عن أبي معشر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، فزاد فيه ذكر بدر، ولفظه عرضتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وأنا ابن ثلاث عشرة، فردَّني وعرضتُ عليه يوم أُحد، الحديث.
قال ابنُ سعد قال يزيد بن هارون ينبغِي أن يكون في الخندق ابن ست عشرة سنة. انتهى.
قال الحافظ العسقلانيُّ وهو أقدم من نعرفه استشكل قول ابن عمر رضي الله عنهما هذا، وإنَّما بناه على قول ابن إسحاق، وأكثر أهل السير أنَّ الخندق كانت في سنة خمس من الهجرة، وإن اختلفوا في تعيين شهرها، كما سيأتي في «المغازي» .
واتَّفقوا على أنَّ أحدًا كانت في شوال سنة ثلاث، وإذا كان كذلك جاء ما قال يزيد أنَّه يكون حينئذ ابن ستَّ عشرة سنة.
لكن البخاريَّ جنح إلى قول موسى بن عقبة في «المغازي» أنَّ الخندق كانت في شوال سنة أربع، وقد روى يعقوب بن سنان في «تاريخه» من طريق البيهقيِّ عن عروة نحو قول موسى بن عقبة، وعن مالك الجزم بذلك.
وعلى هذا لا إشكال، لكن اتَّفق أهل المغازي على أنَّ المشركين لما توجهوا من أحد نادوا المسلمون موعدكم العام المقبل بدر، وأنَّه صلى الله عليه وسلم خرج إليها من السنة المقبلة في شوال، فلم يجد بها أحدًا، وهذه التي تسمَّى بدر الموعد، ولم يقعْ بها قتال، فتعيَّن ما قال ابن إسحاق أنَّ الخندق كانت سنة خمس، فيحتاج حينئذٍ إلى الجواب عن الإشكال.
وقد أجاب عنه البيهقيُّ وغيره بأن قول ابن عمر عرضت يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة؛ أي دخلت فيها.
وأنَّ قوله عرضت يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة؛ أي تجاوزتها،
ج 12 ص 283
فجبر الكسر في الأولى، وألغاه في الثانية، وهو شائعٌ مسموعٌ في كلامهم، وبه يرتفعُ الإشكال المذكور، وهو أولى من التَّرجيح.
ثمَّ إنَّه زعم ابن التين أنَّه ورد في بعض الرِّوايات أنَّ عرضَ ابن عمر رضي الله عنهما كان ببدرٍ، فلم يجزه، ثمَّ بأحدٍ فأجاز. قال وفي رواية عرض يوم أحد وهو ابن ثلاث عشرة سنة فلم يجزه، وعرض يوم الخندق وهو ابن أربع عشرة سنة فأجازه.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولا وجودَ لذلك، وإنَّما وجدَ ما عند ابن سعد، وزعمَ الفضل بن ناصر أنَّه وقع في «الجمع» للحميدي هنا يوم الفتح بدل يوم الخندق.
قال ابن ناصر والسَّابق إلى ذلك أبو مسعود وخلف، قال وتبعهما شيخنا الحُميدي ولم يتدبَّره، والصَّواب يوم الخندق في جميع الرِّوايات، وتلقَّى ذلك ابن الجوزي عن ابن ناصر، وبالغ في التَّشنيع على من وهم في ذلك، وكان الأولى ترك ذلك، فإنَّ الغلط لا يسلم منه أحدٌ.
وقيل ذكر الخندق وهم، وإنما كانت غزوة ذات الرقاع؛ لأنَّ الخندق كانت سنة خمس، وهو قال أنَّه كان في أُحد ابن أربع عشرة.
فعلى هذا تكون غزوة ذات الرِّقاع هي المرادة؛ لأنَّها كانت في سنة أربع بينها وبين أحد سنة، والله تعالى أعلم.
(قَالَ نَافِعٌ) موصول بالإسناد المذكور (فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الخليفة المشهور (وَهْوَ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ. فَقَالَ إِنَّ هَذَا) أي إنَّ هذا السنَّ، وهو خمس عشرة (لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ) أي نهاية الصَّغير وبداية البلوغ، وفي رواية ابن عُيينة عن
ج 12 ص 284
عبيد الله بن عمر عند الترمذيِّ (( فقال هذا حدٌّ ما بين الذرية والمقاتلة ) ).
(وَكَتَبَ) أي عمر بن عبد العزيز (إِلَى عُمَّالِهِ) بضم العين وتشديد الميم، جمع عامل، وهم النوَّاب الذين استنابهم في البلاد (أَنْ يَفْرِضُوا) أي يقدِّروا (لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ) أي رزقًا في ديوان الجند. وفي رواية مسلم زيادة قوله (( ومن كان دون ذلك فاجعلوه في العيال ) ).
والحاصل أنَّهم كانوا يفرِّقون بين المقاتلة وغيرهم في العطاء، وهو الرِّزق الذي يجيء في بيت المال، ويفرَّق على مستحقِّيه، واستدلَّ بقصة ابن عمر رضي الله عنهما على أنَّ من استكمل خمس عشرة سنة أجريت عليه أحكام البالغين، وإن لم يحتلم فيكلِّف العبادات وإقامة الحدود ويستحقُّ سهم الغنيمة ويقتل إن كان حربيًّا ويفكُّ عنه الحجر إن أُونِسَ رشده وغير ذلك من الأحكام، وقد عمل بذلك عمر بن عبد العزيز، وأقرَّه عليه راويه نافع.
وأجاب الطحاويُّ وابن القصار وغيرهما ممَّن لم يأخذ به بأنَّ الإجازة المذكورة جاء التصريح بأنَّها كانت في القتال، وذلك يتعلَّق بالقوَّة والحدَّة.
وأجاب بعض المالكيَّة بأنَّها واقعة عينٍ فلا عموم لها، فيُحتمل أن يكون صادف أنَّه كان عند ذلك السنَّ قد احتلم، فلذلك أجازه، وتجاسرَ بعضهم فقال إنما ردَّه لضعفه لا لسنِّه، وإنَّما أجازه لقوَّته لا لبلوغه.
ويرد على ذلك ما أخرجه عبد الرَّزَّاق عن ابن جُريج، ورواه أبو عَوانة وابن حبَّان في «صحيحيهما» من وجهٍ آخر عن ابن جُريج أخبرني نافع، فذكر هذا الحديث بلفظ عرضت على النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، فلم يجزني ولم يرني بلغت.
وهذه زيادةٌ صحيحةٌ لا مطعن فيها؛ لجلالة ابن جُريج وتقدَّمه على غيره في حديث نافع، وقد صرَّح بالتَّحديث فانتفى ما يخشى من تدليسهِ.
وقد نصَّ فيها لفظ ابن عمر رضي الله عنهما بقوله ولم يرني بلغت، وابن عمر رضي الله عنهما أعلم بما روى من غيره، لاسيَّما في قصَّةٍ تتعلَّقُ به.
وفي الحديث أيضًا أنَّ الإمام يستعرضُ
ج 12 ص 285
من يخرج معه للقتال قبل أن يقعَ الحرب، فمن وجده أهلًا استصحبه وإلَّا ردَّه.
وقد وقع ذلك للنَّبي صلى الله عليه وسلم في بدرٍ وأُحد وغيرهما، وسيأتي الإشارة إليه في كتاب «المغازي» إن شاء الله تعالى [خ¦4097] .
وقال الحافظ العسقلانيُّ وعند المالكيَّة والحنفيَّة لا تتوقف الإجازة للقتال على البلوغِ، بل للإمام أن يجيزَ من الصِّبيان من فيه قوَّة ونجدة، فربَّ مراهقٍ أقوى من بالغٍ.
وحديث ابن عمر رضي الله عنهما حجَّةٌ عليهم، ولاسيَّما الزِّيادة التي ذكرتها عن ابن جُريج.
هذا وقال العينيُّ لا حجَّة فيه؛ لأنَّ للمراهق حكم البالغ، حتَّى إذا قال قد بلغت، يصدَّق، ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ فيه أنَّ بلوغ الصبيِّ بالسنِّ بطعنه في خمسة عشر سنة؛ وذلك لأنَّه صلى الله عليه وسلم أجاز لابن عمر رضي الله عنهما، وسنُّهُ خمس عشرة، فدلَّ على أنَّ البلوغ بالسنِّ بخمس عشرة، فليتأمَّل.